الإعلام بين غوبلز وترامب

news image

الدعاية في الحرب: من احتكار الرواية إلى صناعة الضجيج

كتب: عبدالله العميره

 

لا تتغير الحروب كثيرًا
لكن أدوات سردها تتطور.

من برلين في ثلاثينيات القرن الماضي، حيث كانت الرواية تُصنع داخل وزارة واحدة،
إلى واشنطن في زمن المنصات المفتوحة، حيث تتصارع آلاف الروايات في اللحظة نفسها
يبقى السؤال ثابتًا:

من يملك القصة؟.. ومن يملك عقل المتلقي؟

أولًا: ما الذي يجمع بينهما؟

رغم اختلاف النظامين، تتقاطع الأدوات:

  • التكرار: ترسيخ الفكرة حتى تصبح مألوفة
  • صناعة العدو: تبسيط الصراع إلى “نحن” و“هم”
  • تبسيط الرسالة: اختزال التعقيد في جملة واضحة
  • تحويل المعركة إلى قصة أخلاقية: حق مقابل باطل
  • ربط الجمهور بالخوف أو الفخر
  • فرض رواية تبدو الأكثر قابلية للتصديق

هذه ليست تقنيات عابرة
بل أساس علم الدعاية في زمن الحرب

ثانيًا: أين يختلفان؟

الاختلاف جوهري في البيئة:

  • غوبلز عمل داخل نظام شمولي يحتكر الإعلام ويغلق المجال العام
  • ترامب يعمل داخل بيئة مفتوحة، متعددة الأصوات، لا يمكن احتكارها بالكامل

لكن الفارق الأهم:

غوبلز كان يسيطر على كل المنابر
ترامب لا يسيطر؛لكنه يخترق

يستخدم التصريح المفاجئ، والتكرار، وصناعة العنوان، لفرض نفسه داخل المشهد الإعلامي المزدحم.

ثالثًا: لماذا يتصدر ترامب الخطاب؟

الظهور ليس عشوائيًا ؛ بل وظيفة.

  • يختصر المؤسسة في شخصه
  • يسبق المتحدثين الرسميين
  • يصنع العنوان ، ويجبر الآخرين على التفاعل معه

هنا يتحول الرئيس من “صانع قرار” إلى:

محرّك للرواية

وليس مجرد متحدث عنها

رابعًا: ماذا أراد غوبلز؟.. وماذا يريد ترامب؟

  • غوبلز:
    صناعة ولاء كامل للنظام، وتعبئة المجتمع خلف الحرب والزعيم
  • ترامب:
    فرض الإطار الذي تُفهم من خلاله الأحداث:
    “نحن الأقوى.. خصومنا ينهارون.. وأي نتيجة لاحقة هي نتيجة ضغطنا”

الفارق:

الأول يريد إغلاق العقل
الثاني يريد توجيه النقاش داخله

خامسًا: التكرار.. نظرية أم عادة؟

التكرار ليس ضعفًا في الطرح
بل أداة نفسية عميقة:

  • الفكرة المكررة تصبح مألوفة
  • المألوف يبدو صحيحًا لبعض الجمهور

قديمًا:
كانت الرسالة تُبث من الأعلى إلى الأسفل

اليوم:
تتضاعف عبر:

  • المنصات
  • الجمهور
  • الخوارزميات

ليتحول التكرار إلى تسونامي إدراكي

الخلاصة

غوبلز كان يدير ماكينة دعاية مغلقة
ترامب يدير عاصفة رواية مفتوحة

الأول:

يفرض حقيقة واحدة

الثاني:

يكرر رواية حتى تصبح هي الإطار الذي يُناقش من داخله

تنويه منهجي

هذا الطرح لا يقارن بين هوية الأنظمة أو أهدافها أو طبيعتها السياسية،
ولا يضع هتلر أو النظام النازي في سياق واحد مع أي تجربة معاصرة.

بل يركّز حصراً على تحليل الأدوات الإعلامية ومنهج الدعاية في سياق الحرب،
باعتبارها تقنيات قد تتكرر بأشكال مختلفة… رغم اختلاف البيئات والأنظمة.

سطر أخير

في زمن غوبلز
كان الخطر في احتكار الحقيقة

وفي زمننا

الخطر في إغراقها..بينما الأدوات قد تتشابه، لكن السياقات لا تُختزل
 


الصورة
كل الطرق تؤدي إلى رواية واحدة