من يربح فشل الوساطة؟
حين تُدار الأزمات خارج طاولة الحل
إعداد وتحليل | إدارة الإعلام الاستراتيجي – بث B
إشراف: عبدالله العميره
حين تقترب الوساطة من لحظة الاختبار، لا يعود السؤال: هل نجحت أم فشلت؟
بل: من يستفيد من فشلها .. ومن يحتاج إلى نجاحها؟
الوساطة ليست مجرد جسر بين خصمين،
بل أداة تكشف ما تريده الأطراف حقًا.
فمن يريد الحل، يتعامل معها كمخرج.
ومن يريد تحسين شروطه، يتعامل معها كوقت إضافي.
ومن يريد الحرب، يتعامل معها كمرحلة مؤقتة تسبق الانفجار.
من يسعد بفشل الوساطة؟
أول من يسعد بفشلها هو التيار الذي يرى أن الضغط العسكري أو الحصار لم يبلغ ذروته بعد.
هذا التيار لا يكره الوساطة لأنها سيئة في ذاتها،
بل لأنه يعتقد أن أي تهدئة مبكرة تعني إنقاذ الخصم قبل أن يدفع الثمن الكامل.
في الجانب الأميركي، هناك من قد يرى أن نجاح الوساطة قبل انتزاع تنازل واضح من إيران يعني خسارة لحظة تفوق نادرة.
فإذا كانت واشنطن قد نجحت في تضييق الخناق،
فإن بعض دوائرها ستفضّل استمرار الضغط حتى يتحول إلى اتفاق بشروط أميركية أعلى، لا إلى تسوية متوازنة تحفظ للخصم ماء وجهه.
وفي الجانب الإيراني، هناك أيضًا من لا يروق له نجاح الوساطة،
خصوصًا داخل البنية الأكثر تشددًا أو داخل الدوائر التي بنت شرعيتها على الصدام.
هؤلاء لا يرون في الوساطة حلًا،
بل يرون فيها خطرًا على روايتهم الداخلية،
لأن أي تسوية قد تُقرأ باعتبارها تراجعًا،
وأي توقيع قد يفتح باب الأسئلة داخل جمهورهم:
إذا كان الحل ممكنًا الآن، فلماذا كل هذا النزيف؟
هناك أيضًا طرف ثالث غير مباشر يسعد بفشل الوساطة:
كل من يستثمر في الفوضى.
ليس بالضرورة أن يكون هو من أطلقها،
لكن مصالحه تتغذى عليها:
مضاربون في الأسواق،
شعبويون في السياسة،
شبكات نفوذ إقليمية لا تزدهر إلا في غياب الاستقرار،
وحتى بعض اللاعبين الدوليين الذين يرون أن استنزاف الجميع أفضل من استقرار أحد.
ومن يريد نجاحها؟
من يريد نجاح الوساطة حقًا هو من يدفع كلفة استمرار الأزمة أكثر من كلفة التسوية.
باكستان تريد نجاح الوساطة،
ليس لأن نجاحها يجمّل صورتها فقط،
بل لأن فشلها يضعها أمام بيئة إقليمية أكثر اضطرابًا،
ويُضعف قيمتها كقناة توازن.
ومع ذلك، فإن أسباب التعثر—إن حدث—لا تعود إليها،
بل إلى إصرار طرف .. في مواجهة تعنّت طرف آخر.
وهنا يبرز السؤال:
إذا كانت باكستان قد اختيرت كوسيط نزيه، وقادر، وذو خبرة..
فلماذا تلوح إرادة الفشل في الأفق؟
الحكم بالفشل لا يزال سابقًا لأوانه،
فالباب لم يُغلق بعد،
والقرار ليس بيد الوسيط ليعلن التوقف،
بل بيد من يريد أن يثبت للعالم أن تعنّت إيران هو العامل الحاسم،
وأنه هو ما يدفع المشهد نحو نقطة اللاعودة؛ إلى اتفاقٍ يُنظر إليه باعتباره مموّهًا.
عند تلك اللحظة،
قد تُحسم المعادلة بطريقة مختلفة:
ليس بفشل الوساطة..
بل بإثبات أن الوسيط قام بما عليه،
وأن الفشل—إن وقع—كان خارج إرادته.
وهنا، يظهر نجاحٌ غير مباشر لباكستان..
نجاحٌ لا يُقاس بالاتفاق،
بل بوضوح الحقيقة.
الوسيط لا يبحث عن المجد وحده؛
بل يسعى قبل ذلك إلى منع الحريق من الاقتراب من بيته.
ويبقى سؤالان حاضران:
هل تجري مفاوضات خلف الكواليس بين واشنطن وطهران بعيدًا عن الوساطة؟
غالبًا.. نعم، عبر قنوات غير معلنة.
فالملفات الكبرى نادرًا ما تُدار في العلن فقط.
وهل توجد أدوار خفية تدعم تعنّت إيران؟
بعضها داخلي يحمي بقاء النظام
وبعضها خارجي يرى في استمرار التوتر مصلحة.
