الإعلام في الحروب.. مواقف في أمريكا

news image

إعداد ومتابعة وتحليل | إدارة الإعلام الاستراتيجي – وكالة بث (B)
إشراف: عبدالله العميره

 

مقدمة: صراع الرواية في زمن الحرب

في كل حرب، لا تقتصر المواجهة على ميادين القتال، بل تمتد إلى ساحة أخرى لا تقل تأثيرًا، وهي ساحة الإعلام. وفي الولايات المتحدة، برزت هذه الحقيقة بوضوح من خلال الهجمات المتكررة التي يشنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وكذلك وزير الدفاع، على وسائل الإعلام الأمريكية، متهمين إياها بتشويه الحقائق أو التقليل من النجاحات العسكرية. هذه المواجهة تفتح باب التساؤل حول طبيعة العلاقة بين السلطة والإعلام في أوقات النزاع، ودور الرواية الإعلامية في تشكيل الرأي العام محليًا وعالميًا.

 

 لماذا يهاجم ترامب ووزير الدفاع وسائل الإعلام؟

1. معركة السيطرة على الرواية

تسعى القيادة السياسية والعسكرية في أوقات الحرب إلى التحكم في السردية الإعلامية، لما لذلك من تأثير مباشر على معنويات الشعب ودعم العمليات العسكرية. وعندما تقدم وسائل الإعلام روايات مغايرة أو تركز على الخسائر والتحديات، تُفسَّر هذه التغطيات على أنها تقويض للجهد الحربي.

2. اعتبارات سياسية داخلية

الهجوم على الإعلام يمثل أداة سياسية فعالة لحشد القاعدة الشعبية. فقد دأب ترامب على استخدام مصطلح "الأخبار الزائفة" (Fake News) لتعزيز الثقة بينه وبين أنصاره، وتقديم نفسه كمدافع عن "الحقيقة" في مواجهة ما يراه تحيزًا إعلاميًا.

3. حماية الصورة الدولية

في الحروب، تلعب الصورة الدولية دورًا محوريًا. لذلك، فإن أي تقارير إعلامية تنتقد الأداء العسكري أو تبرز الجوانب الإنسانية للحرب قد تُعتبر تهديدًا للشرعية السياسية أو للتحالفات الدولية.

4. تقليل أثر التسريبات

وسائل الإعلام الأمريكية تتمتع بهامش واسع من الحرية، وغالبًا ما تنشر تسريبات أو تحليلات مستقلة قد تكشف جوانب حساسة من العمليات العسكرية، وهو ما يدفع المسؤولين إلى مهاجمتها للحد من تأثيرها.
وفي هذا السياق، يبرز مفهوم "هامش الحرية والمصداقية"، حيث لا تقتصر قوة الإعلام على قدرته في الوصول إلى المعلومات ونشرها، بل تمتد إلى مسؤوليته في التحقق منها وتقديمها بموضوعية، بما يوازن بين حق الجمهور في المعرفة ومتطلبات الأمن القومي.

 

 ماذا يريد ترامب من هذا الهجوم؟

1. توحيد الجبهة الداخلية

يرغب ترامب في خلق رواية موحدة تدعم سياساته العسكرية، وتقلل من الأصوات الناقدة التي قد تؤثر على الرأي العام أو على قرارات الكونغرس.

2. تعزيز شرعية القرار العسكري

من خلال التشكيك في الإعلام، يسعى إلى تقديم قراراته العسكرية بوصفها ضرورية ومشروعة، في مواجهة ما يصفه بتغطيات إعلامية "منحازة".

هل ترامب محق؟
الإجابة ليست مطلقة، بل تتسم بدرجة من التعقيد. فمن جهة، قد تميل بعض وسائل الإعلام إلى التركيز على الجوانب السلبية للحروب، مثل الخسائر البشرية أو الإخفاقات الميدانية، وهو ما قد يُفسَّر من قبل صانعي القرار على أنه انحياز أو تقويض للجهد العسكري. ومن جهة أخرى، فإن الدور الرقابي للإعلام يُعد ركيزة أساسية في النظام الديمقراطي الأمريكي، حيث يسهم في مساءلة السلطة وضمان الشفافية ومنع إساءة استخدام القوة. وبالتالي، فإن الخلاف بين ترامب ووسائل الإعلام لا يعكس بالضرورة خطأ أحد الطرفين بقدر ما يجسد التوتر الطبيعي بين متطلبات الأمن القومي وواجب الإعلام في نقل الحقيقة.

3. التأثير على نتائج الانتخابات

في السياق الأمريكي، لا يمكن فصل الخطاب السياسي عن الاعتبارات الانتخابية، حيث يُستخدم الهجوم على الإعلام كوسيلة لتعزيز الشعبية وكسب الدعم السياسي.

