الهدنة التي لا تُشبه السلام

news image

كتب: عبدالله العميره

في السياسة، ليست كل الكلمات تُقال كما تُفهم،
ولا كل “الهدن” تُعقد لتُحترم.

تغريدة ترامب الأخيرة ليست إعلان سلام،
بل أراها إعادة توزيع للصمت، يسبق عاصفة أقوى،
أو صمتًا يُراد له أن يُقرأ كانتصار للقوة.

حين يقول إن “كل شيء تحت السيطرة”،
فهو لا يصف الواقع،
بل يعيد تشكيله بذكاء، يحترم فيه ذكاء المتلقي بمختلف فئاته.

في الجانب الآخر… إيران تعتقد أن الهدنة انتصار، وتتغنى به،
وهذا مفهوم.

فالأنظمة التي تقاتل طويلًا، وتتعرض لضربات موجعة، تحتاج إلى نهاية يمكن تسويقها، حتى لو لم تكن حقيقية.

وهو مشهد يعيد إلى الذاكرة لحظات عربية سابقة،
حين كان الصوت الأعلى للمهزوم،
يُغطي على الانكسار،
بشعارات الانتصار الفارغة.

اللافت في هذه اللحظة…

أن واشنطن، رغم ما حققته ميدانيًا،
لم تعلن الانتصار.

لم تقل: انتهت المعركة،
ولم تقدم المشهد كحسم نهائي.

بل تركت الباب مفتوحًا…
على جريحٍ ينزف،
دون أن تُنهيه،
ودون أن تسمح له بالتعافي الكامل.

في قراءة كهذه،
لا يبدو ما حدث نهاية،
بل إدارة دقيقة لمرحلة ما بعد الضربة،
حيث تُترك المساحة بين الحياة والانهيار…
كأداة ضغط مستمرة.

لم تقل: انتهت الحرب،
ولم تقل: حققنا الهدف.

وهذا الصمت ليس ضعفًا،
بل ثقة في أن القصة لم تُكتب بعد.

في المقابل،
تأتي التلميحات الأميركية والإسرائيلية بوضوح حاد:

لم ننتهِ.

وهذه الجملة، وإن لم تُكتب حرفيًا،
تُقال في كل تفصيل:

في استثناء لبنان،
في استمرار الأهداف،
في بقاء القوة على أهبة الاستعداد.

وسط هذا المشهد،
تتحرك سلطنة عمان،
لا كطرف محايد بالكامل، بل كنظام يحاول الإمساك بخيط العلاقة مع إيران، دون أن يقطع امتداداته مع بقية الخليج.

دبلوماسية تبدو هادئة في ظاهرها،
لكنها في جوهرها مناورة محسوبة،
تُدار على مبدأ إبقاء القنوات مفتوحة، مهما كان اتجاه الريح.

هذا ليس تعبيرًا عن حكمة مجردة،
بقدر ما هو سلوك سياسي قائم على إظهار التوازن، مع احتفاظٍ بما لا يُقال،
لكن ما لا يُقال… مكشوف.

أما الإمارات…
فحديث “الانتصار” يبدو أقرب إلى محاولة تموضع داخل المشهد،
وليس توصيفًا دقيقًا لما جرى.

قراءة تحاول أن تسبق النتيجة،
أو على الأقل أن تكون جزءًا منها.

وفي الطرف الأكثر هدوءًا…
تقف السعودية.

لا تتحدث عن انتصار،
وإن كانت ملامحه تتشكل…
فالتوقيت لم يحن بعد.

صمت حكيم وقوي، محسوب بدقة،
ليس غيابًا… بل حضور بلا ضجيج.

الصمت هنا لا يعني الحياد،
بل يعني أن الصورة لم تكتمل بعد،
وأن التسرع في الحكم قد يكون خطأ استراتيجيًا.

عندما تصمت السعودية؛ فإنها لا تُضمر شرًا،
وعندما تتحدث، فإنها تعني ما تقول.

بعد وضوح الرؤية، ومع الحاجة إلى طرح موقف سياسي عميق ومحدد الهدف،
جاء البيان السعودي ليؤكد تثمين الجهود التي بذلها رئيس وزراء باكستان، ودور الأطراف المعنية في الوصول إلى وقف إطلاق النار،
مع التعبير عن الأمل في أن يشكل هذا التوقف فرصة لتهدئة شاملة ومستدامة،
توقف الاعتداءات،
وتضع حدًا لأي سياسات تمس سيادة دول المنطقة وأمنها.

