من خطاب الذات إلى الإعلام العالمي
كتب: عبدالله العميره
في زمنٍ لم تعد فيه الحدود الجغرافية عائقًا أمام تدفق المعلومات، ولم يعد الفضاء الإعلامي حكرًا على صوتٍ واحد، يبرز سؤال جوهري: هل واكب الإعلام العربي التحولات العالمية، أم ما زال أسير خطابٍ تقليدي يعكس “الذات” أكثر مما يعكس الواقع؟
لقد نشأ الإعلام العربي في سياقات تاريخية وسياسية جعلت من “الخطاب الذاتي” سمةً بارزة في كثير من ممارساته؛ خطابٌ يركّز على تأكيد المواقف والانتصار للرواية المحلية، أكثر من سعيه إلى قراءة الحدث في إطاره العالمي. ورغم أن هذا الأسلوب كان مفهومًا في مراحله الأولى، فإن استمراره في عصر الفضاء المفتوح والتقنيات الرقمية يحدّ من قدرته على التأثير في الرأي العام الدولي.
خطاب الشعارات: بين الأيديولوجيا ووهم النخبوية
ومن أبرز تجليات هذا الخطاب ما يمكن تسميته بـ “خطاب الشعارات”، الذي ارتبط تاريخيًا ببعض التيارات القومية، واليسارية، وتيارات الإسلام السياسي. فقد اتسم هذا الخطاب بالتركيز على الشعارات العاطفية والطرح التعبوي، أكثر من اعتماده على التحليل الموضوعي أو القراءة الواقعية للأحداث.
وقد أسهمت هذه التيارات، في مراحل مختلفة، في تشكيل ما بدا أنه نخب فكرية، إلا أن بعض هذه النخب ظل أسير رؤى أيديولوجية مغلقة، ما جعل خطابها أقرب إلى إعادة إنتاج الذات منه إلى التفاعل مع التحولات العالمية. وهكذا، تحول الخطاب في بعض الأحيان إلى مزيج من الانغلاق الفكري والنرجسية الخطابية، حيث يتم تضخيم الذات الجماعية مقابل تجاهل التحديات الواقعية.
التخلف والنرجسية: قراءة في البعد النفسي للخطاب
يتميّز الخطاب الذي يجمع بين الجمود الفكري والنرجسية بخصائص محددة تعكس هشاشة نفسية عميقة مغلّفة بعظمة زائفة، ومن أبرز هذه الخصائص:
- تضخيم الذات الجماعية وادعاء امتلاك الحقيقة المطلقة.
- قلب الحقائق وتفسير الإخفاقات بوصفها مؤامرات خارجية.
لايدركون أن الاعتقاد المطلق بنظريات المؤامرة لا يعكس قوةً أو وعيًا، بل يُعد اعترافًا ضمنيًا بالضعف وعدم القدرة على المواجهة. - الهروب من المسؤولية عبر إلقاء اللوم على الآخر.
- رفض النقد واعتباره تهديدًا للهوية أو الثوابت.
- الاعتماد على الشعارات بدلًا من التحليل القائم على البيانات.
هذا النمط من الخطاب لا يعيق فقط تطور الإعلام، بل يحدّ أيضًا من قدرته على التواصل مع العالم، إذ يتناقض مع متطلبات الإعلام الحديث القائم على الموضوعية والانفتاح والتعددية.
نحو إعلام عالمي
في المقابل، يفرض الإعلام المعاصر مقاربةً مختلفة تقوم على التحليل العميق، والموضوعية، واستشراف المآلات، مع إدراك أن الجمهور لم يعد محليًا فحسب، بل أصبح عالميًا ومتعدد الثقافات. ومن هنا، يبرز نموذج إعلامي يتجاوز حدود نقل الخبر، ليقدّم قراءة استراتيجية تسهم في تشكيل فهمٍ أعمق للأحداث.
إن المقارنة بين هذا النموذج وبعض ممارسات الإعلام العربي التقليدي لا تهدف إلى المفاضلة، بل إلى تسليط الضوء على تحولٍ طبيعي في وظيفة الإعلام؛ من خطابٍ أحادي موجّه إلى جمهورٍ محلي، إلى خطابٍ منفتح يخاطب العالم بلغة المعرفة والتحليل.