الإعلام بين الأجندات الخاصة والحقوق الوطنية
في خضم هذا الصراع، يبرز تساؤل جوهري حول طبيعة دور الإعلام: هل يعكس بالفعل المصلحة الوطنية أم يتأثر بأجندات سياسية أو اقتصادية خاصة؟ فبينما تتهم بعض القيادات السياسية وسائل الإعلام بالانحياز أو بتبني مواقف تخدم توجهات معينة، يرى المدافعون عن الإعلام أن دوره الأساسي يتمثل في حماية حق الجمهور في المعرفة وممارسة الرقابة على السلطة. ومن هنا، يتجلى التوازن الدقيق بين حرية الإعلام واستقلاليته من جهة، ومسؤوليته الوطنية في تقديم معلومات دقيقة وموضوعية من جهة أخرى، بما يضمن عدم توظيفه كأداة في الصراع السياسي أو الانتخابي.

 

هل وسائل الإعلام الأمريكية سلبية تجاه الحرب؟

الإجابة ليست مطلقة، بل تتسم بالتعقيد:

1. إعلام نقدي بطبيعته

تتميز وسائل الإعلام الأمريكية بدورها الرقابي، حيث تسعى إلى مساءلة السلطة وكشف الحقائق، وهو ما قد يُفسَّر أحيانًا على أنه سلبية تجاه العمليات العسكرية.

2. تنوع التوجهات الإعلامية

لا يمكن وصف الإعلام الأمريكي بصفة واحدة؛ فهناك وسائل إعلام تميل إلى دعم السياسات الحكومية، وأخرى تتبنى مواقف نقدية، مما يعكس تعددية المشهد الإعلامي.

3. التركيز على البعد الإنساني

غالبًا ما تسلط التغطيات الإعلامية الضوء على الخسائر البشرية والتداعيات الإنسانية للحروب، وهو ما قد يتعارض مع الرواية الرسمية التي تركز على الإنجازات العسكرية.

 

 تأثير الإعلام الأمريكي على وسائل الإعلام العالمية

1. مركزية الرواية الأمريكية

نظرًا لمكانة الولايات المتحدة الإعلامية، تعتمد العديد من وسائل الإعلام حول العالم على وكالات الأنباء والشبكات الأمريكية كمصادر رئيسية للأخبار، ما يمنح هذه الروايات تأثيرًا عالميًا واسعًا.

2. مخاطر النقل دون تحقق

عندما تقوم وسائل الإعلام الدولية بنقل الأخبار من المصادر الأمريكية دون تمحيص أو تحليل مستقل، فإنها قد تساهم في إعادة إنتاج الرواية نفسها، سواء كانت مؤيدة أو ناقدة.

3. تشكيل الرأي العام العالمي

تؤثر التغطيات الإعلامية الأمريكية بشكل كبير في تشكيل تصورات الشعوب حول الحروب، وهو ما يجعل من الضروري تبني مقاربات إعلامية أكثر توازنًا واستقلالية.

 

الإعلام والحروب – بين المهنية والاصطفاف

إن العلاقة بين الإعلام والسلطة في أوقات الحرب تتسم بحساسية شديدة، حيث يقف الإعلام بين واجبين متلازمين:

  • نقل الحقيقة بمهنية وموضوعية.
  • مراعاة الأمن القومي دون الانزلاق إلى الدعاية.

وفي هذا السياق، يصبح الإعلام ساحة للصراع بين حرية التعبير ومتطلبات الأمن القومي، وهو صراع يعكس طبيعة الأنظمة الديمقراطية التي تسمح بتعدد الأصوات والآراء.

 

الخلاصة: حرب الروايات قبل حرب السلاح

إن الهجمات التي يشنها ترامب ووزير الدفاع الأمريكي على وسائل الإعلام لا يمكن فهمها بمعزل عن حرب الروايات التي ترافق أي صراع عسكري. فالإعلام في الولايات المتحدة لا يُعد سلبياً بقدر ما هو نقدي ومتعدد الاتجاهات، بينما يسعى القادة السياسيون إلى توحيد السردية بما يخدم أهدافهم الاستراتيجية.

أما على الصعيد العالمي، فإن الاعتماد المفرط على الرواية الأمريكية دون تمحيص يفرض على وسائل الإعلام الدولية مسؤولية مضاعفة لتقديم قراءة مستقلة ومتوازنة للأحداث.

في النهاية، تبقى الحقيقة أن الحروب لا تُحسم في الميدان فقط، بل في عقول الجماهير أيضًا، حيث تتنافس الروايات لتشكيل الوعي وتحديد ملامح النصر أو الهزيمة.