عقول متقدمة .. وخطاب متخلف

خطاب بلا وعي… حين يستخف الساسة والإعلام بعقول الشعوب
كتب: عبدالله العميره
في زمنٍ تتسارع فيه المعرفة، وتتشكل فيه العقول على إيقاع الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي، لا يزال الخطاب السياسي والإعلامي في كثير من أنحاء العالم أسيرَ أساليب تقليدية تجاوزها الزمن. تتكرر العبارات ذاتها، وتُعاد السرديات القديمة، وكأن المتلقي ما زال يعيش في حقبة ما قبل الانفتاح المعرفي. هذه المفارقة تطرح سؤالًا جوهريًا: لماذا لا يزال بعض الساسة ووسائل الإعلام يتعاملون مع الجمهور باعتباره متلقيًا ساذجًا، رغم تطور الوعي الإنساني؟
أولًا: عودة الخطاب السياسي التقليدي في أوروبا
تشير ممارسات كلٍّ من بريطانيا وفرنسا في العديد من الأزمات الدولية إلى عودة واضحة للخطاب السياسي التقليدي، القائم على الازدواجية والمناورة اللغوية. فبدلًا من تقديم رؤى صريحة تتناسب مع وعي العصر، يتم اللجوء إلى مفردات دبلوماسية مكررة تهدف إلى إدارة الأزمات إعلاميًا أكثر من حلها فعليًا. هذا النهج يعكس تمسكًا بإرث سياسي قديم لم يعد قادرًا على إقناع جمهور يمتلك اليوم أدوات تحليل ومعرفة غير مسبوقة.
ثانيًا: الخطاب الإيراني… بين التقية وتغييب المتلقي
لا يزال الخطاب الإعلامي والسياسي الإيراني يعتمد على سرديات دعائية تقليدية، تقوم على إعلان "النصر" حتى في لحظات الانكسار. ويستند هذا النمط إلى آليات نفسية وأيديولوجية تهدف إلى الحفاظ على تماسك القاعدة المؤيدة للنظام، من خلال تغييب الوعي وإعادة إنتاج الرواية الرسمية مهما كانت بعيدة عن الواقع.
أسباب استمرار هذا الخطاب:
- الحفاظ على الشرعية الداخلية عبر صناعة وهم الانتصار.
- التحكم في الرأي العام من خلال إعلام موجَّه ومغلق.
- الاعتماد على الأيديولوجيا كأداة لتبرير الإخفاقات.
- الخوف من الانكشاف أمام المجتمعين الدولي والداخلي.
ثالثًا: الإعلام العربي بين الصمت والسطحية
يعاني الإعلام العربي من إشكاليتين رئيسيتين: الصمت تجاه بعض القضايا المصيرية، أو المعالجة السطحية التي تكتفي بوصف الحدث دون تحليل مآلاته. كما تتأثر بعض المنصات الإعلامية بأجندات سياسية ضيقة، ما ينعكس على طبيعة الخطاب المقدم للجمهور.
ومن مظاهر الاختلال الإعلامي أيضًا تجاهل المصدر الأساسي القريب من الحدث، والاعتماد بدلًا من ذلك على وكالات وسيطة تُعيد تدوير المعلومة. هنا لا تكمن المشكلة في نقل الخبر فحسب، بل في ضعف الحس التحريري الذي يخلط بين شهرة الوسيلة وموثوقية المصدر.
وفي هذا السياق، يمكن رصد تباين واضح في الأداء الإعلامي؛ فبعض القنوات تنجح في تقديم محتوى مهني رصين من خلال برامج يقودها إعلاميون محترفون، يتميزون بحسن اختيار الضيوف وعمق الحوار والابتعاد عن الإثارة المصطنعة، بينما تلجأ برامج أخرى إلى استضافة شخصيات سطحية أو مثيرة للجدل بهدف رفع نسب المشاهدة، ما يؤدي إلى إضعاف القيمة المعرفية للمحتوى الإعلامي.
رابعًا: الإعلام الدولي والانحياز السياسي
رغم ما يُفترض من مهنية الإعلام العالمي، فإن بعض المنصات، مثل الإعلام الروسي، تُظهر انحيازًا واضحًا في تغطيتها للأحداث، خاصة فيما يتعلق بدعم النظام الإيراني. ورغم أن هذا الانحياز يمكن تفسيره في سياق المصالح السياسية، فإن غياب التوازن في الطرح يثير تساؤلات حول مدى التزام هذه الوسائل بالمعايير المهنية وقدرتها على إقناع جمهور عالمي أكثر وعيًا ونقدًا.
خامسًا: لماذا لا يزال الخطاب لا يحترم المتلقي؟
يمكن تفسير استمرار هذا النمط من الخطاب بعدة عوامل متداخلة:
- الإرث التاريخي للدعاية السياسية.
