المواطنة الرقمية .. ووعي الإنسان

news image

الرياض | بث | B

مقدمة
كتب: ممدوح مبروك – باحث سياسي من مصر - مؤسسة الفكر العربي

يتناول الكاتب مفهوم “المواطنة الرقمية” بوصفه تحوّلًا عميقًا في العلاقة بين الدولة والمواطن، في ظل التحول الرقمي المتسارع، حيث لم تعد المواطنة مرتبطة بالحدود الجغرافية فقط، بل امتدت إلى الفضاء الرقمي بما يحمله من فرص وتحديات تتطلب وعيًا جديدًا.

 

العرض ( مختصر)

على المستوى العالمي، لم يعد التحول الرقمي خيارًا… بل واقعًا يُعاد من خلاله تشكيل العلاقة بين الدولة والمجتمع.

  • الحكومات تتجه نحو الرقمنة الشاملة للخدمات
  • التعليم أصبح يعتمد على المنصات الرقمية
  • وسائل التواصل تحولت إلى مصدر رئيسي للمعلومات

لكن في المقابل:

  • تتسع فجوة الوعي الرقمي
  • يتزايد خطر المعلومات المضللة
  • وتتنامى مخاطر الاحتيال الإلكتروني

  ما خلق معادلة جديدة:
الوصول إلى التقنية لم يعد كافيًا…
بل أصبح الوعي باستخدامها هو الفارق الحقيقي.


النص كاملاً

المُواطَنة الرقميّة وكيفيّة حماية الذّات
 

ممدوح مبروك*

 

شهد مفهوم المُواطَنة تحوّلاً إيديولوجيّاً مع قيام الحكومات، في سبعينيّات القرن الماضي، بنقْلِ المزيد من المسؤوليّات والمهامّ إلى مواطنيها وفقاً لما يُعرف بـ "النموذج التبادليّ"، وصارت المُواطَنة عبارة عن آليّة تبادُليّة للحقوق والواجبات؛ فالفرد الذي يكتسب الجنسيّة القانونيّة لدولةٍ ما، إمّا بالولادة أو بالتجنُّس، صار مُلزماً أمام دولته بإثبات مدى استحقاقه للحقوق والمزايا التي يَحصل عليها، وذلك من خلال الالتزام بواجبات أو سلوكيّات مُحدَّدة ليكون مواطناً فاعلاً مع إغفالٍ تامّ لتأثير الظروف الاجتماعيّة للفرد على قدرته على الوفاء بتلك الالتزامات.

مع التطوُّر التكنولوجي، صارت العلاقة بين الدولة والمواطن علاقة رقميّة تَربط بين طموحات الدولة في تقديم خدماتٍ فعّالة قائمة على البيانات، وبين قدرة الفرد على التصرُّف باستقلاليّة عَبْرَ الإنترنت. هنا تَبرز الإشكاليّة الأساسيّة وهي أنّه في حالة انتشار الأميّة الرقميّة بين المواطنين، سوف تتعثَّر عمليّة التحوُّل الرقمي، ومن ثمّ تتفكَّك فكرة التبادُل التي تقوم عليها المُواطَنة.


جائحة كورونا والتعلُّق الرقميّ

عقب انتشار فيروس كورونا في العام 2020، زادَ إقبال الأفراد على التكنولوجيا وتعاظَمت تَبَعيَّتهم لها؛ فقد بَدأ الأطفال في استخدامها في سنٍّ مبكّرة، ووفقاً للأكاديميّة الأميركيّة لطبّ نفس الأطفال والمُراهقين (AACAP)، يقضي الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 8 و10 سنوات، 8 ساعات يوميّاً على التكنولوجيا بينما يقضي المُراهقون أكثر من 11 ساعة يوميّاً.

خلال تلك الفترة، أُغلقت المدارس واتَّجه التلاميذ نحو التعلُّم عن بُعد عَبْر الإنترنت. وبحسب "مركز بيو للأبحاث" Pew Research Center، فإنّ 93% من أولياء أمور الأطفال من رياض الأطفال وحتّى الصفّ الثاني عشر في الولايات المتّحدة الأميركيّة تلقّى أبناؤهم تعليماً عَبْرَ الإنترنت خلال فترة الجائحة. ومن بين هؤلاء، أَفاد 62% بأنّ تجربة التعليم عَبْرَ الإنترنت كانت ناجحة للغاية.

