حين يغيب تأثير المثقف

news image

كتب : عبدالله العميره

في أحد مواقف السيارات، توقفت راقصة بسيارتها المرسيدس الحديثة بجوار سيارة أديب شهير. التفتت إليه قائلة بسخرية: "شفت الأدب عمل لك إيه؟" فردّ بهدوء: "آه… وشفتِ قلة الأدب عملت لك إيه؟".

قد تبدو هذه القصة طريفة في ظاهرها، لكنها تحمل دلالة عميقة تختصر جانبًا من واقع الثقافة العربية، حيث يتراجع تأثير الفكر والأدب أمام سطوة الشهرة السطحية والقيم الاستهلاكية.

خلال حوار مع صديق وزميل مصري في أيام إحدى الثورات، طرحت سؤالًا بسيطًا: أين تأثير الأدباء والمفكرين على وعي المجتمع؟ فجاءت  إجابته مختصرة لكنها ذات دلالة: "كانوا يكتبون من برج عاجي، في وقت تسيطر التفاهات، واختراقات للوعي."

هذه الإجابة تفتح بابًا واسعًا للتساؤل:
هل يفتقر العالم العربي إلى المثقفين؟ بالتأكيد لا. فالعالم العربي زاخر بالمفكرين والأدباء، لكن الإشكالية تكمن في ضعف تأثيرهم في تشكيل الوعي العام. فالمثقف، في كثير من الحالات، انشغل بالتنظير بعيدًا عن هموم المجتمع، أو حُوصِر ضمن دوائر نخبوية ضيقة، مما أفسح المجال أمام أصوات أخرى أقل عمقًا وأكثر تأثيرًا في الشارع.

السؤال الجوهري: لماذا يغيب التأثير؟

يمكن فهم هذا الغياب من خلال مجموعة من العوامل المتداخلة:

1- الانفصال عن الواقع المجتمعي
كثير من المثقفين ظلوا أسرى النخبوية، بعيدين عن لغة الناس وقضاياهم اليومية، مما حدّ من قدرتهم على التأثير في الوعي العام.

2- ضعف المنظومة التعليمية والتربوية
يركّز التعليم في بعض الدول العربية على التلقين بدلاً من تنمية التفكير النقدي، في حين لا تسهم التربية المجتمعية بالقدر الكافي في بناء وعي مستقل وقادر على التحليل.

3- هيمنة الإعلام الشعبوي
منحت وسائل الإعلام الحديثة ومنصات التواصل الاجتماعي مساحة أوسع للأصوات المثيرة والعاطفية، على حساب الخطاب الثقافي الرصين، مما أدى إلى تراجع تأثير المثقف أمام الخطاب السريع والجاذب جماهيريًا.

4- تسييس الثقافة
في بعض الحالات، تم توظيف الثقافة لخدمة أجندات سياسية أو أيديولوجية، الأمر الذي أفقد المثقف استقلاليته ومصداقيته، وحوّل دوره من التنوير إلى التبرير.

5- أزمة الثقة بين المثقف والمجتمع
نتيجة التباعد بين الطرفين، لم يعد المجتمع ينظر إلى المثقف باعتباره مرجعية فكرية مؤثرة، بل بات ينظر إليه أحيانًا بوصفه جزءًا من النخبة المنعزلة عن همومه وتطلعاته.

6- قابلية الاختراق الأيديولوجي
وصلت بعض المجتمعات إلى مرحلة من الهشاشة الفكرية جعلتها سهلة الاختراق والتعبئة بأيديولوجيات تقوم على الخرافة والتضليل، مما أسهم في ترسيخ الأفكار المتخلفة وإعادة إنتاجها، وأضعف مناعة الوعي الجمعي وقدرته على التمييز بين الحقيقة والوهم.

ومن ينفّذ هذه الأجندة؟ وما هدفه؟

لا يمكن حصر المسؤولية في طرف واحد، إذ تتداخل عدة جهات في تنفيذ هذه الأجندات، من بينها جماعات أيديولوجية متطرفة، ومنصات إعلامية موجّهة، وبعض القوى السياسية التي تسعى إلى توظيف الوعي الجمعي لخدمة مصالحها. كما قد تستغل قوى إقليمية أو دولية هذه الهشاشة الفكرية لتعزيز نفوذها وتحقيق أهداف استراتيجية على حساب استقرار المجتمعات.

