عقول مستأجرة

news image

كتب: عبدالله العميره

لم تعد الحروب اليوم تُخاض بالسلاح فقط..
بل تُخاض بعقولٍ لم تعد تملك نفسها.

هناك فئة من البشر لا تفكر..
بل يُفكَّر بها.

لا تُحلل..
بل تُعاد برمجتها.

لا تتخذ موقفًا..
بل تُلقَّن موقفًا، وتدافع عنه وكأنه نابع منها.

نحن لم نعد أمام تضليل إعلامي عابر..
بل أمام ظاهرة أعمق:

إنسان يُستأجر ذهنيًا.

يتبنى فكرة ليست له،
يدافع عن مشروع لا يخدمه،
يُضحي لأجل سردية لا يفهمها،
ويظن—بصدق—أنه حر.

هنا لم يعد الصراع على الأرض فقط..
بل على ما هو أخطر:

من يملك العقل؟

في الماضي، كان الاحتلال يعني السيطرة على الأرض،
ثم الموارد،
ثم القرار السياسي.

أما اليوم، فأخطر أشكاله هو:

احتلال العقل.

والمفارقة؟

أن صاحب هذا العقل..
قد يدافع عن محتله.

الخرافة لم تعد فكرة هامشية،
بل أصبحت—في بعض البيئات—نظام تشغيل كامل.

والسرديات لم تعد مجرد تفسير..
بل تحولت إلى بنية ذهنية مغلقة،
تعيد إنتاج نفسها، وتمنع صاحبها من الخروج منها.

في هذا العالم، لا يُطلب من الإنسان أن يفهم..
بل أن يؤمن.

ولا أن يناقش..
بل أن يكرر.

ولا أن يرى..
بل أن يرى ما يُسمح له أن يراه.

وهنا تبدأ أخطر مراحل الانفصال:

حين لا يعود العقل أداة بحث..
بل أداة تبرير.

فيخسر؛ ويقول انتصرت.
ينهار.. ويقول تقدمت.
يُستنزف.. ويقول أنا صاحب قضية.

وهنا لا تكون المشكلة في الواقع..
بل في طريقة قراءته.

هذه ليست فرضية نظرية،
ففي أكثر من ساحة رأينا جماعات تدافع عن سياسات تُفقرها، وتبرّر قرارات تُضعفها، وتحتفي بخساراتها وكأنها انتصارات.

هذا التحول لا يحدث فجأة..
بل عبر تراكم طويل من التلقين،
والخوف،
وتقديس السردية،
وإلغاء السؤال.

حتى يصل الإنسان إلى لحظة..
يصبح فيها الشك خيانة،
والتفكير خطرًا،
والحقيقة عبئًا لا يُحتمل.

وهنا.. يفقد العقل ملكيته.

لا يعود لصاحبه..
بل لمن شكّله.

وليس هذا النمط واحدًا..
بل يتخذ صورتين:

عقول تُؤجَّر لتصنع الرواية وتنقلها،
وأخرى تُؤجَّر لتستقبلها وتدافع عنها.

الأولى تدير الخطاب..
والثانية تمنحه الحياة.

وبينهما..
تُصنع دائرة مغلقة،
يُعاد فيها إنتاج الفكرة..
دون أن تمر على العقل.

ولهذا لا تكفي المواجهة بالسلاح وحده..
ولا بإسقاط أدوات الخطاب فقط..

بل تبدأ المواجهة الحقيقية من هنا:

إعادة بناء العقل.

إعادة الاعتبار للسؤال،
وللنقد،
وللقدرة على التمييز بين الحقيقة والوهم.

لأن أخطر ما يمكن أن يحدث للإنسان..
ليس أن يُخدع،

بل أن يُخدع ؛ ثم يدافع  عن خداعه.
 

أخطر أنواع العبودية 
أن تظن أنك حر،
وأنت مجرد صوت داخل رأسك.. ليس لك.