أمّا بالنسبة إلى الشباب، فبالإضافة إلى ازدياد استخدامهم للتكنولوجيا في المدارس، فإنّهم يقضون وقتاً طويلاً على منصّات التواصُل الاجتماعي. ووفقاً للأكاديميّة الأميركيّة لطبّ نفس الأطفال والمُراهقين أيضاً، يَستخدم 51% من المُراهقين، الذين تتراوح أعمارهم ما بين 13 و17 عاماً، وسائل التواصل الاجتماعي يوميّاً، وغالباً ما يتمّ استخدامها كمَصدرٍ للأخبار، وهي مسألة في غاية الخطورة وتحتاج إلى المزيد من الوعي والحَذَر.

في السياق ذاته، يؤثِّر التعليم على دوافع الأفراد للمُشارَكة عَبْرَ الإنترنت؛ فكلّما ازدادَ إلمامُ الطلّاب بالتكنولوجيا من خلال تجاربهم التعليميّة، زادت احتماليّة تفاعلهم مع المنصّات الرقميّة لأغراضٍ تتجاوز الجانب الأكاديمي، ما قد يترتّب عنه مُشارَكة أكبر في المُناقشات والأنشطة الرقميّة، الأمر الذي يَجعل من الضروري تعليم ما يُسمّى بـ "المُواطَنة الرقميّة" من أجل مُمارَسة دَورهم كمواطنين رقميّين واعين.


المُواطَنة الرقميّة

انبثَقَ النقاشُ الأكاديمي حول هذا المصطلح من نقاشاتٍ أوّليّة حول الفجوة الرقميّة وإشكاليّة مَن يُستبعد ومَن يَنضمّ إلى ما يُسمّى بـ "مُجتمع المعلومات". افتَرضت تلك النقاشات أنّ الإدماج في المجتمع الرقمي يُحقِّق فوائد كثيرة، بينما يُعَدّ الإقصاء منه عَيْباً ومَصدراً لعدم المُساواة.

وُجِّهت العديد من الانتقادات للدراسات المَعنيّة بموضوع الفجوة الرقميّة وتمَّ وصفُها بالسطحيّة بسبب تركيزها على مسألة الوصول إلى التكنولوجيا فقط، من دون التطرُّق إلى المهارات التقنيّة والكفاءات التعليميّة اللّازمة لتقييم المعلومات الرقميّة، فضلاً عن إغفالها مسألة الدّافع الذي قد يكون سبباً أساسيّاً وراء المعرفة الرقميّة، وأكبر مثال على ذلك استخدام بعض كبار السنّ تكنولوجيا المعلومات. من هنا جاءَ رفْض الباحثين مفهوم الفجوة الرقميّة واستخدام مصطلح "المُواطَنة الرقميّة" لوصْف عمليّة الانخراط في المُجتمع الرقمي عَبْرَ المُواطِن الرقمي.

عرَّف مجلسُ أوروبا المُواطَنةَ الرقميّةَ على أنّها "التفاعُل الكفء والإيجابي مع التقنيّات الرقميّة (الإبداع، والعمل، والمُشارَكة، والتواصُل الاجتماعي، والبحث، واللّعب، والتعلُّم)، والمُشارَكة الفعّالة والمسؤولة (القيَم، والمهارات، والاتّجاهات، والمعرفة) في مختلف المُجتمعات (المحليّة، والإقليميّة، والعالَميّة) على جميع المستويات (السياسيّة، والاقتصاديّة، والاجتماعيّة، والثقافيّة)، والدّفاع المُستمِرّ عن كرامة الإنسان".

في ضوء هذا التعريف، حدَّد الخبراءُ 9 عناصر أساسيّة ترتكز عليها المُواطَنة الرقميّة، وهي على النحو الآتي:

