الصامتون

news image

كتب: عبدالله العميره

يُقدَّر عدد سكان الدول العربية (22 دولة) بنحو 470 مليون نسمة، وفق تقديرات حديثة تقريبية.
وبهذا الحجم السكاني، لا يمكن – منطقيًا – اختزال الرأي العام العربي في أصواتٍ محدودة تنشط على منصات التواصل، تنشر الشائعات أو تدير حملات دعائية موجهة.

ورغم ذلك، يبدو المشهد وكأن هذه الأصوات تهيمن، في حين تبقى الكتلة الأكبر صامتة.

فمن هم هؤلاء الصامتون؟
ولماذا لا يتدخلون في معركة الوعي؟

 

الصمت .. بين الحذر والانسحاب

الصمت ليس دائمًا حيادًا، كما أنه ليس دائمًا ضعفًا.
في كثير من الأحيان، يكون تعبيرًا عن حذر، أو رفض، أو إرهاق من ضجيج لا ينتهي.

قد يصمت البعض لأن النقاش فقد قيمته،
وقد ينسحب آخرون لأنهم لا يرون أثرًا حقيقيًا لمشاركتهم،
وقد يكتفي فريق ثالث بالمراقبة دون انخراط.

لكن هذا الصمت، مهما كانت دوافعه، يخلق فراغًا…
والفراغ لا يبقى طويلًا، بل يُملأ سريعًا بمن يملك الصوت الأعلى.

 

أغلبية بلا صوت

ليس الصامتون بلا رأي، بل على العكس، كثير منهم يملكون موقفًا واضحًا، لكنهم لا يجدون جدوى في التعبير عنه.

وهنا تتحول الأغلبية إلى قوة غير مرئية،
تترك الساحة لأقلية أكثر صخبًا، وأحيانًا أقل وعيًا.

في هذه اللحظة، لا تنتصر الفكرة الأقوى،
بل الفكرة الأكثر انتشارًا.

 

بين الوعي والتشوش

الحديث عن “جهل” الصامتين تبسيط مخل.
الأقرب إلى الواقع أنهم طيف واسع:

بعضهم مدرك لكنه متحفظ،
وبعضهم متأثر لكنه غير نشط،
وبعضهم غير مهتم،
وبعضهم مشوش بين روايات متضاربة.

وهذا التنوع يجعل الصمت ظاهرة مركبة، لا يمكن اختزالها في تفسير واحد.

 

كيف تنتصر الشائعة؟

الشائعة لا تنتصر لأنها صحيحة، بل لأنها أسرع وأبسط وأكثر إثارة.
تعتمد على فراغ المعلومات، وعلى مخاطبة العاطفة قبل العقل، وعلى التكرار.

أما الدعاية، فهي أكثر تنظيمًا،
ليست فوضى عابرة، بل إدارة واعية للرواية.

الشائعة تنتشر،
أما الدعاية فتُدار.

الشائعة نادرًا ما تُبنى من فراغٍ كامل.
غالبًا ما تبدأ من معلومة جزئية أو حادثة محدودة، ثم يُعاد تضخيمها وإخراجها من سياقها، لتتحول إلى رواية مشوّهة تخدم هدفًا معينًا.

وهنا يظهر جانب مهم:

المستهدف قد لا يكون صانع الشائعة،
لكنه أحيانًا يقدّم مادتها الأولية.

غير أن هذه الحقيقة لا تعني تحميله المسؤولية،
بل تعني أن إدارة الصورة لا تقل أهمية عن إدارة الواقع.

تفكيك الشائعة لا يبدأ من اتجاه واحد،
بل من مسارين متوازيين:

تصحيح الخلل إن وُجد،
وتفكيك الرواية التي بُنيت عليه.

فإن عولجت المشكلة وبقيت الرواية، استمر التشويه،
وإن رُدّت الرواية وبقي الخلل، عادت الشائعة بشكل جديد.

الحل ليس دفاعًا فقط..
بل بناءٌ يسبق الدفاع.

تفكيك الشائعة يبدأ بفحصٍ سريع وقرارٍ ذكي يناسبها، لا بمواجهتها عشوائيًا.
فحين تُبنى على خللٍ ما، يكون إصلاح الداخل هو الخطوة الأولى..
لأن أفضل ردٍّ على الشائعة: أن تُسحب منها مادتها.

