خارج العقل

news image


كتب: عبدالله العميره

ليست كل الحروب تُدار بالعقل.

بعض الحروب تُدار بالخوف،
وبعضها بالمصالح،
وبعضها بالغطرسة،
لكن أخطرها جميعًا تلك التي تُدار بالخرافة.

حين تدخل الخرافة إلى الميدان، لا تعود الحرب مجرد صراع على أرض أو نفوذ أو حدود، بل تتحول إلى حفلة موت مفتوحة، يختلط فيها الوهم بالعقيدة، والسياسة بالأسطورة، والخراب بالانتظار المرضي لخلاصٍ غيبي موهوم.

هناك عقول لا ترى الركام هزيمة، بل تراه تمهيدًا.
ولا تقرأ الخراب ككارثة، بل كعلامة اقتراب.
ولا تنظر إلى الدم بوصفه ثمنًا فادحًا، بل بوصفه ممرًا نحو نبوءة مشتهاة.

هنا نخرج من السياسة .. وندخل إلى ما هو أخطر منها:
إلى منطقة خارج العقل.

ما جرى ويجري في لبنان، وما صنعه حزب الله في دفع البلاد نحو الحافة، ليس مجرد خطأ في التقدير، ولا مجرد مغامرة عسكرية، بل هو في أحد وجوهه تعبير عن بنية ذهنية مأزومة، لا تتعامل مع الواقع كما هو، بل كما تتخيله في سردابٍ طويل من الغيب والتأويل والانتظار.

عقول من هذا النوع لا تقف عند حدود الحسابات العسكرية المعروفة، ولا عند منطق الدولة، ولا عند مصلحة الشعوب، ولا عند معنى العمران والاستقرار.
إنها عقول مشدودة إلى سردية تعتبر الفوضى تمهيدًا، والدمار بشارة، والانهيار محطة لازمة في الطريق إلى “الظهور”.

وحين يصبح الخراب جزءًا من الخيال الخلاصي، تتعطل أبسط وظائف العقل.

عندها لا يعود السؤال: كيف نمنع الحرب؟
بل: كيف نقنع من يرى الحرب طريقًا إلى المعنى؟

هذه هي المعضلة.

فالعسكري الذي يواجه ميليشيا مؤدلجة قد يحسب عدد الصواريخ، ومخازن السلاح، ومسارات الإمداد، ومراكز القيادة.
أما الذي لا يُحسب جيدًا دائمًا، فهو ذلك المخزون الأسطوري الذي يُغذي المقاتل، ويجعله قادرًا على تفسير كل ضربة على أنها خطوة إلى الأمام، لا إلى الخلف.

بعض الأنظمة، وبعض الميليشيات، لا تعيش فقط على القوة المسلحة، بل على إدارة الوهم.
تبني أتباعها على رواية كبرى، ثم تحاصرهم داخلها، حتى يصبح الشك خيانة، والمراجعة ضعفًا، والواقع نفسه مجرد تفصيل ثانوي أمام “الحكاية الكبرى”.

ومن هنا نفهم كيف يمكن لعقلٍ منهك أن يرى الخراب انتصارًا،
ويرى التراجع بطولة،
ويرى فقدان الدولة حفاظًا على “المشروع”،
ويرى خراب الأوطان ثمنًا مقبولًا لبقاء الخرافة حيّة.

هذه ليست قراءة عسكرية فقط.
إنها قراءة نفسية، اجتماعية، وفكرية.

الخرافة حين تتحول إلى سلطة، لا تكتفي بتخريب السياسة؛
إنها تعطب الإنسان نفسه.

تجعله قابلًا للعيش في التناقض:
يخسر ويقول انتصرت،
ينهار ويقول تقدمت،
يُستغل ويقول أنا صاحب قضية،
ويُقاد كالقطيع ثم يظن أنه يتحرك بإرادته.

وهنا تكمن درجة  الاستغلال لدى الأنظمة المؤدلجة:
فهي لا تريد من الأتباع أن يفهموا، بل أن يؤمنوا.
ولا تريد منهم أن يناقشوا، بل أن يرددوا.
ولا تريد منهم عقلًا ناقدًا، بل وجدانًا معبأ، وعينًا لا ترى إلا ما يُراد لها أن ترى.

لهذا لا يكفي في مواجهة هذا النوع من المشاريع إسقاط مواقع، أو تدمير منصات، أو تصفية أذرع.
المعركة الأعمق ليست فقط مع السلاح .. بل مع البنية الذهنية التي تُنتج هذا السلاح، وتمنحه شرعيته العاطفية والرمزية.

إنها معركة تحرير العقل من الأسر.

والأخطر أن كثيرًا من المتابعين خارج هذا العالم لا يفهمون طبيعة هذا المأزق.
بعضهم لا يزال يختصر المشهد في صراع سياسي عادي،
وبعضهم يظنه مجرد خلاف جيوسياسي بين دول،
وبعضهم ما زال أسير تصورات قديمة عن عداوة بين أديان، بينما المشكلة في جوهرها ليست في الدين الحق، بل في اختطافه، وتشويهه، وتحويله إلى منصة لتسويق الخرافة وتبرير الهيمنة.

الأديان في جوهرها دعوة إلى الهداية والرحمة والكرامة.
لكن حين ينسحب الدين الصحيح، ويتقدم الدجل، تتحول القداسة إلى أداة تعبئة، ويتحول الرمز إلى سوط، ويتحول الإنسان من كائن عاقل إلى مشروع تابع.

