كيف تُفهم إيران؟

news image

كتب: عبدالله العميره

سألني زميل:
هل أنتم في الخليج تفهمون الإيرانيين أكثر من غيركم؟

فقلت له:
إذا أردت أن تفهم إيران .. لا تبدأ بها، بل ابدأ بفهم كيف يفكر الإنسان في بيئات مشابهة ؛قريبة منك..

ليست المسألة في “جنسية” التفكير،
بل في أنماط التفكير المتشكّلة عبر التاريخ والثقافة والسياسة.

إيران، كغيرها من الدول ذات التجارب الطويلة مع الصراعات،
طوّرت أسلوبًا خاصًا في إدارة الأزمات، يقوم على:

المناورة، وكسب الوقت، وإبقاء الأبواب مفتوحة..
مع إدارة نفسية تعيد تفسير النتائج لصالح الذات،
واستفزازٍ بلا حسم… قد يتحول من قوة إلى عبء.

هذا لا يعني تفوقًا أو ضعفًا…
بل يعكس نمط تفكير تشكّل عبر تراكم التجارب،
وغالبًا ما تكون هذه التجارب مشوبة بلحظات انكسار.

أحيانًا، قد يبدو هذا السلوك وكأنه:

  • التفاف
  • مراوغة
  • أو غموض مقصود

لكن في التحليل الأعمق، هو:

محاولة مستمرة لكسب لتجنب  الخسارة المباشرة والسريعة  

وهنا يحدث الالتباس:
ما يراه طرف “مناورة”…
يراه طرف آخر “عدم وضوح” أو “تلاعب”.

لفهم إيران..
لا تنظر إلى ما تقوله فقط،
بل إلى كيف تدير الوقت والمساحة والاحتمالات.

 

فن الممكن والمستحيل

تعريفٌ سياسي يختصر مسار الدول.

في الدول المتحضرة التي تخطط بعلمٍ متقدم،
لا يقتصر التحرك على تحقيق الممكن،
بل يمتد إلى صناعة الممكن نفسه.

فهي تسعى إلى:
تحويل الممكن اليوم؛ إلى قاعدة،
وجعل المستحيل غدًا؛ هدفًا قابلاً للتحقيق.

الممكن: المحافظة على الموقع.
المستحيل: إعادة تشكيل الواقع.

إيران ومن يماثلها في نمط التفكير،
تتقن فن الممكن..
وتُدير الصراع ضمن حدوده،

من يُتقن الممكن؛ يبقى.
ومن يُتقن المستحيل؛ يُغيّر.

هي لا تتحرك بخط مستقيم..
بل داخل دائرة  .

الدول لا تُفهم بوصفها “صفات”..
بل بوصفها أنماط سلوك.

 

وإيران مثال لدولة:

تُفاوض… وتناور… وتراوغ… وتستفز،
تُهدّئ… وتلوّح،
وتتحرّك دون أن تُعلن النهاية.

تتبنّى قناعةً راسخة بقدرتها على إدارة اللعبة بذكاءٍ يفوق خصومها،
مستندةً إلى إرثٍ تاريخي طويل في فنون المساومة والمناورة.

ويُستحضر في هذا السياق نموذج “الهرمزان”،
الذي عُرف بكثرة مراوغاته، قبل أن تُحسم المواجهة حين وُوجه بقراءةٍ أدق لأسلوبه،
في تذكيرٍ بأن الإفراط في التحايل؛ لا يمنع نهاية مختلفة.

من الهرمزان إلى اليوم
المناورة ثابتة،
لكن النهاية لا يحددها من يناور؛ بل من يقرأ المناورة.

إذا أردت أن تفهم إيران..
افهم كيف تُدار اللعبة.. لا كيف تُقال الكلمات.

 

هل من يرى نفسه مركز التاريخ.. يقرأ العالم فعلًا؟

حين ترى دولة نفسها مركز التاريخ…
فهي تعكس سرديتها عن ذاتها… لا حقيقة العالم.

هذا ما يُعرف بـ التضخم الهوياتي الجمعي،
وهي ظاهرة لا تعبّر عن قوة حقيقية بقدر ما تكشف عن:

حاجة إلى تعزيز الهوية،
أو تعويض عن قلق تاريخي أو صراعات ممتدة.