ولا يقتصر تأثير هذه الأجندات على مجتمع عربي في دولة واحدة، بل يُلاحظ اتساع نطاقها ليشمل مجتمعات متعددة، ولا سيما في الدول العربية الإفريقية، حيث تتقاطع التحديات السياسية والاقتصادية مع الهشاشة الثقافية، ما يجعلها أكثر عرضة للتأثر بمثل هذه التيارات والأفكار.

من يسجن الوعي في الماضي؟

السؤال الأهم لا يتعلق بوجود المثقفين، بل بمن يوجّه الوعي الجمعي نحو الماضي والتخلف. والإجابة تكمن في تداخل عدة عوامل:

  • التعليم عندما يفتقر إلى تنمية التفكير النقدي.
  • التربية عندما تعزز الانغلاق بدلاً من الانفتاح.
  • الإعلام الموجَّه الذي يروّج لخطابات الكراهية أو الأيديولوجيا.
  • الاستغلال السياسي والديني الذي يوظف العواطف بدلًا من العقل.

إن هذا "الشيء غير المعلوم" هو في الحقيقة منظومة متكاملة من التأثيرات التي تعيد إنتاج التخلف وتُبقي المجتمعات أسيرة الماضي.

 

قراءة في التحولات الإقليمية .. والوعي

تشهد المنطقة تحولات عميقة، حيث كشفت الأحداث في دول مثل سوريا والعراق وإيران عن حجم الدمار الذي يمكن أن تخلّفه الصراعات الأيديولوجية والتدخلات الخارجية. هذه التحولات تمثل دروسًا تاريخية، لكنها لم تُستوعب بعد لدى بعض النخب والجماهير التي لا تزال أسيرة سرديات قديمة وخطابات عاطفية.

إن استحضار هذه التجارب لا ينبغي أن يكون مدخلًا للاتهام أو الإدانة، بل فرصة لإعادة التفكير في أهمية الوعي النقدي ودور المثقف في توجيه المجتمعات نحو الاستقرار والتنمية.

نحو دور جديد للمثقف

إذا كان المثقف قد ابتعد عن التأثير في الماضي، فإن المرحلة القادمة تتطلب إعادة تعريف هذا الدور من خلال:

  • الاقتراب من قضايا المجتمع بلغة واضحة ومؤثرة، تعكس هموم الناس وتطلعاتهم.
  • الاستفادة من الإعلام الرقمي للوصول إلى جمهور أوسع وتعزيز الحضور الثقافي في الفضاء العام.
  • تعزيز التفكير النقدي بدلًا من الخطاب النخبوي المنعزل عن الواقع.
  • الاستقلالية الفكرية بعيدًا عن التوظيف السياسي أو الأيديولوجي.
  • المساهمة في بناء خطاب تنموي مستقبلي يركز على الإنسان بوصفه محور التنمية وغايتها.
  • قراءة الواقع بعمق وتسليط الضوء على نتائج ضعف الوعي، من خلال تحليل التجارب الإقليمية واستخلاص الدروس منها؛ فالأحداث التي شهدتها بعض الدول العربية نتيجة التدخلات الإيرانية، وما تواجهه إيران اليوم من تداعيات لسياساتها ومساراتها الخاطئة، تمثل نماذج واقعية تؤكد أهمية الوعي في توجيه مصير المجتمعات.

وفي النهاية، تبقى الحكمة الإلهية حاضرة في مسار التاريخ، غير أن الاستفادة من دروسها تتطلب عقولًا منفتحة قادرة على التعلم من الماضي وصناعة المستقبل. كما تستلزم أن تضطلع الجهات المسؤولة عن تشكيل الوعي بمسؤولياتها، من خلال إعداد استراتيجيات وبرامج عملية، من بينها تنظيم مؤتمرات فاعلة تسهم في تغيير المعادلة السائدة في تشكيل الوعي، وتدفع نحو بناء مجتمع عربي أكثر إدراكًا وقدرة على مواجهة التحديات.

 الصورة : 

 من نور المعرفة يبدأ تشكّل الوعي.