مفاوضات الحروب .. من يحسم؟

news image

 

الرياض | بث B
07 ذو القعدة 1447هـ | 24 أبريل 2026م

حين تُكتب النهاية خارج الميدان

إعداد وتحليل | إدارة الإعلام الاستراتيجي – بث B

 

المقدمة

الحروب تبدأ بقرار..
لكنها لا تنتهي بطلقة أخيرة.

غالبًا، تُحسم على طاولة تُدار تحت ضغط الميدان،
حيث لا يبحث الأطراف عن نصر كامل..
بل عن أفضل صيغة ممكنة للنهاية.

 

شواهد من التاريخ

فرساي: نهاية تُمهّد لصراع (1919)

أنهت الحرب العالمية الأولى وفرضت شروطًا قاسية على ألمانيا،
لكنها لم تُرضِ جميع المنتصرين؛
إيطاليا خرجت بـ“نصر مبتور”،
واليابان بمكاسب محدودة وشعور بعدم الاعتراف.

وُقّعت المعاهدة في “قاعة المرايا” بقصر فرساي في 28 يونيو 1919،
بعد ستة أشهر من المفاوضات أعقبت هدنة 11 نوفمبر 1918،
لتتحول من تسوية إلى إملاء سياسي.

أبرز ما فرضته المعاهدة:
تحميل ألمانيا مسؤولية الحرب،
إلزامها بتعويضات مالية ضخمة،
تقييد قدراتها العسكرية ونزع جزء كبير من سلاحها،
وفقدانها أراضٍ ومستعمرات لصالح دول أوروبية.

الدلالة:
الاتفاق غير المتوازن..
لا يُنهي الصراع، بل يؤجله في صورة أشد.

 

الحرب العالمية الثانية: الحسم يُنهي الإيديولوجيا (1945)

انتهت بانتصار الحلفاء،
وسقوط النظامين النازي في ألمانيا والفاشي في إيطاليا،
لتُطوى مرحلة قامت على الأيديولوجيا الشمولية والهيمنة.

الدلالة:
بعض الصراعات لا تُحسم بتسوية..
بل بانتصار يُنهي الفكرة التي أشعلت الحرب.

حين تفشل التسويات في احتواء الصراع..
تأتي لحظة الحسم لتغيّر القواعد.

 

الحرب الباردة: الضغط يحسم (دون مواجهة مباشرة)

انتهى الصراع دون حرب شاملة،
بل عبر استنزاف طويل المدى.

النتيجة والدلالة:
تفكك الاتحاد السوفيتي عام 1991،
بعد سنوات من الضغط الاقتصادي والعسكري والتقني،
دون مواجهة عسكرية مباشرة مع الولايات المتحدة.
الضغط قد يحسم.. دون إطلاق نار.

 

فيتنام: الانسحاب لا يعني الحسم (1973)

اتفاق باريس أنهى الوجود الأميركي،
لكن الحسم السياسي تأخر حتى سقوط سايغون.

الدلالة:
القوة العسكرية لا تضمن نتيجة مستقرة.

 

أكتوبر: نصر يفتح باب السياسة (1973–1978)

تحقّق نصر أعاد الأرض،
لكنه لم يُنهِ الصراع بشكل كامل.

هذا التوازن في الميدان
فتح مسارًا تفاوضيًا،
انتهى باتفاق أعاد ترتيب المشهد الإقليمي.

الدلالة:
حين يتحقق نصر دون حسم شامل..
تبدأ السياسة في كتابة النهاية.

 

أفغانستان: التفاوض تحت الإنهاك (2020)

أنهى اتفاق وجودًا عسكريًا طويلًا،
لكن الواقع أعاد تشكيل نفسه سريعًا.

الدلالة:
التفاوض تحت الضغط، وغياب التخطيط الجيد..
لا يصنعان توازنًا مستقرًا.

 

العراق: إسقاط النظام .. وفراغ ما بعده (2003)

أُسقط النظام بسرعة عسكرية…
لكن ما بعده شهد تفكيك مؤسسات الدولة،
وفراغًا أمنيًا وسياسيًا أتاح تدخل قوى، و تشكيل مليشيات،
ووسّع دوائر الصراع داخل العراق والمنطقة.

الدلالة:
إسقاط النظام لا يعني استقرار النتيجة..
وإدارة ما بعد الحسم هي التي تحدد شكل النهاية.

 

النمط الأميركي: حسم الميدان.. وإرباك ما بعده؟

خاضت الولايات المتحدة حروبًا متعددة عبر عقود،
من فيتنام إلى أفغانستان والعراق،
وصولًا إلى تدخلات أقل حسمًا في مناطق أخرى.

في عدد من هذه التجارب،
تحقق الحسم العسكري أو الهدف المباشر،
لكن إدارة ما بعده لم تصل دائمًا إلى استقرار مستدام،
ما ترك فراغات أعادت تشكيل الصراع بأشكال مختلفة.

السؤال الذي يتكرر:
هل يرتبط ذلك بطبيعة كل حرب وظروفها..
أم بنمط يتكرر مع تغيّر الإدارات واختلاف الرؤساء؟

من ترومان إلى جونسون ونيكسون،
ومن بوش إلى أوباما وبايدن،
تبدو الأدوات مختلفة..
لكن النهايات تتشابه في بعض المحطات.

ومع عودة ترامب،
يُطرح السؤال ذاته بصيغة جديدة:

هل تتغيّر النتيجة..
أم يتغيّر الأسلوب فقط؟

 

الدلالة:

المسألة لا تتعلق بالقوة فقط..
بل بقدرة هذه القوة على تحويل الحسم إلى استقرار.

فالثقة لا تُبنى بالانتصار وحده..
بل بما يليه.

الحسم العسكري يغيّر الواقع..
لكن ما بعده يختبر المصداقية.

 

هل يتكرر التاريخ اليوم؟

التاريخ لا يكرر نفسه بالضبط..
لكنه مدرسة يتعلم منها أصحاب الحكمة.

يقدّم أنماطًا متجددة مع تغيّر الزمن،
لكن بجذور واحدة في الفكر  .

والمنتصر المستقر..
هو من يستفيد من التجارب،
أما الأخطاء فلا تتطور…
بل تعود بصور أشد إن لم تُفهم.

 

قراءة بث B

المشهد الحالي لا يُدار من طرف واحد…
بل من طبقات ضغط متداخلة:

قوة دولية،
وقوى إقليمية ترى في استقرارها خطًا أحمر.

وفي مثل هذه اللحظات،
لا تكون النهايات نتاج تفاوض بارد فقط،
بل نتيجة تفاعل بين الميدان.. والإرادة السياسية..والضغط الإقليمي.

التاريخ يقدّم مسارين للنهايات:

تسويات تُبقي الأنظمة مع تعديل سلوكها،
أو نهايات تُفرض حين تتقاطع الإرادات على تغيير أعمق.

وحين يتقاطع الضغط الدولي مع الإقليمي..
تتغيّر شروط النهاية.

 

الخلاصة

الحروب لا تنتهي حين تتوقف المعارك،
بل حين تُفرض صيغة النهاية.

الميدان يحدد الاتجاه..
لكن الطاولة تكتب النهاية.

 

BETH (بث B) – All rights reserved