إضربني .. ولكن باحترام !
الميكروفون والعصا بيد المجنون
كتب: عبدالله العميره
في عالم السياسة، لا تُقاس القوة بحجم التصريحات، بل بقدرة صاحبها على تحويل كلماته إلى واقع. ومع ذلك، لا يزال البعض يعتقد أن الميكروفون يمكن أن يكون بديلاً عن موازين القوى، وأن العناوين الصاخبة قادرة على إعادة رسم خرائط النفوذ.
أحد المسؤولين الإيرانيين صرّح مؤخرًا بأن "مضيق هرمز سيظل خاضعًا لسيطرة قواتنا العسكرية". تصريحٌ يبدو في ظاهره تعبيرًا عن السيادة، لكنه في عمقه يندرج ضمن ما يمكن تسميته بـ بطولات الميكروفون؛ حيث تُطلق الكلمات بثقة عالية، بينما يبقى الواقع أكثر تعقيدًا مما توحي به العبارات.
المشكلة لا تكمن في التصريح ذاته، بل في الطريقة التي تتعامل بها بعض وسائل الإعلام العربية مع مثل هذه العناوين. فبدلاً من تحليل الخطاب وفهم دلالاته وسياقه السياسي، تُقدَّم هذه التصريحات كما هي، وكأنها حقائق مطلقة، مما يساهم – بقصد أو بغير قصد – في تضخيم صورة المتحدث ومنحه حضورًا يفوق حجمه الحقيقي.
هذا المشهد يعيد إلى ذاكرتي صورة لا تفارقني، رأيتها ذات يوم على شاشة الأخبار. لم تكن مؤلمة فقط بسبب أطرافها، بل بسبب ما حملته من دلالات ساخرة على فجوة القوة بين الخطاب والواقع. رجلٌ أعزل، بملابس رثة، يصرخ ويتوعد، بينما يقف أمامه جندي مدجج بالسلاح، صامتًا، يراقب المشهد ببرود. وفي لحظة تحدٍ يائسة، رفع الرجل حجرًا ليضرب به خصمه، لكن الرد جاء سريعًا وحاسمًا؛ ضغطة زناد واحدة أنهت المشهد، وأسقطت الحجر قبل أن يصل إلى هدفه.
ليست العبرة هنا في قسوة المشهد، بل في رمزيته؛ فالصوت المرتفع لا يصنع قوة، والتحدي اللفظي لا يغيّر موازين الواقع. فالقوة الحقيقية تُبنى على الإمكانات والقدرة والاستراتيجية، لا على العناوين الرنانة.
إن أخطر ما في هذه التصريحات ليس مضمونها، بل تأثيرها النفسي على المتلقي، خاصة في مجتمعات قد لا تتوفر لديها أدوات تحليل الخطاب السياسي. وهنا يتحمل الإعلام مسؤولية كبرى؛ فدوره لا يقتصر على نقل التصريحات، بل يتعداه إلى تفكيكها وقراءتها في سياقها الصحيح، حتى لا يتحول إلى منصة لتضخيم الوهم.
في النهاية، يمكن تلخيص المشهد كله بعبارة ساخرة تختصر الفكرة:
"إضربني… لكن وأنا واقف باحترام!"
إنها فلسفة من يظن أن الكرامة تُصان بالشعارات، لا ببناء القوة الحقيقية. وبين ضجيج التصريحات وصمت الواقع، يبقى الفرق شاسعًا بين بطولة تُقال وقوة تُمارس.
في السياسة، لا تعني مهادنة القوي للضعيف ضعفًا بقدر ما تعكس ثقةً بالنفس وحسابًا دقيقًا لمآلات الأمور. فالقوة الحقيقية لا تستعجل الحسم، بل تدرك أن التوقيت جزء من النصر، وأن الصبر أحيانًا يكون أكثر فاعلية من الاندفاع.
ومن خلال تجارب عديدة، يتضح أن التعامل مع بعض الأنظمة لا يخضع دائمًا لمنطق الردع التقليدي، بل يتطلب فهمًا لطبيعة سلوكها غير المتوقّع. فحين يمتلك طرفٌ ما القدرة على إحداث الفوضى دون حسابٍ دقيق للعواقب، يصبح التعامل معه أشبه بالتعامل مع من يلوّح بعصا في كل اتجاه؛ قد تصيب خصومه، وقد تصيب أقرب الناس إليه، بل وقد ترتد على بلاده نفسها. ومع ذلك، يبقى همه الأول هو البقاء، ولو كان الثمن استقرار وطنه.
قبل عامين، وصفتُ هذا المشهد بعبارة رمزية: "كالمجنون الذي يلوّح بعصاه"، في إشارة إلى سلوك لا تحكمه دائمًا حسابات العقلانية السياسية، بل هاجس الاستمرار بأي ثمن. ومن هنا، فإن سياسة التهدئة التي قد تنتهجها الولايات المتحدة أو حلفاؤها لا ينبغي أن تُفسَّر على أنها ضعف، بل هي في كثير من الأحيان استراتيجية احتواء تهدف إلى تقليل المخاطر ومنع الانفلات غير المحسوب.
فالحروب في ميزان القوى قد تكون محسومة نظريًا، لكن بقاء "العصا" في يد أطراف غير منضبطة يجعل الحسم الفوري خيارًا محفوفًا بالمخاطر. ولذلك، فإن التعامل مع هذا النوع من التهديدات يتطلب هدوء الواثق وصبره، مع جاهزية دائمة لردع أي اندفاع غير محسوب.
في النهاية، لا تُقاس القوة بعلوّ الصوت ولا بكثرة التهديدات، بل بقدرتها على إدارة الصراع بحكمة، واختيار اللحظة المناسبة للحسم. وبين ضجيج التصريحات وصمت الاستعداد، يبقى الفارق واضحًا بين من يلوّح بالعصا… ومن يمتلك القدرة على ضبط إيقاع المشهد بأكمله.
القوة الحقيقية لا تلوّح بالعصا… بل تعرف متى تُسقطها.
ليست كل مهادنة ضعفًا، بل قد تكون صبرًا يسبق الحسم.
بين من يلوّح بالعصا ومن يملك زمام التوقيت.. تُكتب نهاية المشهد.