حين يُدار الإعلام .. من خارج غرفته

news image

كتب: عبدالله العميره

مقدمة

ليست كل أخطاء الإعلام ناتجة عن لحظة ضعف 
بعضها نتيجة منظومة كاملة تعمل بهدوء، حتى تبدو الأخطاء طبيعية.

الإعلام حين يفقد بوصلته، لا يسقط فجأة 
بل يبدأ بالتنازل التدريجي: في المعايير، في الاختيارات، وفي فهم دوره الحقيقي.

وهنا، لا تعود المشكلة في خبرٍ غير دقيق، أو محللٍ ضعيف
بل في سؤال أعمق:

من يدير المشهد فعليًا؟

هذا المقال يركّز على الإعلام الإخباري السياسي
حيث تُدار الرواية، وتتكشف الإشكالات.

 

أولًا: ضعف المهنية .. بوابة الخلل

المهنية ليست شعارًا 
بل قدرة على تطبيق معادلة واضحة:

رسالة تُصاغ بوعي 
وسيلة تُختار بدقة 
هدف يُفهم بعمق 
وأثر يُقاس بموضوعية 

حين تغيب هذه العناصر، يتحول العمل الإعلامي إلى نشاط شكلي:
محتوى يُنتج… دون تأثير 
وتغطية تُقدَّم… دون فهم.

وهنا، لا يكون الخلل في النتيجة… بل في الأساس.

 

ثانيًا: العلاقة .. حين تتقدم على الكفاءة

في بعض المؤسسات، لا يصل الأفضل 
بل يصل الأقرب.

تُقدَّم الوجوه بناءً على العلاقة 
ويُؤخَّر أصحاب الكفاءة لصالح حضورٍ لا يملك ما يقدمه.

المشكلة هنا ليست أخلاقية فقط 
بل مهنية بحتة.

لأن المتلقي لا يرى “العلاقة” 
بل يرى ضعف الطرح.

وحين يتكرر ذلك، تتحول الوسيلة تدريجيًا إلى منصة فاقدة للمصداقية 
حتى وإن امتلكت إمكانيات كبيرة.

 

ثالثًا: النقل .. حين يصبح بديلاً عن الفهم

هناك فرق بين أن تلتقط خبرًا 
وبين أن تتبناه.

الإعلام المهني لا يكتفي بالنقل 
بل يُخضع ما ينقله للتقييم والتحليل والسياق.

أما حين تتحول الوسيلة إلى مجرد ناقل 
تنقل عن شبكة .. عن أخرى .. عن مصدر لا يُرى ؛ فإنها تفقد أهم ما يميزها:

الهوية.

والأخطر
أن هذا النمط يفتح الباب لاختراق سهل 
تُمرَّر من خلاله رسائل جاهزة، دون جهد يُذكر.

 

رابعًا: التهميش.. حين يُقصى المبدعون

أخطر ما يمكن أن يحدث في أي مؤسسة إعلامية 
ليس وجود الضعف
بل غياب البديل.

حين يُهمَّش المبدعون، أو يُستبعد أصحاب الرؤية 
تُغلق أبواب التطوير من الداخل.

وهنا، لا يعود الخلل مؤقتًا
بل يتحول إلى حالة مستمرة.

هذه ليست أخطاء منفصلة
بل حلقات في سلسلة واحدة:

  • ضعف المهنية يفتح الباب
  • العلاقات تملأ الفراغ
  • النقل يفقد الهوية
  • التهميش يمنع الإصلاح

وفي هذه البيئة، لا يحتاج “الاختراق” إلى جهد كبير
لأن المنظومة نفسها مهيأة لاستقباله.

الإعلام لا يفقد تأثيره لأنه يفتقر إلى الإمكانيات
بل لأنه يفقد قدرته على إدارة نفسه.

حين يُدار الإعلام من خارج غرفته 
لا يكون ذلك دائمًا بفعل قوة خارجية
بل أحيانًا بسبب فراغ داخلي.

والسؤال الذي يجب أن يُطرح:

هل المشكلة في من يحاول التأثير
أم في من يترك الباب مفتوحًا؟

 

إضافة

في العمل الإعلامي، ليست المشكلة في المركزية أو اللامركزية
بل في سوء استخدامهما.

المركزية تُحسن توحيد القرار في القضايا الكبرى 
واللامركزية تمنح مرونة في التنفيذ اليومي.

لكن الخلل يبدأ عندما:

  • تُدار التفاصيل الصغيرة بمركزية مفرطة
  • أو تُترك القرارات الكبرى لتعدد الجهات دون حسم

هنا، يتأخر القرار… وتضيع المسؤولية
وتتحول النتيجة إلى تسوية… لا موقف.

الإعلام الفعّال لا يختار أحد النمطين 
بل يوازن بينهما:

قرار مركزي .. وتنفيذ مرن

________
الصورة :
من داخل المتاهة .. يبدو كل شيء طبيعيًا