تطبيع الانحراف

news image

استسهال وقبول الغش والشعوذة

لماذا يتحول الخداع أحيانًا إلى بطولة اجتماعية؟

كتب: عبدالله العميره

سؤال مؤلم ..  لكنه حقيقي:

لماذا يُطبع الانحراف؟

لماذا يقبل بعض الناس — في أي مجتمع — فكرة:
الشعوذة،
والسحر،
والغش،
والتدليس،
والفساد،
وكأنها أمور طبيعية.. أو حتى “ذكية” أحيانًا؟

ولماذا يتحول المحتال عند البعض إلى شخص “شاطر”،
بينما يُنظر إلى الأمين والنزيه وكأنه:
طيب أكثر من اللازم،
أو يفتقد “الدهاء” و”الحنكة”؟

ولماذا يشعر كثير من الشرفاء أحيانًا أنهم عاجزون عن مواجهة المتحايلين والفاسدين، أو حتى انتزاع حقوقهم منهم؟

هنا لا نتحدث عن حالات فردية،
بل عن ظاهرة اجتماعية ونفسية أعمق،
تكشف اضطرابًا في مفاهيم:
القيمة،
والنجاح،
والذكاء،
والعدل،
ومعنى القوة الحقيقية.

ماذا يمكن أن نسمّي هذه الحالة؟

قد لا يكون لها اسم واحد،
لكنها تقترب من:
“تطبيع الانحراف”.

حين يفقد المجتمع حساسيته تجاه الخطأ،
ويبدأ بالتعايش معه،
ثم تبريره،
ثم الإعجاب بمن يمارسه.

وهنا ينتقل الفساد من:
سلوك مرفوض،
إلى:
مهارة اجتماعية.

ويتحول الخداع من:
فعل مخجل،
إلى:
أداة “نجاح” في نظر بعض العقول.

لماذا يحدث ذلك؟

أولًا: ضعف الوعي النقدي

حين يضعف التفكير النقدي،
يصبح الإنسان أكثر قابلية لتصديق:
الشعوذة،
والخرافة،
والوعود الوهمية،
والحلول السريعة.

فالعقل الذي لا يسأل:
“كيف؟ ولماذا؟”
يسهل قيادته بالخداع.

ولهذا تنتشر هذه الظواهر غالبًا في البيئات التي:
يضعف فيها التعليم الحقيقي،
أو يغيب فيها الوعي،
أو يطغى فيها التفكير العاطفي والانفعالي على التفكير العقلاني.

كما يجد الفاسدون بيئات سهلة للاختراق حين يُستغل:
الفقر،
أو الجهل،
أو التعصب الأعمى،
أو الانشغال المفرط بالصراعات الهامشية،
على حساب الوعي والمعرفة.

فكلما غاب العقل النقدي،
أصبح تزييف الوعي أسهل،
وأصبح المحتال أقدر على الظهور بمظهر “الذكي”،
حتى لو كان نجاحه قائمًا على الخداع لا الكفاءة.

ولهذا يظهر الفساد حتى في الرياضة، خصوصًا في البيئات التي يتحول فيها التعصب إلى تعطيل للعقل، فيصبح بعض الجمهور مستعدًا لتبرير:
الظلم،
والغش،
والتدليس،
فقط لأنه يرى أن النتيجة تخدم انتماءه أو عاطفته.

وهنا تتحول فكرة:
“الغاية تبرر الوسيلة”
إلى مبرر لقبول أي ممارسة،
مهما كانت غير أخلاقية،
حتى لو قامت على:
الغش،
أو التضليل،
أو الشعوذة.

ويبقى السؤال الأكبر:
من المستفيد من تغييب الوعي؟
ولماذا يُترك بعض العابثين يتمادون في توجيه الجمهور نحو:
التعصب،
والتشويه،
والانحدار الأخلاقي والفكري؟

ثانيًا: الهروب من الواقع

بعض الناس لا يبحثون عن الحقيقة،
بل عن “راحة نفسية سريعة”.

ولهذا قد ينجذبون:
إلى الدجال،
أو المشعوذ،
أو المحتال،
لأنهم يبيعون:
الأمل السهل،
والحل السريع،
والوهم المريح.

فالشعوذة أحيانًا ليست قوة المشعوذ،
بل ضعف من يبحث عنه.

ثالثًا: الإعجاب بالقوة حتى لو كانت فاسدة

في بعض البيئات،
يُقاس النجاح بالنتيجة فقط،
لا بالطريقة.

ولهذا قد يُعجب البعض بالشخص:
المخادع،
أو الفاسد،
أو المتلاعب،
وأحيانًا حتى اللص،
طالما أنه:
غني،
أو مشهور،
أو استطاع الوصول بسرعة.

وهنا يحدث الخلل الأخطر:
حين ينفصل “النجاح” عن “القيمة”.

فيصبح السؤال:
“هل نجح؟”
أهم من:
“كيف نجح؟”

رابعًا: ضعف العدالة والمحاسبة

حين يرى المجتمع أن:
الفاسد ينجو،
والمحتال يربح،
والمنافق يصعد،
بينما يدفع النزيه الثمن،
تبدأ بعض العقول بإعادة تعريف الأخلاق نفسها.

وهنا يصبح الانحراف “منطقيًا” عند البعض،
لا لأنه صحيح،
بل لأن البيئة سمحت له بالتحول إلى سلوك مربح.