ففي حين يعتمد الخطاب التقليدي على مفرداتٍ عاطفية وتعبيراتٍ إنشائية، يتجه الإعلام العالمي إلى استخدام لغة تحليلية تستند إلى البيانات والسياق، وتُعلي من قيمة الموضوعية والتوازن. كما أن الإعلام الحديث لا يكتفي بوصف الحدث، بل يسعى إلى تفسيره، وقياس أثره، واستشراف مستقبله.
وكالة BETH: نموذج للتحول
وفي هذا السياق، تمثل وكالة BETH نموذجًا لهذا التحول، حيث تتبنى رؤية إعلامية عالمية تسعى إلى تقديم محتوى يتجاوز المحلية، دون أن يفقد جذوره الثقافية. فهي لا تدّعي التفوق على غيرها، بل تسعى إلى الإسهام في تطوير الخطاب الإعلامي العربي بما يتناسب مع متطلبات العصر، من خلال تقديم محتوى مهني يجمع بين الدقة والعمق والتحليل الاستراتيجي.
كما أن الانفتاح على الملاحظات وتقبّل النقد يشكّلان جزءًا أساسيًا من هذا النهج، إذ إن الإعلام الحقيقي لا يكتمل إلا بالحوار مع جمهوره، وتصحيح أي سوء فهم قد ينشأ عن اختلاف زوايا التلقي.
في عصر السماء المفتوحة، لم يعد الإعلام مجرد ناقلٍ للأحداث، بل أصبح شريكًا فاعلًا في صناعة الوعي. ومن هنا، فإن تطوير الخطاب الإعلامي العربي ليس خيارًا ترفيًا، بل ضرورة حتمية لضمان حضوره وتأثيره في المشهد العالمي.
إن الانتقال من الخطاب الذاتي إلى الإعلام العالمي لا يعني التخلي عن الهوية، بل يعكس نضجها وقدرتها على التفاعل مع العالم. فالإعلام الذي يخاطب الإنسانية بلغة المعرفة والتحليل هو الأقدر على بناء الجسور، وتعزيز الفهم المتبادل، والمساهمة في تشكيل مستقبلٍ أكثر وعيًا وتوازنًا.
رسالة إلى الإعلام العالمي
لطالما انشغلنا بنقد سلبيات الإعلام العربي وبعض التوجهات الفكرية التي تبنّتها جماعات وأفراد، ممن يُطلق عليهم زورًا وصف "النخب". وفي المقابل، تبرز الحاجة إلى دعوة الإعلام العالمي للانفتاح على الحقائق، وفهم المستوى الحقيقي للدول والشعوب في المنطقة، والتمييز بين التوجهات القديمة والنماذج الحضارية الصاعدة.
فالسماء أصبحت مفتوحة، ووسائل التواصل يسّرت الوصول إلى المعلومة، ومن بديهيات المهنية الصحفية التحقق من الحقيقة قبل نشرها. وقد كشفت الأحداث الأخيرة، ومنها الحروب والتوترات الإقليمية، عن مستوى التحضّر الذي بلغته دول الخليج، وعن صلابتها في الدفاع عن أمنها، وإسهامها المحوري في استقرار العالم.
كما أبرزت قضية مضيق هرمز الأهمية الاستراتيجية لدول الخليج في حماية الاقتصاد العالمي وسلامة الشعوب. فهذه الدول لم تعد مجرد مصدّر للنفط، بل أصبحت مصدرًا لنماذج تنموية متقدمة، تسهم في الارتقاء بجودة الحياة وتعزيز الاستقرار الإقليمي والدولي.
ومن هنا، تبرز ضرورة إعادة تشكيل الصورة النمطية السائدة في بعض وسائل الإعلام، واستبدالها بصورة تعكس الحقيقة، وتنقل ملامح القوة، وكفاءة الإدارة، والحكمة في تنفيذ المشروعات التنموية ذات الأثر العالمي.
إن التحول المطلوب من الإعلام الغربي لا يتمثل فقط في نقل الخبر، بل في الانتقال من خطابٍ يرضي الذات إلى خطابٍ مهني متوازن يعزز المصداقية ويكسب احترام العالم.
BETH لا تكتفي بنقل الخبر، بل تقدّم القراءة والتحليل الاستراتيجي وقياس الأثر والتأثير، بما يسهم في تشكيل فهمٍ أعمق للأحداث.