إيران: اقتراب نهاية حقبة مظلمة

news image

من الخميني إلى اليوم :  47 سنة من العبث والعزلة
هل ستشرق شمس  جديدة  على  أرض الآريين ؟  

 

 إعداد وتحليل| BETH
إشراف : عبدالله العميره
 

المقدمة

عندما عاد  الخميني إلى طهران عام 1979، لم يكن ذلك مجرد تحول سياسي داخلي، بل بداية لمرحلة جديدة في تاريخ المنطقة، اتسمت بتصدير الأيديولوجيا الثورية وإعادة تشكيل موازين القوى الإقليمية. ومنذ ذلك الحين، وعلى مدى أكثر من أربعة عقود، لم تمر سنة واحدة دون أن تكون إيران طرفًا مباشرًا أو غير مباشر في توترات أو صراعات إقليمية، ما جعل الثورة الإيرانية نموذجًا فريدًا لدولة تُدار سياستها الخارجية بمنطق أيديولوجي يتجاوز حدودها الجغرافية.

الأيديولوجيا كمحرّك للسياسة

قامت جمهورية الإيرانية  سنة 1979؛ على مبدأ ولاية الفقيه، الذي منح القيادة الدينية سلطة سياسية مطلقة، وجعل الأيديولوجيا الدينية ، أو الإسلام السياسي الذي استحدثه الخميني ، لتحقيق أهدافه، وجعله المحرك الأساسي للسياسات الداخلية والخارجية. هذا النهج أفرز ما يمكن وصفه بـ"السياسة المقلوبة"، حيث تُقدَّم الاعتبارات الأيديولوجية على المصالح الوطنية التقليدية، ما أدى إلى توترات مستمرة مع المحيط الإقليمي والمجتمع الدولي.

شواهد تاريخية على "العبث الثوري"

على مدى 47 سنة، برزت العديد من المحطات التي تعكس هذا النهج:

  1. أزمة الرهائن في السفارة الأميركية (1979–1981)
    شكّلت أول مؤشر على توجه إيران نحو المواجهة مع المجتمع الدولي، وأدت إلى عزلة سياسية واقتصادية مبكرة.
  2. الحرب العراقية–الإيرانية (1980–1988)
    رغم تعقيد أسبابها، فقد عززت الحرب من الخطاب الثوري وأطالت أمد الصراع، ما أسهم في ترسيخ نهج المواجهة.
  3. دعم الجماعات المسلحة في المنطقة
    • لبنان: دعم حزب الله منذ ثمانينيات القرن الماضي.
    • العراق: دعم ميليشيات مسلحة بعد عام 2003.
    • سوريا: تدخل عسكري مباشر منذ 2011 لدعم النظام.
    • اليمن: دعم جماعة الحوثي وتأثيرها على أمن الخليج والملاحة الدولية.
  4. البرنامج النووي والصاروخي
    أدى إلى أزمات متكررة مع المجتمع الدولي وفرض عقوبات اقتصادية واسعة، ما عمّق عزلة إيران.
  5. الهجمات على الملاحة في الخليج ومضيق هرمز
    عززت صورة إيران كعامل توتر دائم في أحد أهم الممرات البحرية العالمية.

سياسة بلا أصدقاء

أحد أبرز ملامح السياسة الإيرانية هو غياب التحالفات المستقرة. فالعلاقات التي أقامتها طهران غالبًا ما كانت وظيفية ومؤقتة، قائمة على تقاطع المصالح لا على شراكات استراتيجية طويلة الأمد. وحتى حلفاؤها التقليديون، مثل روسيا أو بعض القوى الإقليمية، يتعاملون معها من منطلق براغماتي بحت، ما يعزز فكرة أن الأنظمة في إيران لا تمتلك أصدقاء دائمين، بل شركاء ظرفيين.

الصمت الدولي وتقاطعات المصالح

من المثير للانتباه أن العديد من القوى الدولية غضّت الطرف عن بعض السياسات الإيرانية في مراحل مختلفة، نتيجة لتقاطعات المصالح الجيوسياسية أو الاقتصادية. هذا الصمت أسهم في إطالة أمد الأزمات، ومنح طهران مساحة للاستمرار في نهجها دون مراجعة حقيقية، ما يعكس أن التفاعلات الدولية لا تحكمها القيم بقدر ما تحكمها المصالح الخاصة.

مقارنة فلسفية: الأيديولوجيا مقابل الإنسان

بينما تبنّت إيران نموذجًا أيديولوجيًا يركز على تصدير الثورة وبناء النفوذ، اتجهت دول الخليج إلى نموذج تنموي يضع الإنسان في قلب السياسات العامة، من خلال الاستثمار في التعليم والصحة والاقتصاد، وهو ما انعكس في مستويات الاستقرار والتنمية.

قراءة BETH

لا يمكن فهم السياسة الإيرانية دون إدراك أن الثورة لم تكن حدثًا تاريخيًا عابرًا، بل مشروعًا أيديولوجيًا مستمرًا  منذ ذلك الحين إلى اليوم .. شكّل هوية الدولة وسلوكها الخارجي. فخلال 47 عسنة، أصبحت الأيديولوجيا المرتبطة بالخميني الإطار الناظم للسياسة الإيرانية، ما أدى إلى ما يمكن وصفه بـ"الاستمرارية الثورية العبثية" التي حالت دون بناء علاقات مستقرة مع المحيط الإقليمي والدولي.

كما تكشف التجربة الإيرانية أن تغليب الأيديولوجيا على البراغماتية السياسية يؤدي غالبًا إلى العزلة والتوتر المستمر.. في حين أن النماذج التي تضع الإنسان والتنمية في صلب سياساتها تحقق استقرارًا وتأثيرًا أكثر استدامة.

الخلاصة

بعد ما يقارب نصف قرن على قيام الثورة الإيرانية، يتضح أن هذا الحدث لم يغيّر إيران فحسب، بل أعاد تشكيل المشهد الإقليمي بأكمله. فقد كشف عن مشروع أيديولوجي يسعى إلى تصدير نفوذه، وتكريس العداوة في المنطقة، ودعم الجماعات المسلحة، ومحاولة تعميق مظاهر التخلف وعدم الاستقرار.

وفي المقابل، أبرزت هذه المرحلة نماذج تنموية بديلة، لاسيما في دول الخليج العربي، التي ركّزت على رفاه الإنسان والاستثمار في التنمية المستدامة، ما أسهم في تحقيق الاستقرار وتعزيز الحضور الدولي لهذه الدول.

وتكشف هذه التجربة عن ملامح مسارين متباينين في الحكم، الأمر الذي يجعل دراسة التجربة الإيرانية ضرورة لفهم حاضر المنطقة واستشراف مستقبلها.

كما أظهرت سياسات هذا النظام حجم الأضرار الكبيرة التي لحقت باستقرار المنطقة واقتصادات دولها، بل وامتدت آثارها إلى النظام الدولي. وفي المقابل، أكدت هذه التجربة أهمية التكامل والتعاون بين الدول بوصفهما نهجًا أكثر استدامة لتحقيق الأمن والتنمية، بدلاً من الاستراتيجيات التقليدية القائمة على التوسع أو التدخل في شؤون الآخرين.


تُعرب وكالة BETH عن تقديرها للكاتبة والإعلامية الأستاذة عهدية أحمد السيد، الرئيسة السابقة لجمعية الصحفيين البحرينية، لإبدائها فكرة هذا الموضوع