- المصالح السياسية والاستراتيجية.
- الفجوة بين تطور التكنولوجيا وتطور الفكر السياسي.
- الاعتماد على الجمهور المؤدلج.
- الخوف من فقدان السيطرة على الرأي العام.
إن العالم اليوم لم يعد كما كان بالأمس؛ فالمتلقي أصبح أكثر وعيًا وقدرة على التحليل بفضل الانفتاح المعرفي والتقني. ومع ذلك، لا يزال بعض الخطاب السياسي والإعلامي يتعامل مع الجمهور بعقلية الماضي، متجاهلًا التحولات العميقة في بنية الوعي الإنساني.
إن احترام عقل المتلقي لم يعد خيارًا، بل ضرورة حتمية لضمان المصداقية والاستمرارية. فالإعلام الذي لا يتطور مع وعي جمهوره محكوم عليه بفقدان تأثيره، مهما امتلك من أدوات تقنية أو إمكانات مادية.
في زمن الذكاء الاصطناعي، لم يعد السؤال: ماذا نقول؟
بل أصبح: هل نحترم عقول من نخاطبهم؟
الحل.. العلاج
لم يعد التحدي الحقيقي في مستوى وعي الجماهير، بل في جودة الخطاب السياسي والإعلامي الذي يُوجَّه إليها. ويتحقق العلاج عبر مفاتيح تنفيذية واضحة:
1. تأهيل القيادات السياسية والإعلامية
- إنشاء برامج تدريب إلزامية في الاتصال الاستراتيجي وإدارة الأزمات.
- اختيار متحدثين رسميين محترفين بناءً على الكفاءة لا المنصب.
- اعتماد المحاكاة الإعلامية للتدرب على المؤتمرات والتصريحات الحساسة.
- تقييم الأداء دوريًا من خلال مؤشرات قياس الأثر الإعلامي.
2. بناء مؤسسات إعلامية فاعلة
- تأسيس مراكز اتصال حكومي موحّدة لتنسيق الرسائل بين الجهات.
- إعداد دليل وطني للخطاب الإعلامي يحدد المصطلحات والرسائل الأساسية.
- إنشاء غرف عمليات إعلامية لإدارة الأزمات والاستجابة السريعة.
- تعزيز الاستقلالية المهنية للمؤسسات الإعلامية لضمان المصداقية.
3. توظيف التقنية بفعالية
- استخدام تحليل البيانات والذكاء الاصطناعي لفهم توجهات الرأي العام.
- إنشاء منصات رصد إعلامي لمتابعة ما يُنشر محليًا ودوليًا بشكل لحظي.
- تطوير قنوات تواصل رقمية مباشرة مع الجمهور لتعزيز الشفافية.
- قياس التأثير عبر مؤشرات رقمية مثل التفاعل والثقة والانتشار.
4. تطوير الخطاب السياسي والإعلامي
- الانتقال من الخطاب الدعائي إلى خطاب قائم على الحقائق والأرقام.
- تبني الشفافية والوضوح بدلًا من الغموض أو التناقض.
- توحيد الرسائل الإعلامية لضمان الاتساق المؤسسي.
- التركيز على استشراف المستقبل بدلًا من الاكتفاء بردود الفعل.
- اعتماد سرديات إيجابية واقعية تعزز الثقة وتبتعد عن المبالغة.
الخلاصة التنفيذية
العلاج ممكن، ويتحقق من خلال تأهيل القيادات، وبناء مؤسسات إعلامية موحّدة، وتوظيف التقنية، وتبني خطاب قائم على المصداقية والبيانات.
__________________________________
الدلالة الرمزية للصور
الصورة الرئيسية: العين على خلفية سوداء
- العين: ترمز إلى الوعي والإدراك والقدرة على التمييز بين الحقيقة والتضليل.
- الخط المتقاطع عبر العين: يشير إلى محاولات التعتيم الإعلامي أو تغييب الوعي.
- الخلفية السوداء: تعكس بيئة الانغلاق والتضليل.
- التباين الأبيض والأسود: يرمز إلى الصراع بين الحقيقة والوهم.
الصورة الداخلية: تواصل العقول عبر وسائل الإعلام
- الرأسان المتقابلان: يرمزان إلى العلاقة بين المرسل والمتلقي.
- الرموز الإعلامية: تمثل تدفق المعلومات عبر المنصات المختلفة.
- المصباح المضيء: يرمز إلى المعرفة والتفكير النقدي.
- الانتقال البصري بين العقلين: يعكس تأثير الإعلام في تشكيل الوعي الجماهيري.
"حين يُحجب الوعي… يصبح التضليل هو اللغة السائدة."