الرمزية الدينية في حرب الروايات: بين حرية التعبير وتوظيف الأيديولوجيا
إعداد ومتابعة وتحليل | إدارة الإعلام الاستراتيجي – وكالة بث (B)
إشراف: عبدالله العميره
المقدمة
أثار تداول فيديو رمزي يُظهر شخصية دينية في مشهد عنيف يستهدف دونالد ترامب جدلًا واسعًا، ليس فقط بسبب طبيعته الصادمة، بل لما يحمله من دلالات تتجاوز البعد الفني إلى أبعاد سياسية وأيديولوجية عميقة. ويأتي هذا الحدث في سياق تصاعد حرب الروايات التي ترافق الصراعات السياسية، حيث تتقاطع الرمزية الدينية مع حرية التعبير، وتُطرح تساؤلات جوهرية حول تأثير الأيديولوجيا في المجتمع الأمريكي، ودور الإعلام في تشكيل الوعي العام، وحدود الحرية المسؤولة في الأنظمة الديمقراطية.
وصف الفيديو
يُظهر الفيديو المتداول مشهدًا يبدأ بتصوير ترامب في هيئة ذات طابع ديني، يؤدي دورًا شبيهًا بالمعالج أو المخلّص، قبل أن ينقلب المسار الرمزي لاحقًا بظهور المسيح، الذي يهاجمه ويقتله، ثم يُلقى به في مشهد يوحي بالجحيم. ويعكس هذا التحول رسالة رمزية حادة، لا تهدف إلى تمجيد الشخصية بقدر ما تسعى إلى تقديمها بوصفها منتحلة للقداسة تستحق العقاب.
الدلالة التحليلية
يتجاوز هذا النوع من المحتوى حدود السخرية السياسية ليصل إلى مستوى المحاكمة الرمزية الدينية، حيث يتم توظيف المعتقد لتجريد الخصم من الشرعية الأخلاقية والروحية. ويُعد ذلك جزءًا من أدوات الصراع الإعلامي التي تعتمد على التأثير العاطفي والرمزي في تشكيل الرأي العام.
مدى إيمان المجتمع الأمريكي بالأيديولوجيا أو “الخرافة”
يتميّز المجتمع الأمريكي بتنوعه الديني والفكري، ورغم حضور الدين في الحياة العامة، فإن المؤسسات السياسية والإعلامية تعمل ضمن إطار دستوري علماني. ويُستخدم الخطاب الديني غالبًا لأغراض رمزية أو تعبويّة، دون أن يشكّل أساسًا للحكم كما هو الحال في الأنظمة الثيوقراطية، مما يجعل تأثير هذه الأيديولوجيات محدودًا ضمن سياق التعددية الفكرية.
الجهات المحتملة وراء إنتاج الفيديو
لا يمكن الجزم بهوية الجهة المنتجة دون أدلة موثوقة، إلا أن التحليل يشير إلى عدة احتمالات، من أبرزها:
- جهات معارضة لترامب أو لتياره السياسي.
- مجموعات مناهضة للحزب الجمهوري.
- منتجو محتوى ساخر ضمن إطار حرية التعبير.
- حملات تضليل أو تأثير خارجي تسعى إلى تعميق الاستقطاب السياسي.
وعليه، يبقى تفسير هذه الأعمال في إطار التحليل الاحتمالي بعيدًا عن الاتهام المباشر.
مدى تأثير هذه المواد على المجتمع والقيادة السياسية
يتأثر المجتمع الأمريكي بمثل هذه المواد ضمن حدود الاستقطاب السياسي القائم، حيث تعزز القناعات المسبقة أكثر مما تُحدث تحولًا جذريًا في المواقف. كما قد يستثمر القادة السياسيون هذا النوع من المحتوى لتعزيز خطابهم السياسي، مما يجعل تأثيره رمزيًا وسياسيًا أكثر من كونه تأثيرًا بنيويًا.
الرقابة والمساءلة
على الرغم من اتساع هامش حرية التعبير في الولايات المتحدة، إلا أن هناك منظومة متكاملة من الرقابة والمساءلة تشمل:
- الإطار القانوني الذي يجرّم التحريض على العنف أو الكراهية.
- سياسات المنصات الرقمية في مراجعة المحتوى.
- دور المؤسسات الإعلامية والمجتمع المدني في تعزيز المساءلة.
وبذلك، فإن المشهد يعكس توازنًا معقدًا بين الحرية والمسؤولية.
الحرية الإعلامية كسلاح ذي حدين
تُعد الحرية الإعلامية أحد أبرز عناصر القوة الناعمة للولايات المتحدة، إلا أنها قد تتحول إلى سلاح ذي حدين. فمن جهة، تعزز الشفافية والتعددية، ومن جهة أخرى، قد تُستغل لنشر معلومات مضللة أو توظيف المعتقدات لإثارة الانقسام، ما يبرز أهمية مفهوم الحرية المسؤولة القائم على المهنية والتحقق من المعلومات.
