حين تربح بلا حرب
كتب: عبدالله العميره
—
في زمن الحروب؛ الجميع يتحدث عن الصواريخ..
وقليلون ينتبهون لمن يربح دون أن يطلقها.
القوة الصلبة تحسم المعركة..
لكن القوة الناعمة تحسم ما بعدها.
وهنا، لا يُقاس النفوذ بما تدمّره..
بل بما تستطيع أن تُقنع به العالم.
الحروب الحديثة لم تعد فقط صراع جيوش..
بل صراع روايات، وثقة، وصورة ذهنية.
الدول اليوم تكسب بطرق مختلفة:
من يسيطر على الرواية الإعلامية
من يحافظ على استقرار الداخل
من يبقى شريكًا موثوقًا اقتصاديًا
من يستطيع لعب دور الوسيط المقبول
المعركة لم تعد: من الأقوى؟
بل: من الأكثر تأثيرًا بعد الصراع؟
من الحرب .. تولد القوة الناعمة
الحرب الجارية كشفت أمرًا مهمًا:
القوة الناعمة لا تُبنى في الهدوء فقط..
بل تُختبر وتُصقل في الأزمات.
السعودية مثال لافت:
استقرار داخلي رغم التوتر الإقليمي
استمرارية في الاقتصاد والطاقة
حضور دبلوماسي متوازن
خطاب إعلامي أقل صخبًا؛ وأكثر تأثيرًا
هذا ليس صدفة..
بل نتيجة بناء طويل ظهر في اللحظة الحرجة
من يربح الشاشة .. ومن يبني التأثير؟
ما يحدث في الإعلام اليوم ليس حضورًا..
بل سباق على تشكيل الوعي.
بعض الدول اختارت الدخول بهدوء:
الصين، مثلًا، لم تدخل بالصوت العالي
بل عبر كوادر تتحدث العربية
تطرح روايتها بأسلوب هادئ
دون صدام مباشر
الرسالة هنا لا تُفرض..
بل تتسلل
في المقابل،
تحاول بعض الدول العربية الحضور..
لكن المشكلة ليست في الظهور، بل في غياب الفكرة الجديدة:
طرح تقليدي
خطاب مكرر
ردود فعل .. لا صناعة رواية
النتيجة:
حضور بلا أثر
أما الخطأ الأكبر،
فكان في بعض الأصوات التي اختارت مهاجمة الخليج
هذا لم يصنع تأثيرًا..
بل أدى إلى:
فقدان المصداقية
الانزلاق للهامش
وتراجع الحضور
أين تُصنع القوة الناعمة اليوم؟
لم تعد محصورة في الثقافة أو الفن فقط، بل في:
الإعلام: من يملك الرواية .. يملك التأثير
الاقتصاد: من يضمن الاستقرار .. يُكسب الثقة
الدبلوماسية: من يُقبل وسيطًا ..يملك النفوذ
إدارة الأزمات: من لا ينفعل.. يتقد
الفرق الحقيقي ليس بين من يحارب .. ومن لا يحارب
بل بين:
من يدخل الحرب فيخسر صورته
ومن يبقى خارجها؛ فيكسب موقعه
والأهم:
من يدخل المشهد الإعلامي فيضيع صوته
ومن يدير حضوره؛ فيبني تأثيره
القوة الناعمة لا تحتاج ضجيجًا..
بل تحتاج لحظة اختبار
والحروب .. هي أقسى اختبار.
ليس كل من خاض الحرب ربح..
وليس كل من ابتعد عنها خسر.
البعض ربح لأنه عرف كيف لا يُخطئ..
في زمن الحروب..
هناك من يقاتل..
وهناك من يُعيد تشكيل العالم بهدوء.