روسيا وأوكرانيا: حرب الإرهاق الطويل

news image

إعداد وتحليل | بث | B

ماذا يحدث بالضبط؟

ما يحدث الآن ليس حربًا تبحث عن “نصر سريع”، بل حرب تحولت إلى استنزاف مفتوح.

روسيا تضغط ميدانيًا، وتحاول التقدم البطيء، وتثبيت مكاسبها، ودفع أوكرانيا إلى قبول تسوية بشروط قاسية.
أوكرانيا لم تعد تراهن فقط على صدّ الهجوم، بل على ضرب العمق الروسي بالطائرات المسيّرة والصواريخ، واستهداف الطاقة والمصافي والمطارات ومراكز الإمداد لإيصال رسالة: الحرب لن تبقى داخل أوكرانيا فقط.

في الأيام الأخيرة، طرحت كييف وموسكو هدنًا متقابلة، لكن الاتهامات المتبادلة بانتهاكها كشفت أن “لغة التفاوض” لا تزال أضعف من “لغة النار”.  زيلينسكي اتهم روسيا برفض وقف إطلاق نار اقترحته كييف، وسط تعثر محادثات سلام .

 

ألم يصل إليهم الإرهاق؟

بلى. الطرفان مرهقان، لكن كل طرف يخفي إرهاقه بطريقة مختلفة.

أوكرانيا تعاني نقصًا متزايدًا في القوى البشرية، وتراجعًا في التطوع، وإرهاقًا بين الجنود القدامى، وضغطًا اجتماعيًا بسبب التعبئة، بحسب تحليل حديث لمؤسسة كارنيغي.

وروسيا أيضًا مرهقة، لكنها تملك مساحة أوسع للمناورة: عدد سكان أكبر، اقتصاد حرب، قدرة على تحمل الخسائر، ودولة شديدة المركزية تستطيع كتم آثار التعب داخليًا لفترة أطول.

لكن الفارق المهم أن الإرهاق لا يعني بالضرورة الاستعداد للسلام.
أحيانًا الإرهاق يدفع الدول إلى التسوية.
وأحيانًا يدفعها إلى التصعيد قبل التسوية.

 

ماذا تريد روسيا؟

روسيا تريد أربع نتائج رئيسية:

أولًا: تثبيت السيطرة على الأراضي التي احتلتها، أو على الأقل تحويلها إلى ورقة تفاوض لا يمكن تجاوزها.

ثانيًا: منع أوكرانيا من التحول إلى قاعدة غربية متقدمة على حدود روسيا، خصوصًا من زاوية الناتو والتسليح الغربي.

ثالثًا: فرض اعتراف سياسي بأن روسيا قوة كبرى لا يمكن عزلها أو هزيمتها بسهولة.

رابعًا: إظهار أن الغرب يتعب أسرع من موسكو.

لذلك لا تبدو موسكو مستعجلة على سلام لا يمنحها مكسبًا واضحًا. هي تريد سلامًا يشبه “تثبيت النتيجة”، لا مجرد وقف نار مؤقت.

 

ماذا تريد أوكرانيا؟

أوكرانيا تريد البقاء أولًا، ثم منع روسيا من تحويل الاحتلال إلى أمر واقع.

كييف تريد:

استعادة أكبر قدر ممكن من أراضيها.
ضمانات أمنية حقيقية تمنع حربًا جديدة.
استمرار الدعم الغربي.
إضعاف قدرة روسيا على شن موجات جديدة.
إبقاء قضيتها حية دوليًا.

ولهذا توسع أوكرانيا ضرباتها المتوسطة والبعيدة داخل روسيا. روضاعفت كييف ضرباتها متوسطة المدى ضد القوات الروسية منذ مارس، وأن زيلينسكي وصف هذا المسار بأنه “أولوية”.

 

ألا يوجد حل؟

يوجد حل نظريًا، لكنه صعب عمليًا.

أي حل يحتاج إلى إجابة عن ثلاثة أسئلة مؤلمة:

من يسيطر على الأرض المحتلة؟
ما الضمانات الأمنية لأوكرانيا؟
كيف تُرفع العقوبات أو تُدار العلاقة مع روسيا؟

هنا تكمن العقدة.
روسيا لا تريد الانسحاب بلا مقابل.
أوكرانيا لا تريد الاعتراف بالخسارة.
الغرب لا يريد مكافأة الغزو.
وموسكو لا تريد أن تبدو مهزومة.

لذلك يتحول الحل إلى معادلة قاسية:
وقف الحرب ممكن.
أما صناعة سلام عادل ومستقر، فهي أصعب بكثير.

 

من يريد للحرب أن تستمر؟

ليس هناك طرفًا واحدًا يريد الحرب إلى الأبد، لكن هناك أطرافًا تجد في استمرارها مصلحة أو ورقة ضغط.

روسيا قد ترى أن استمرار الضغط يحسن شروطها لاحقًا.
أوكرانيا قد ترى أن وقفًا سيئًا للنار يمنح روسيا فرصة لإعادة التسليح.
بعض الصناعات العسكرية تستفيد من طول الحرب.
بعض القوى الغربية ترى أن استنزاف روسيا يخدم توازن القوة.
وبعض القوى المنافسة للغرب تستفيد من انشغال أوروبا وأمريكا.

لكن الحقيقة الأعمق:
الحرب تستمر أحيانًا ليس لأن الجميع يريدها، بل لأن كل طرف يخاف من سلام يمنح الآخر نصرًا.

 

نهاية أم لا نهاية؟

الأقرب: لا نهاية قريبة كاملة.

قد نرى وقفًا مؤقتًا للنار.
قد نرى هدنة جزئية.
قد نرى خطوط تماس شبه ثابتة.
وقد نرى مفاوضات طويلة.

لكن نهاية حقيقية للحرب تحتاج إلى لحظة واحدة من ثلاث:

انكسار عسكري واضح لأحد الطرفين.
تعب داخلي يفرض تنازلًا سياسيًا.
صفقة كبرى بين القوى الكبرى تفرض تسوية على الطرفين.

حتى الآن، لا تبدو أي من هذه اللحظات ناضجة تمامًا.

الخلاصة

الحرب الروسية الأوكرانية دخلت مرحلة أخطر من البدايات:
مرحلة تطبيع الحرب.

لا أحد قادر على الحسم السريع.
ولا أحد قادر على الاعتراف بالهزيمة.
ولا أحد يملك حتى الآن صيغة سلام تحفظ ماء الوجه وتوقف النزيف.

روسيا تريد أن تثبت أن الزمن معها.
أوكرانيا تريد أن تثبت أن الصمود يمكن أن يهزم الزمن.
والغرب يريد أن يمنع روسيا من الانتصار دون أن يدخل حربًا مباشرة.

لذلك قد لا تنتهي الحرب قريبًا.
لكنها قد تتحول تدريجيًا إلى شيء أخطر:

حرب طويلة بلا إعلان نهاية.
لا سلام كامل.
ولا انتصار كامل.
بل نزيف محسوب، وخطوط نار تتحول مع الوقت إلى حدود نفسية وسياسية جديدة.