الوعي المكسور

حين يكره المرآة… ويصافح الخصم: قراءة في الوعي العربي بين النجاح المزعج والاصطفاف المرتبك
إعداد وتحليل | إدارة الإعلام الإستراتيجي – وكالة BETH
إشراف: عبدالله العميره
ضمن رؤية BETH لتحليل المشهد الدولي
السؤال ليس سياسيًا فقط ؛ بل نفسي، اجتماعي، وثقافي في عمقه.
لماذا يظهر لدى بعض العرب—ومنهم صحفيون—خطاب عدائي تجاه دول الخليج؟
ولماذا يصطف بعضهم، بتصريحات غير متزنة، مع إيران؟
هل نحن أمام سوء إدارة؟
أم ثقافة متراكمة؟
أم جهل؟
أم ظاهرة طبيعية في بيئة مضطربة؟
الحقيقة أن السؤال لا يُجاب بسبب واحد
بل عبر تفكيك طبقات من الوعي والتاريخ والتجربة.
لماذا لا يجمع العربَ اللسان الواحد؟
اللغة لا تصنع وحدة تلقائيًا.
العالم العربي، رغم اشتراكه في العربية، عاش مسارات مختلفة جدًا في بناء الدولة:
دول أنهكتها الحروب والانقلابات،
وأخرى راكمت الاستقرار وبنت مؤسسات حديثة واستثمرت في الإنسان والبنية التحتية.
لذلك، الفجوة الحضارية ليست وهمًا
بل نتيجة فروق في الإدارة، والتعليم، والقدرة على حماية المجتمع من الانهيار.
ما يجمع العرب لغويًا؛ لا يكفي ليجمعهم حضاريًا.
لماذا يظهر عداء تجاه الخليج؟
هذا العداء ليس دائمًا كراهية خالصة
بل خليط من دوافع متداخلة:
1) العجز حين يرى النجاح
النجاح القريب مؤلم.
حين يرى الإنسان نموذجًا عربيًا ناجحًا نسبيًا، قد يتحول الألم الداخلي إلى عداء خارجي.
الخليج هنا ليس المشكلة.. بل المرآة.
2) السردية التعويضية
حين يغيب الإنجاز، يُضخَّم الخطاب.
“نحن أصحاب الموقف”.. تصبح بديلاً عن “نحن أصحاب الفعل”.
3) إرث أيديولوجي قديم
بقايا خطاب قومي وشعبوي لا يزال يرى الخليج بصورة نمطية قديمة، رغم تغير الواقع.
4) مهنة صحفية ضعفت فيها المهنية
بعض الصحفيين لا يبحثون عن الحقيقة؛ بل عن موقع في الصراع.
يتحول الصحفي إلى ناشط.. ثم إلى صدى.
5) سوق الانفعال
الغضب يُباع أكثر من التوازن.
والهجوم يجلب جمهورًا أسرع من التحليل.
لماذا الاصطفاف مع إيران؟
ليس حبًا في إيران؛ بل نتيجة معادلة مختزلة:
من يعادي إسرائيل أو الغرب = يمكن التسامح معه.
وهنا الخلل:
تحويل الخصومة مع طرف إلى تبرير لطرف آخر.
هذا ليس وعيًا سياسيًا
بل ارتباك في ترتيب الأولويات.
هل هذه الظاهرة طبيعية؟
ليست طبيعية بالمعنى الصحي
وليست مرضًا فرديًا
بل نتيجة بيئة اجتمع فيها:
تعليم تلقيني،
إعلام تعبوي،
تسييس للهوية،
وفشل إداري طويل.
النتيجة:
جمهور منفعِل.. لا جمهور ناقد.
ماذا يحدث داخل الفرد؟ (التحليل النفسي)
الفرد المهزوم يبحث عن بطل بديل.
الفرد الغاضب يختار خصمه بناءً على شعوره لا على مصلحته.
الفرد الذي تربى على المظلومية يفضّل الشعار العالي على الإنجاز الهادئ.
والأخطر:
الوقوع في ثنائيات مبسطة:
مع أو ضد؛ دون فهم التعقيد.
الخلل التربوي والثقافي
حين يُربّى الإنسان على الطاعة لا السؤال،
وعلى الحماسة لا التحقق،
وعلى الموقف لا النتيجة
فمن الطبيعي أن يختل ميزانه.
الإعلام هنا لا يخلق المشكلة فقط
بل يُعيد إنتاجها يوميًا.
هل يتحمل الخليج جزءًا من المسؤولية؟
ليس لأنه سبب المشكلة
بل لأن النجاح إن لم يُشرح، يُساء فهمه.
أي تجربة لا تملك رواية ذكية
تُختزل من قبل الآخرين.
ما الحل؟
الحل ليس في الرد الانفعالي.. بل في البناء العميق:
بناء وعي يفرّق بين الإنجاز والشعار.
إصلاح التعليم ليُنتج عقلًا ناقدًا.
إعادة تعريف الصحافة كمسؤولية.. لا كاصطفاف.
إنتاج خطاب عربي ذكي يشرح التجارب الناجحة دون استعراض.