لماذا يستغل الفاسد المؤمنين بالشعوذة؟

لأن المحتال يفهم نقاط الضعف النفسية:
الخوف،
والطمع،
واليأس،
والحاجة إلى الأمل.

ولهذا لا يعتمد الدجال على الذكاء بقدر اعتماده على:
قراءة ضعف الآخرين.

فكلما ضعفت:
الثقة بالنفس،
والعلم،
والوعي،
زاد نفوذ:
الشعوذة،
والتضليل،
والاستغلال.

لكن الخطر الأكبر،
حين تُستخدم هذه الأدوات لتحقيق أهداف لا يراها الجمهور أصلًا.

أما الأخطر من ذلك،
فهو أن يعرف بعض الناس الحقيقة والهدف،
ثم يختاروا الاصطفاف خلف المخادع رغم ذلك.

تحليل نفسي

الإنسان حين يشعر بالعجز،
قد يصبح أكثر استعدادًا لتصديق أي شيء يمنحه شعورًا بالسيطرة.

ولهذا،
في أوقات:
الأزمات،
والخوف،
والقلق،
يظهر الفاسد،
وتزداد قابلية بعض المجتمعات لتصديق:
الخرافة،
والشائعات،
والحلول الوهمية.

فالعقل المرهق يبحث أحيانًا عن نافذة للتنفيس،
أو وسيلة للهروب،
أو حتى أداة لتنفيذ رغبات سيئة.

أما الجمهور،
فقد يبحث أحيانًا عن “تصديق مريح”
أكثر من بحثه عن حقيقة متعبة.

تحليل اجتماعي

المجتمع الصحي الواعي لا يُعجب بالمخادع،
حتى لو كان ناجحًا.

بل يربط بين:
النجاح،
والقيمة،
والأمانة،
والاستحقاق.

أما المجتمع الذي يصفق للغش،
فهو لا يعاني فقط من فساد أفراد،
بل من اضطراب في “البوصلة الأخلاقية”.

وهنا يصبح الإصلاح أصعب،
لأن المشكلة لم تعد في الفاسد وحده،
بل في البيئة التي بدأت ترى فساده أمرًا طبيعيًا.

ومن خلال الملاحظة والبحث، لا تبدو هذه السلوكيات ظاهرة عامة بقدر ما هي حالات تنتشر داخل بعض الفئات، بينما يبقى وعي المجتمع عاملًا مهمًا في الحد منها. لكن الخطر الحقيقي يبدأ حين تتحول تلك الحالات — بفعل التبرير والتكرار — إلى ظاهرة اجتماعية يصعب احتواؤها.

نافذة وعي

قد يقرأ البعض هذا المقال بوصفه حديثًا عن:
الشعوذة،
أو الغش،
أو الرياضة،
أو التعصب.

لكن جوهر الفكرة أعمق من ذلك.

فالمقال لا يستهدف فئة بعينها،
بل يحاول قراءة لحظة يتحول فيها:
الخداع إلى مهارة،
والتضليل إلى إعجاب،
والوعي إلى ضحية سهلة للاستغلال.

فالصحافة لا تُكتب من برج عاجي،
بل من ملامسة الواقع،
ومحاولة فهمه،
وكشف الخلل فيه،
والبحث عن طريقٍ يعيد للعقل توازنه،
وللقيم معناها الحقيقي.

كيف نحارب الفساد؟

ليس بالضجيج فقط،
ولا بالشعارات،
ولا بالغضب العاطفي المؤقت.

بل ببناء وعي حقيقي يجعل الإنسان:
يسأل،
ويفكر،
ويحلل،
ويتعلم من أساليب المفسدين السابقة،
ويفهم كيف يُستخدم:
الخوف،
والطمع،
والوهم،
لتوجيه العقول والسيطرة على الناس.

فالوعي لا يعني معرفة المعلومة فقط،
بل القدرة على كشف:
الخداع،
والتلاعب،
والتزييف،
حتى لو جاء في صورة:
نجاح،
أو بطولة،
أو ذكاء مزيف.

وكلما ارتفع وعي المجتمع،
تضاءلت قدرة الفاسد على الاختباء خلف الشعارات،
أو شراء الإعجاب بالخداع.

ختام

أخطر ما قد يصيب أي مجتمع،
ليس وجود الفاسدين فقط،
بل لحظة تحوّل الفساد إلى شيء عادي،
أو مضحك،
أو مثير للإعجاب.

فحين يُصبح الصادق “ساذجًا”،
والمخادع “ذكيًا”،
تبدأ القيم بالانقلاب بهدوء.

وفي تلك اللحظة،
لا يكون المجتمع قد خسر أمواله فقط،
بل خسر قدرته على التمييز بين:
الذكاء الحقيقي،
والخداع المتقن.

أما الخطر الأعظم،
فهو تركيز أصحاب التضليل على البيئات الأضعف وعيًا،
لأنها الأكثر قابلية للتأثر،
والأسرع تصديقًا،
والأسهل توجيهًا واستغلالًا.

ولا يعتقد بعض الناس أن هذه الحالات محصورة في مجتمع بعينه، فهي موجودة بدرجات متفاوتة في مجتمعات عربية وعالمية مختلفة، لكنها تبدو أكثر غرابة حين تظهر داخل المجتمعات المتدينة والمحافظة، لأنها تبقى سلوكيات شاذة لا تنسجم مع طبيعة تلك المجتمعات وقيمها العامة.