الوصول الرقميّ: بمعنى توفير الحقوق الرقميّة المُتساوية ودعْم الوصول الإلكتروني للجميع من دون استثناء.
التجارة الرقميّة: تتمثّل في عمليّات بيع وشراء السلع إلكترونيّاً، وتُركِّز على الأدوات والضمانات المُتاحة لمُساعدة المُشترين والبائعين والمُتعاملين المصرفيّين بأيّ شكلٍ من الأشكال في الفضاء الرقمي.
الاتّصالات الرقميّة: حيث تتوفّر الفرصة أمام الجميع للاتّصال والتعاوُن مع أيّ فردٍ آخر في أيّ بقعة من العالَم وفي أيّ وقت، الأمر الذي يَتطلّب رفْع قدرة المُستخدِمين على اتّخاذ القرارات السليمة عند مُواجَهة خيارات الاتّصالات الرقميّة المتعدّدة.
الكفاءة الرقميّة: تتمثّل في فهْم التكنولوجيا واستخداماتها؛ فكلّما كان الأفرادُ أكثر إلماماً بالتقنيّات الرقميّة، زادت احتماليّة اتّخاذهم قراراتٍ سليمة عَبْر الإنترنت كدعْم الآخرين بدلاً من التعليقات السلبيّة، والقدرة على التمييز بين الأخبار الكاذبة والحقيقيّة.
اللّياقة الرقميّة: تُشير إلى المعايير الرقميّة للسلوك والإجراءات، وتتعلّق بمُراعاة الآخرين عند استخدام الأجهزة الرقميّة.
القوانين الرقميّة: سَنَّ المُجتمعُ الرقمي قوانين عدّة يَخضع لها كلّ شخصٍ يؤدّي عملاً أو حتّى يلعب عَبْر الإنترنت، وتتمّ محاسبته في حالة ارتكابه عملاً غَير لائق.
الحقوق والواجبات الرقميّة: ثمّة حزمة من الحقوق يتمتَّع بها المُواطِن الرقمي كالخصوصيّة، وحريّة التعبير، وغيرهما. أمّا الواجبات فتتمثّل في أهميّة تعاون المُستخدِمين على تحديد أسلوب استخدام التكنولوجيا على النحو اللّائق. كلاهما وجهان لعملةٍ واحدة، لذا فلا بدّ من تفعيلهما معاً من أجل إعداد مُواطِن رقمي فعَّال.
السلامة البدنيّة والنفسيّة: تعني ترشيد الاستخدام من أجل حياةٍ صحيّة ومُتوازنة، وأبرز مثال على ذلك تحديد الوقت المناسب لجلوس الأطفال أمام الشاشات بما يتناسب مع الاحتياج.
الأمن الرقميّ: لا تكفي الثقة بأعضاء المُجتمع الرقمي لضمان الوقاية والحماية والأمان، إنّما لا بدّ من اتّخاذ التدابير اللّازمة كافّة من خلال توافر برامج حماية من الفيروسات، وإحداث نسخ احتياطيّة من البيانات، وحماية المعلومات من أيّ قوّة تخريبيّة خارجيّة.

 

ضرورة حتميّة على الرّغم من التهميش

على المستوى الوطني، أدّى تحوُّلُ الدول نحو ما يُسمّى بـ "الحكومات الرقميّة"، التي صارت تُرسِّخ مفهوم المُواطَنة الرقميّة في سياساتها من خلال تنظيم الخدمات العامّة للمواطنين بطُرق تتطلَّب التواصُل الرقمي مع الجهات الحكوميّة، إلى استبعاد المواطنين غير القادرين على التفاعُل مع البيئات الرقميّة ما أثَّر سلباً على شعورهم بالانتماء، والاستقلاليّة، والمُشارَكة المدنيّة، وحريّة التعبير، وغيرها من قيَم المُواطَنة الأخرى.

يَختزل صانعو السياسات قضايا الإدماج والاستبعاد الرقمي في الجانب التقني المتعلّق بنقص المهارات فقط، من دون الأخْذ في الاعتبار البُعد السياسي؛ الأمر الذي أدّى إلى تفاقُم الأزمة لسببَيْن أساسيَّيْن: الأوّل أنّه يَتجاهل التفاوُتات الاجتماعيّة والطبقيّة الكامنة وراء الاستبعاد الرقمي والتي قد تُسبِّب الشعورَ بالتهميش وعدم الانتماء.

أمّا السبب الثاني فهو أنّ تجريد الإدماج الرقمي من بُعده السياسي يُقلِّل من شأن الآثار السياسيّة النّاتجة عن رقْمَنة الخدمات الحكوميّة للمواطنين؛ وأبرز مثال على ذلك فضيحة إعانات رعاية الأطفال في هولندا في العام 2018، حيث اتَّجهت الحكومةُ وقتها إلى إنشاء ملفّات تعريف المخاطر للأفراد المُتقدّمين للحصول على إعانات رعاية الأطفال مُستخدِمةً خوارزميّات التعلُّم الذّاتي التي اعتَمدت على الأسماء ذات الطّابع الأجنبي والجنسيّة المزدوجة كمؤشّرات على احتماليّة الاحتيال، ما أدّى إلى اتّهام آلاف العائلات زوراً بالاحتيال وسقوط الحكومة في العام 2021.