وكشف التناقض: كيف يُبرر الخراب تحت شعارات جذابة؟
بعض العرب لا يكرهون الخليج لأنه أخطأ - من وجهة نظرهم - فقط
بل الواقع ؛ لأنه—في بعض جوانبه—فضح فشل سرديات قديمة.
أن الضجيج لا يصنع نهضة،
وأن الشعارات لا تبني دولًا،
وأن الإنجاز الصامت؛ أقوى من الخطاب المرتفع.
أما الاصطفاف غير المتزن مع إيران،
فهو غالبًا:
غضب
حيرة
خلط بين الخصم والعدو
وأحيانًا.. حسد حضاري لا يعترف بنفسه.
المشكلة ليست في الخليج
ولا في إيران وحدها
بل في عقلٍ لم يُدرَّب على رؤية الصورة كاملة.
وفي عالم تتصارع فيه الروايات
يبقى الأخطر ليس من يخطئ
بل من لا يعرف كيف يفكّر.
امتداد التحليل: ما لا يجب أن يُفهم خطأً.. وما يجب أن يُسأل بوضوح
قبل الذهاب إلى الخلاصة النهائية، من المهم ضبط زاوية الفهم، حتى لا يتحول التحليل إلى تعميم غير دقيق.
ليس كل العرب سواء
هذا الطرح لا يعني جميع الشعوب العربية.
هناك قطاعات واسعة من العرب، في مختلف الدول، ترتبط وجدانيًا بدول الخليج، وتشاركها القلق والمصير، بل وتُدرك قيمة الاستقرار والإنجاز الذي تحقق فيها.
لكن المشكلة لا تكمن في هذه الفئات…
بل في من يتصدرون المشهد الإعلامي، ويحتكرون الصوت العالي.
هؤلاء هم “المفضوحون”…
لا لأنهم مختلفون، بل لأن خطابهم يكشف أكثر مما يخفي.
هل هؤلاء يمثلون دولهم؟ أم يُستخدمون كواجهة؟
تصريحات هؤلاء تفتح سؤالين لا يمكن تجاهلهما:
هل ما يقولونه يعكس توجهًا رسميًا غير معلن؟
وبالتالي يمكن قراءة خطابهم كمرآة لما تفكر فيه بعض الحكومات؟
أم أنهم مجرد أصوات تُترك دون ضبط،
في ظل صمت حكومي، أو عجز إداري عن لجم الخطاب المنفلت؟
في الحالتين…
المشكلة قائمة.
إما أننا أمام خطاب غير مباشر،
أو أمام فشل في إدارة المشهد الإعلامي.
وفي كلا السيناريوهين، النتيجة واحدة:
تشويش في الوعي، وإرباك في العلاقة بين الشعوب.
ماذا عن الإعلام السعودي؟
السؤال الأهم هنا.. والأكثر حساسية:
هل يكشف هذا المشهد أن الإعلام السعودي، رغم قوته،
ما زال—في جزء منه—يخاطب ذاته، أكثر مما يؤثر في الخارج؟
الإعلام الداخلي يحتاج إلى إعادة تقديمه بواجهة محلية حقيقية، لكن ببعد دولي؛
فالمملكة لم تعد في مرحلة خطاب محلي فقط.
أما الإعلام الخارجي،
فهو بحاجة إلى إعادة برمجة وتطوير،
لينتقل من مجرد الحضور… إلى صناعة التأثير.
الإعلام الذي لا يخترق العقول خارج حدوده،
يترك المجال مفتوحًا لروايات أخرى—حتى لو كانت ضعيفة—أن تملأ الفراغ.
وهنا تكمن المفارقة:
قد تملك الحقيقة…
لكن لا تملك التأثير الكافي لنقلها.
وهذا ليس ضعفًا في المحتوى
بل في استراتيجية الوصول والتأثير.
يجب أن يخرج الصحفي المحلي إلى أفقٍ دولي،
في التفكير والمنهج معًا.
المعادلة التقليدية:
الرسالة – الوسيلة – الهدف،
لم تعد كافية بصيغتها القديمة…
بل تحتاج إلى إعادة بناء وفق آلية تنفيذية أكثر دقة ووعيًا:
رسالة مناسبة،
وسيلة مناسبة،
هدف مدروس،
رصد،
تحليل،
وقياس للأثر والتأثير.
المعركة لم تعد على “من يقول الحقيقة”
بل على “من يُقنع بها”.
وإذا لم يُصنع التأثير،
فسيصنعه غيرك؛ ولو كان بلا منطق.
الخلاصة الممتدة
ليس كل صوت مرتفع يمثل شعبًا
وليس كل صمت يعني براءة.
وفي عالم تتصارع فيه الروايات،
لا يكفي أن تكون على حق
بل يجب أن تعرف كيف تجعل الآخرين يرونه.
المنطقة، والعالم، مقبلان على تحولات كبرى،
ومن لا يستعد لها مبكرًا؛ لن يكون جزءًا منها، بل نتيجة لها.
ومن مصلحة العرب، والمنطقة، والعالم،
أن يتسع الوعي؛ قبل أن تضيق الخيارات،
وتتحول القرارات من اختيار… إلى اضطرار.