الدول المرتبطة باستقرار الطاقة تريد نجاحها.
الأسواق تريد نجاحها.
الدول التي تخشى توسع الاشتباك إلى الممرات البحرية تريد نجاحها.
الحلفاء الذين يريدون أميركا قوية لكن غير غارقة في حرب طويلة يريدون نجاحها كذلك.
لأن النجاح هنا لا يعني انتصار إيران،
بل يعني احتواء الأزمة قبل أن تصبح أكبر من الجميع.
وفي داخل إيران نفسها، هناك على الأرجح من يريد نجاحها،
لكن ليس تحت عنوان “الاستسلام” بل تحت عنوان “منع الانهيار”.
فهناك فارق كبير بين نظام يحب المواجهة،
ونظام يدرك أن بقاءه نفسه قد يصبح مرهونًا بإيجاد مخرج منظم.
أين تكمن المفارقة؟
المفارقة أن الجميع قد يعلن تأييد الوساطة..
لكن ليس الجميع يريد نفس نوع النجاح.
واشنطن قد تقبل وساطة تنتهي بتوقيع واضح وتنازل ملموس.
طهران قد تقبل وساطة تنتهي بوقف الضغط دون أن تظهر منهزمة.
الوسيط يريد نجاحًا يمنع الانفجار.
الأسواق تريد نجاحًا يعيد الطمأنينة.
لكن بين هذه النجاحات المتعددة،
يكمن سبب التعثر:
كل طرف يريد نهاية.. لكن على صورته هو.
هل فشل الوساطة يعني فشل باكستان؟
ليس بالضرورة.
هذا من أكثر الاستنتاجات السطحية شيوعًا.
فشل الوساطة أحيانًا لا يكشف ضعف الوسيط،
بل يكشف أن الأطراف لم تنضج بعد للحل.
الوسيط لا يصنع الإرادة من العدم.
هو يلتقطها إن وُجدت،
ويقرّبها إن اقتربت،
ويؤخر الانفجار إن عجز عن إنهائه.
لذلك، السؤال الأدق ليس:
هل نجحت باكستان أو فشلت؟
بل:
هل كانت هناك إرادة حقيقية لدى الأطراف لإنجاحها أصلًا؟
لماذا يطول الصبر الأميركي؟
لأن واشنطن، على الأرجح، لا تبحث فقط عن فتح مضيق أو ردع تهديد،
بل عن إعادة ضبط السلوك الإيراني.
والفرق كبير بين ضربة تفتح ممرًا لساعات،
واتفاق يفرض قواعد جديدة لسنوات.
الضرب السريع ممكن.
لكن الضرب السريع لا يضمن دائمًا النتيجة السياسية الأعمق.
ولهذا يطول الصبر حين يكون الهدف أكبر من الهدف الميداني المباشر.
الخلاصة
من يسعد بفشل الوساطة؟
الذي يرى أن الحرب لم تُعطِ كل ما عندها بعد،
أو أن التسوية قد تُنقذ خصمه قبل أن ينكسر،
أو أن الفوضى أصلًا جزء من مصلحته.
وقد يُضاف إلى ذلك طرف آخر:
من تم استبعاده من مسار الوساطة.
هل هذا معقول؟
نعم .. ولكن بحدود.
فبعض القوى—دولًا كانت أو جهات—ترى أن غيابها عن طاولة الوساطة
يُفقدها التأثير في صياغة النتيجة،
فتُفضّل تعطّل المسار.. على نجاح لا دور لها فيه.
لكن هذا العامل—غالبًا—يبقى مُساندًا لا حاسمًا.
لأن قرار الفشل الحقيقي لا يصنعه الغائبون،
بل يصنعه من بيدهم التوقيع.. أو الرفض.
ومن يريد نجاحها؟
الذي يعرف أن كلفة الانفجار أكبر من كلفة التنازل،
وأن الاستقرار—حتى لو كان ناقصًا—أفضل من اتساع النار.
لكن الحقيقة الأعمق هي:
الوساطة لا تفشل فقط لأن الوسيط ضعيف،
بل لأنها أحيانًا تدخل غرفة لا يزال فيها الجميع مقتنعين بأن الوقت يعمل لصالحهم.
ولهذا،
فإن السؤال العالمي الصادم ليس:
هل فشلت باكستان؟
بل:
من الذي لم يُرِد لها أن تنجح؟
توقعات بث: خلال الأيام المقبلة، سيستمر الضغط بتصعيد محسوب دون حرب شاملة، مع إبقاء نافذة تفاوض ضيقة مفتوحة—والحسم سيبقى رهين قرار اللحظة.. لا وزن الوسيط
الخاتمة
لن تُحسم الحرب قريبًا،
ولن تُحل بالدبلوماسية…
بل ستُدار:
ضغط مستمر… تفاوض جزئي… وحسم مؤجل.
BETH (بث B) – All rights reserved