اليوم 45: حصار وتصعيد

news image

متابعة وتحليل | BETH

مع دخول الحصار البحري الأميركي على إيران يومه الثاني، في سياق الحرب المستمرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، تتسارع التحولات الإقليمية على أكثر من مسار، حيث يترافق التصعيد العسكري في مضيق هرمز مع تحركات دبلوماسية لاحتواء الأزمة، إلى جانب تطورات موازية في لبنان تعكس اتساع دائرة التوتر في المنطقة.

العرض

تشير تقديرات أولية إلى أن الحصار البحري قد يكلّف السلطات الإيرانية نحو 435 مليون دولار يوميًا، منها 276 مليون دولار خسائر في الصادرات، معظمها من النفط الخام والبتروكيماويات، ما يعكس حجم الضغط الاقتصادي الناتج عن القيود المفروضة على حركة الملاحة.

وبحسب مسؤول أميركي رفيع المستوى، تشارك أكثر من 15 سفينة حربية أميركية في تنفيذ الحصار في منطقة مضيق هرمز، من بينها حاملة طائرات وعدة مدمرات مزودة بصواريخ موجهة، إضافة إلى سفينة إنزال ووحدات قتالية أخرى قادرة على تشغيل المروحيات، ما يعزز الجاهزية العسكرية الأميركية في المنطقة.

وفي المسار الدبلوماسي، اقترحت باكستان استضافة جولة ثانية من المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران في إسلام آباد يوم الخميس المقبل، وذلك قبل انتهاء وقف إطلاق النار الهش. وأوضح مسؤولان أميركيان، فضّلا عدم الكشف عن هويتهما، أن عقد هذه الجولة سيعتمد على موافقة الطرفين، مع إمكانية اختيار موقع بديل للمفاوضات.

وعلى صعيد موازٍ، تستعد لبنان لعقد أول لقاء تفاوضي مباشر مع إسرائيل بوساطة أميركية، بعد مرور 43 عامًا على آخر مفاوضات مباشرة بين الطرفين التي أفضت إلى اتفاق 17 أيار 1983. ومن المقرر أن تستضيف واشنطن هذا الاجتماع، بمشاركة سفير إسرائيل لدى الولايات المتحدة، والسفيرة اللبنانية ندى حمادة معوض، وبحضور وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو والسفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى.

وفي الوقت ذاته، واصلت إسرائيل غاراتها الجوية على جنوب وشرق لبنان، في مؤشر على استمرار التصعيد الميداني بالتوازي مع المسار التفاوضي، ما يعكس تعقيد المشهد الإقليمي وتداخل أبعاده السياسية والعسكرية.

تحليل BETH

تعكس تطورات اليوم الخامس والأربعين من الحرب تداخل المسارات العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية في مشهد إقليمي شديد التعقيد. فالحصار البحري الأميركي لا يقتصر على كونه أداة ضغط عسكرية، بل يمثل أيضًا وسيلة لخنق الاقتصاد الإيراني وتقليص قدرته على تمويل عملياته الإقليمية، ما قد يدفع طهران إلى إعادة حساباتها الاستراتيجية.

في المقابل، يشير المقترح الباكستاني لاستضافة جولة جديدة من المحادثات إلى استمرار السعي الدولي لاحتواء التصعيد ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع، بينما يعكس المسار التفاوضي بين لبنان وإسرائيل محاولة لإعادة ترتيب التوازنات الأمنية في شرق المتوسط.

إن تزامن هذه التحركات مع استمرار العمليات العسكرية يؤكد أن المنطقة تمر بمرحلة إعادة تشكيل استراتيجي، حيث تتقاطع الضغوط العسكرية مع المساعي الدبلوماسية، ما يجعل مستقبل الصراع مفتوحًا على سيناريوهات متعددة، تتراوح بين احتواء التوتر أو اتساع نطاقه ليشمل ساحات إقليمية إضافية.

حصار ومفاوضات: ما بين ما يظهر للعالم… وما هو خفي

لا يمكن قراءة تطورات اليوم الخامس والأربعين من الحرب من زاوية عسكرية أو دبلوماسية منفصلة، إذ يكشف التزامن بين فرض الحصار البحري والتحركات التفاوضية عن معادلة استراتيجية تقوم على استخدام الضغط العسكري كأداة لتعزيز الموقف السياسي على طاولة المفاوضات.

فعلى المستوى الظاهر، يبدو الحصار البحري إجراءً عسكريًا يهدف إلى تقييد حركة الملاحة وخنق الاقتصاد الإيراني، في حين تعكس الدعوات إلى استئناف المحادثات رغبة دولية في احتواء التصعيد ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع. غير أن القراءة الأعمق تشير إلى أن هذين المسارين ليسا متعارضين، بل متكاملين ضمن استراتيجية واحدة تُعرف بسياسة "الضغط من أجل التفاوض".

أما على المستوى الخفي، فإن الحصار يبعث برسائل متعددة تتجاوز إيران لتشمل الفاعلين الإقليميين والدوليين، مفادها أن ميزان القوة في المنطقة يُعاد تشكيله، وأن أي تسوية مستقبلية ستتم وفق معطيات جديدة تفرضها الوقائع الميدانية. وفي المقابل، تمنح المفاوضات جميع الأطراف مخرجًا دبلوماسيًا يحفظ ماء الوجه ويتيح إعادة ترتيب الأولويات دون الانزلاق إلى حرب شاملة.

كما أن هذا التوازي بين التصعيد العسكري والانخراط الدبلوماسي يعكس نمطًا متكررًا في إدارة الأزمات الدولية، حيث لا يُستخدم السلاح فقط لتحقيق نصر ميداني، بل لتعديل شروط التفاوض ورفع سقف المطالب السياسية.

إن ما يجري اليوم في مضيق هرمز لا يمكن اختزاله في مفهوم الحصار أو المفاوضات كلٌّ على حدة، بل هو تعبير عن استراتيجية مركّبة تجمع بين القوة الصلبة والقوة الناعمة، حيث يُستخدم الحصار لفرض واقع جديد، بينما تُستخدم المفاوضات لترسيخ هذا الواقع في إطار سياسي مقبول دوليًا.

في الأزمات الكبرى، لا تكون الحقيقة دائمًا فيما يُرى، بل فيما يُراد تحقيقه من وراء ما يُرى

بين الحصار والمفاوضات .. تتشكل ملامح المرحلة القادمة.