وهذا ما يجعل الخطر الإيراني، في أحد أبعاده العميقة، ليس خطر دولة فقط، بل خطر منظومة تزييف استطاعت أن تلبس ثوب الدين، بينما هي في حقيقتها أبعد ما تكون عن جوهره، وعن مقاصده، وعن أخلاقه.

ليست المشكلة في الإيمان بالله،
بل في الاستثمار في الغيب ضد العقل.
ليست المشكلة في انتظار الفرج،
بل في صناعة ثقافة تتغذى على الخراب كي تبرر انتظارها.
وليست المشكلة في الانتماء المذهبي بوصفه تنوعًا تاريخيًا،
بل في تحويله إلى ماكينة تعبئة، وإلى مشروع فوق الدولة، وفوق الإنسان، وفوق الوطن.

وحين تبلغ المجتمعات هذه المرحلة، فإنها لا تحتاج فقط إلى مصالحة سياسية، بل إلى إنقاذ حضاري.

إنقاذ يعيد الاعتبار للعقل،
وللعلم،
ولفكرة الدولة،
وللقدرة على التفريق بين الإيمان والخرافة،
وبين القداسة والشعوذة،
وبين المقاومة الحقيقية، ومقاومةٍ مزيفة لا تُنتج إلا المقابر والأنقاض.

السؤال إذًا ليس فقط: متى تنتهي الحرب؟
بل: متى ينتهي العصر الذي يجعل الخرافة قادرة على إنتاج الحرب؟

الحروب قد تتوقف باتفاق،
وقد تخمد بردع،
وقد تُجمَّد بتوازنات دولية،
لكن السلام الحقيقي لا يبدأ إلا حين تسقط الهالة عن الوهم،
وحين يدرك الناس أن السراديب لا تُخرج خلاصًا،
وأن القبور لا تبني أوطانًا،
وأن الأساطير لا تصنع حضارة،
وأن من يربّي أتباعه على تعليق العقل، لا يقودهم إلى النصر، بل إلى العدم.

نعم، هذه مرحلة سوداء.
لكنها، على سوادها، ليست أبدية.

فكل مشروع يبنى ضد الفطرة،
وضد العقل،
وضد سنن العمران،
مصيره في النهاية إلى التآكل.

قد يطول الخراب،
وقد يشتد العمى،
وقد تتأخر اليقظة،
لكن الحقيقة لا تموت.

وسيأتي يوم تُفتح فيه النوافذ،
لا السراديب.
وتعود فيه الشعوب إلى السؤال الصحيح:
كيف نبني؟
لا كيف ننتظر؟
كيف نُحيي الإنسان؟
لا كيف نُقنعه بأن الخراب قدرٌ مقدس؟
كيف نصنع سلامًا يحمي العقل والكرامة؟
لا هدنةً مؤقتة تترك الخرافة تعمل تحت الأرض؟

عندها فقط..
لن تكون المعركة قد انتهت عسكريًا فحسب،
بل انتهت إنسانيًا أيضًا.

ذلك هو الفارق بين من يريد النصر للحياة،
ومن يريد الخراب ليقول إن نبوءته اقتربت.

الخطر الحقيقي ليس في السلاح وحده،
بل في العقل الذي يتصالح مع الخراب..
ثم يسميه وعدًا.

 

حضارة زائفة

ليست الحضارة أن تستدعي التاريخ
بل أن تصنع الحاضر.

وليست القيمة في أن تقول: “كنا”
بل أن تقف بثقة وتقول: “نحن الآن”.

فالحضارة لا تُورث؛ بل تُمارس،
والحضارة الحقيقية هي التي تصقل العقول، وتُسهم في بناء الحاضر.
ولا تُحفظ في الكتب، بل تُثبت في السلوك،
ولا تُقاس بعمرها، بل بقدرتها على إنتاج إنسانٍ عاقلٍ، حرٍّ، ومسؤول.

كُنِ ابْنَ مَنْ شِئْتَ وَاكْتَسِبْ أَدَبَاً … يُغْنِيكَ مَحْمُودُهُ عَنِ النَّسَبِ
إِنَّ الفَتَى مَنْ يَقُولُ هَا أَنَـذَا … لَيْسَ الفَتَى مَنْ يَقُولُ كَانَ أَبِـي

وحين يعجز الحاضر
يتضخم الماضي.

وحين يغيب العقل
تحضر الخرافة.

وهنا تنكشف الحقيقة القاسية:

معظم الشعوب التي تركن إلى الماضي السحيق لتُقنع نفسها أنها الوحيدة صاحبة الحضارة على الأرض،
هي ذاتها التي ينتشر فيها اليوم السحر، والشعوذة، والخرافة، والتخلف.

وتتصدر إيران اليوم هذا المشهد، ومعها دوائر أصغر تأثرت بخطابها ووقعت في فلكه.
ولم تعد المشكلة في الواقع وحده… بل في طريقة رؤيته وتفسيره.
وحين يصل العقل إلى هذه المرحلة من الانفصال، فإنه لا يحتاج إلى صدمة عابرة..
بل إلى فتحٍ جديد، يُعيده إلى طبيعته، ويستعيد صفاءه بعد أن غطّته طبقات الوهم.