تنبت الشائعة في بيئة يغيب فيها الوضوح، وتضعف فيها الثقة، ويكثر فيها الفراغ المعلوماتي.
وتزدهر أكثر في بيئات يسودها الجهل أو ضعف الوعي، حيث تقل القدرة على التحقق والتمييز.
وهي لا تدوم… إلا إذا وجدت من يصدقها ويكررها، أو فراغًا يحميها من الانكشاف.

ولا يُقصد بالجهل هنا غياب التعليم،
بل غياب المعرفة بالحقيقة، نتيجة عدم وصول المعلومة الصحيحة إلى المتلقي، سواء بقصد أو دون قصد.

وهنا لا يكون الحل في الاتهام،
بل في بناء المعرفة، وتعزيز برامج الوعي التي تصل إلى العقل بوضوح وثقة.

وهذا جزء أساسي من عملية التفكيك وإعادة البناء؛
فالإهمال أو التهاون يعني ترسيخ الشائعة والدعاية في عقل المتلقي.

ولذلك، يتطلب التفكيك والبناء برامج موجهة، تُصمَّم وفق طبيعة الشائعة وهدفها،
بما يضمن معالجة الأثر… لا الاكتفاء بردّه.

معركة الوعي .. أين تبدأ؟

المعركة ليست ضد الناس، بل من أجلهم.
والرهان الحقيقي ليس على إيقاف الشائعة، بل على تمكين المتلقي.

حين يفهم الإنسان كيف يميز،
تتراجع الشائعة تلقائيًا.

الوعي لا يُبنى بتكديس المعلومات،
بل بتبسيط الحقيقة، وتعليم مهارات التحقق، وتحفيز التساؤل، وإعادة الثقة بالمصادر.

 

الصامتون .. مركز المعادلة

الصامتون ليسوا خارج المشهد، بل في قلبه.
هم الأغلبية التي يمكن أن تُضلل، أو تُعيد التوازن.

لكنهم لا يتحركون بالصدام،
بل حين يجدون خطابًا يحترم عقولهم، ويخاطبهم بوضوح وهدوء.

 

سؤال ما وراء المشهد

هل تُدار الشائعات والدعايات لتحقيق أهداف سياسية؟
أم أنها انعكاس لواقع شعبي متباين؟

الواقع لا يحتمل إجابة واحدة.
في بعض الحالات، تُستخدم الشائعة كأداة تأثير، وفي حالات أخرى تنشأ من فراغ أو تفاعل عفوي.

لكن المؤكد أن الشائعة لا تعيش بذاتها،
بل بمدى تقبّلها وانتشارها.

وهنا يظهر الدور الحقيقي للجمهور:

ليس كل من يصمت غائبًا،
ولا كل من يتفاعل واعيًا.

 

كيف نتحرك؟

تفكيك الشائعة لا يكون بالصدام، بل بالفهم.
والرد لا يكون بالإنكار، بل بإظهار الصورة الكاملة.

كل شائعة يمكن تفكيكها إلى معلومة وعاطفة وهدف،
وكلما تم كشف هذه العناصر، فقدت تأثيرها.

أما تحويل الصامتين إلى مؤثرين، فلا يتم بإجبارهم على الكلام،
بل بمنحهم أدوات بسيطة وواضحة للمشاركة،
ومحتوى يحترم وقتهم وعقولهم.

تُهزم الشائعة والدعاية السيئة حين تُسحب مادتها، وتُفكك بهدوء، ويُقدَّم بديل أوضح وأصدق.
وتتعزز الدعاية الإيجابية حين تُبنى على حقيقة، وتُقدَّم ببساطة، وتُكرَّر بذكاء حتى تُفهم وتُوثَق.

 

نحو وعيٍ عملي

تنمية الوعي لا تحتاج تعقيدًا، بل وضوحًا.

الحقيقة يجب أن تكون مفهومة،
ومكررة بأساليب مختلفة،
ومدعومة بصورة أو فكرة قريبة من الناس.

الوعي ليس أن يعرف الإنسان كل شيء،
بل أن لا يُخدع بسهولة.

 

الخلاصة

المشكلة ليست في وجود الشائعات،
بل في الفراغ الذي يسمح لها بالانتشار.

وفي عالمٍ تتسابق فيه الروايات،
لا ينتصر من يصرخ أكثر،
بل من يفهم كيف يخاطب العقل دون أن يتجاهل المشاعر.

ولا تُحسم معركة الشائعات عند مصدرها فقط،
بل عند مستقبلها… في عقل المتلقي.

الشائعة لا تُهزم بالمواجهة،
بل حين يفقدها الناس.

والصامتون لا يحتاجون من يوقظهم،
بل من يمنحهم سببًا ليتكلموا.