في السياق ذاته، يَشعر الأفراد المُهمَّشون بضغطٍ ليُصبحوا مواطنين رقميّين بسبب عدم توافُق المفاهيم المفروضة على المُواطَنة الرقميّة مع واقعهم وقدراتهم، الأمر الذي قد يُهدِّد بتقويض الحوْكَمة الديمقراطيّة والقيَم المدنيّة، وخلْق حالة من انعدام الثقة داخل المؤسّسات.

على الرّغم من تهميش التحوُّل الرقمي لبعض فئات المُجتمع، إلّا أنّ مسألة إعداد المُواطِن الرقمي صارت حتميّة في عالَمِنا اليوم من أجل مُواجَهة عمليّات الاحتيال التي تتمّ عَبْرَ الإنترنت، ولاسيّما في ظلّ تعدُّد المصادر التي تحتوي على معلوماتٍ زائفة ومُضلّلة. وهنا تَجدر الإشارة إلى أنّه في العام 2021، تلقَّت لجنة التجارة الفيدراليّة في الولايات المتّحدة الأميركيّة نحو 2.8 مليون بلاغِ احتيالٍ عَبْرَ الإنترنت. ووفقاً لدراسة أُجريت حديثاً في جامعة ستانفورد الأميركيّة على عيّنة مكوَّنة من 3446 طالباً من 14 ولاية مُختلفة، لم يَتحقَّق من مصداقيّة المصادر الإلكترونيّة عَبْرَ بحثٍ سريع على الإنترنت سوى أقلّ من 10% في دلالةٍ واضحة على غياب الوعي وأهميّة المعرفة الرقميّة في حياتنا اليوميّة.


نحو إعداد مُواطِن رقميّ أكثر وعياً

تَهدف المُواطَنة الرقميّة، كما سبقتِ الإشارة، إلى تشجيع الأفراد على الاستخدام السليم والمسؤول والفعّال للإنترنت من أجل حماية حقوق الإنسان وتعزيزها رقميّاً، كالحريّة، والخصوصيّة، والأمان. فضلاً عن زيادة الوعي بأمان الإنترنت، وكيفيّة حماية الذّات من الاحتيال والمعلومات المُضلّلة.

ظهرتِ العديد من المُبادرات في هذا الشأن؛ ففي العام 2017 نَظّمت وزارةُ التعليم والتنمية المبكّرة في ألاسكا (DEED) "أسبوع ألاسكا للمُواطَنة الرقميّة"، حيث شجَّعت المدارسَ على تطبيق تكنولوجيا التعليم. وفي العام التالي صارَ برنامجاً شائعاً في جميع أنحاء الولاية، ما شجَّعَ المُعلّمين على أن يكونوا المُرشِد الرئيس للطلّاب وعائلاتهم في تطوير وعيهم بالسلامة في العالَم الرقمي.

وفي كندا، يَستخدم 99% من التلاميذ من الصفّ الرّابع إلى الحادي عشر الإنترنت في المنزل. ولذلك، طَبّقت مقاطعة "ساسكاتشوان"، الواقعة على حدود الولايات المتّحدة الأميركيّة من الجنوب، التربية على المُواطَنة الرقميّة في جميع مدارسها لدعْم النشاط الإلكتروني المسؤول والمناسب لتلاميذ رياض الأطفال وحتّى الصفّ الثاني عشر.

في ضوء ما سَبق ذكره، يُمكن القول إنّه مع تزايُد استخدام التكنولوجيا، اكتَسبتِ المُواطَنةُ الرقميّة أهميّةً بالغة وباتَتْ مسألةُ تشجيع الأفراد على الاستخدام المسؤول للتكنولوجيا ضرورةً حتميّة من خلال البرامج والمُبادرات التي تتبنّاها المؤسّسات التعليميّة المُختلفة، بهدف رفْع درجة وعي المواطنين بكيفيّة الاستخدام، والقدرة على البحث عن المصادر الموثوقة، ومُواجَهة عمليّات الاحتيال الإلكتروني، وتجنُّب انتهاكات حقوق الإنسان.

 

تحليل بث | B

المقال يلامس جوهر التحول…
لكنه يضعه في إطار تعليمي تقليدي.

بينما الواقع اليوم يقول:

لسنا أمام “مواطنة رقمية” فقط…
بل أمام صراع على الوعي داخل الفضاء الرقمي.

التحول الحقيقي ليس في استخدام التقنية،
بل في فهم من:

  • يصنع المحتوى
  • يوجه السلوك
  • ويؤثر على القرار

  الخطر ليس في “الأمية الرقمية”…
بل في الوعي الموجّه.

المواطنة الرقمية لم تعد مهارة..
بل ضرورة لحماية العقل قبل البيانات.