الاختلاف والتشابه بين الولايات المتحدة وإيران
أوجه الاختلاف
تختلف طبيعة النظام السياسي في البلدين؛ فالولايات المتحدة تعتمد نظامًا ديمقراطيًا تعدديًا يقوم على تداول السلطة والفصل بين السلطات، بينما تستند إيران إلى نظام ثيوقراطي ديني يقوم على مبدأ "ولاية الفقيه". كما يتمتع الإعلام في الولايات المتحدة بهامش واسع من الحرية والتعددية، في حين يخضع الإعلام الإيراني لقيود صارمة ويعمل في إطار موجه يخدم الأيديولوجيا الحاكمة. ويظل تأثير الأيديولوجيا في الولايات المتحدة محدودًا ضمن التعددية الفكرية، بينما يشكّل في إيران أساس بنية النظام السياسي. أما من حيث المساءلة، فتتميز الولايات المتحدة بمنظومة مؤسساتية وقانونية تعزز الشفافية، في حين تبقى آليات المساءلة في إيران محدودة.
أوجه التشابه
على الرغم من هذه الاختلافات، يشترك البلدان في توظيف المعتقدات الدينية في الخطاب السياسي، واستخدام الإعلام كأداة في الصراعات السياسية، إضافة إلى تأثير الأيديولوجيا في تشكيل الروايات الإعلامية، وإن اختلفت درجة هذا التأثير وطبيعته.
هل الصراع حرب بين “خرافتين”؟
لا يمكن اختزال الصراع بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، في كونه مواجهة بين معتقدات دينية متشابهة؛ فالدوافع الأساسية لهذا الصراع ذات طبيعة جيوسياسية وأمنية واقتصادية واستراتيجية. ومع ذلك، يُستخدم الخطاب الديني والأيديولوجي من قبل بعض التيارات المتطرفة كأداة تعبئة وتبرير. ورغم هذا التباين في الدوافع، يبرز قدر من التشابه في التصورات المرتبطة بمآلات الحرب لدى بعض التيارات في إيران والغرب، وتحديدًا في الأوساط الصهيونية الدينية، حيث تُستحضر سرديات ذات طابع إسكاتولوجي ترتبط بفكرة الخلاص أو الحسم النهائي.
تسييس المعتقدات الدينية
المعتقد المرتبط بالمهدي في إيران
يُعد الإيمان بظهور المهدي جزءًا من المعتقد الشيعي مع اختلاف التفسيرات، إلا أن بعض التيارات السياسية في إيران تقوم بتسييس هذا المعتقد لتعزيز شرعية النظام. ومن المهم التأكيد أن إيران لا تمثل الإسلام، وأن تسييس المعتقد يختلف عن جوهر العقيدة الإسلامية الصحيحة.
المعتقدات المرتبطة بنزول المسيح في الفكر الصهيوني
توجد في بعض التيارات الدينية اليهودية والمسيحية الصهيونية تصورات تربط بين الحروب الكبرى وظهور "المسيح المنتظر"، إلا أن هذه الرؤى لا تمثل جميع اليهود أو صناع القرار في إسرائيل، حيث تبقى القرارات السياسية في جوهرها ذات طابع استراتيجي وأمني.
منهج بث: تعزيز الوعي وإزالة الغشاوة
انطلاقًا من رسالتها الإعلامية، تعتمد وكالة بث (B) منهجًا يقوم على تعزيز الوعي المجتمعي ومواجهة الشائعات، من خلال تقديم محتوى تحليلي متوازن يستند إلى التحقق من المعلومات وقراءة ما وراء الأحداث. ويهدف هذا المنهج إلى إزالة الغشاوة عن المتلقي، وتمكينه من التمييز بين الحقيقة والدعاية، وبين التحليل المهني والسرديات المضللة، بما يسهم في بناء مجتمع واعٍ قادر على فهم تعقيدات المشهد الإعلامي والسياسي.
الخلاصة
إن الفيديو الرمزي المتداول يمثل نموذجًا لتوظيف الرمزية الدينية في سياق حرب الروايات، ويعكس التحديات المرتبطة بالتوازن بين حرية التعبير والمسؤولية الإعلامية. وتؤكد المقارنة بين الولايات المتحدة وإيران أن الصراع القائم ليس حربًا بين خرافات، بل هو صراع جيوسياسي تُستخدم فيه الرمزية الدينية كأداة تعبئة من قبل بعض التيارات المتطرفة. ومن هنا، تبرز أهمية الإعلام المهني في كشف الحقائق وتعزيز الوعي، بما يسهم في حماية المجتمعات من التضليل وسوء الفهم.
لا يمكن النظر إلى أي قوة دولية بوصفها مخلّصًا مطلقًا، كما أن تفسير تحركاتها في إطار المصالح والتوازنات الجيوسياسية وحدها قد يكون قاصرًا عن الإحاطة بكامل المشهد. فالتاريخ يُظهر أن بعض التحولات الكبرى تتجاوز الحسابات المعلنة، لتسهم – عن قصد أو غير قصد – في كبح جماح أنظمة أو جماعات مارست العنف والتطرف. وعندما يبلغ الظلم ذروته، تنشأ قوى قادرة على ردعه، في إطار سنن تاريخية تحكم مسار الأمم."