هذا الجزء من البيان يحمل وضوحًا لافتًا،
ويعكس مقاربة لا تنشغل بوصف ما حدث… بقدر ما تركز على ما يجب أن يحدث.

لكن السؤال يبقى:

هل سيلتزم النظام الإيراني بهذه الهدنة وأهدافها؟

الشك هنا ليس موقفًا انفعاليًا،
بل قراءة مبنية على تجارب متكررة،
حيث ظل السلوك الإيراني يتأرجح بين ما يُعلن… وما يُمارس.

لا تُبنى الثقة على التصريحات المتعلقة بالهدنة أو مسار الحرب،
بل على الأفعال على الأرض.

وأسبوعان كفيلان بكشف الحقيقة.

السؤال الأهم:

هل يمكن أن ينتهي هذا العبث هنا؟

التاريخ يقول: لا.

لأن ما يحدث ليس صراعًا على حدث،
بل صراع على إعادة تشكيل المنطقة.

والهدنة ليست إلا
فاصلًا قصيرًا بين جملتين طويلتين.

أسبوعان؟

في الحروب الكبرى…
الأسبوعان لا يُقاسان بالزمن،
بل بما يحدث خلالهما.

إما أن تتحول إلى تفاوض حقيقي ينهي الأزمة من أساسها، ويقضي على العبث من جذوره،
أو تصبح مجرد استراحة لإعادة التموضع.

زيارة رئيس وزراء بريطانيا للخليج
لا يمكن قراءتها بمعزل عن هذا السياق.

هل هي محاولة للاستفادة؟
نعم.

هل هي استعراض؟
ربما.

لكن الأهم:
أنها تعكس حقيقة أن هناك من يرى في الفوضى… فرصة،
وبريطانيا بسياساتها المعروفة مثال يُحتذى لدى بعض الدول.

أعود إلى ترامب…

ماذا يريد؟

من الواضح أنه يريد أن يربح اللحظة.

لا يهم إن كانت نهاية الحرب،
بقدر ما يهم أن تكون نهايته هو أفضل سياسيًا.

يريد اتفاقًا يمكن تسويقه،
أو ضربة يمكن تبريرها،
وفي الحالتين…
يريد أن يظهر كصانع القرار.

أما إيران…

فهي بين غطرسة الخطاب،
وتخبط الواقع.

تبدو قوية في التصريحات،
لكن في الأفعال… شيء مختلف،
لا تناغم ولا توافق بين التصريحات والأفعال.

وهذا التناقض…
هو أخطر ما في المشهد… لكنه خطر مسيطر عليه.

إسرائيل تمضي في هدفها دون إعلان كامل،
عمان تتحرك بهمس مسموع ومفهوم،
الإمارات تبحث عن موقع،
الخليج يراقب،
والعالم يعيد حساباته.

الصين وروسيا؟

لا تبحثان عن حرب،
ولا عن سلام.

بل عن موقع أفضل بعد كل ذلك.

المشكلة ليست في الحدث…
بل في كيفية قراءته.

الإعلام اليوم لا ينقل ما يحدث فقط،
بل يخلق “نسخة” من الحقيقة.

وهنا يكمن التحدي:

هل نقرأ التصريحات… أم نقرأ ما خلفها؟
هل نصدق الانتصارات… أم نبحث عن كلفتها؟

في زمن كهذا…
الخبر ليس ما قيل،
بل ما لم يُقل.

هذه ليست هدنة.

هذه لحظة اختبار.

اختبار للنوايا،
وللقدرة،
وللأعصاب.

قبل أن يهدأ المشهد…
تتحدد ملامح ما بعده.

قراءة في تردد ترامب، وكثرة تصريحاته
ما يحدث من الرئيس الأمريكي  يستحق الفحص..
ما يبدو ترددًا في خطاب ترامب،
ليس ترددًا بقدر ما هو إدارة ضغط.

تصعيد يتبعه تراجع،
ومساحة مفتوحة بين التهديد والتفاوض.
ووعيد يُفتح بعده باب تفاوض
لكن القوة تبقى حاضرة في الخلفية.

المشكلة ليست في هذا الأسلوب،
بل في كيفية قراءته.

في العقل الإيراني،
كثرة التصريحات وتبدّلها لا تُفهم كتكتيك،
بل كإشارة إلى أن القرار لم يُحسم بعد.

وهنا تكمن الخطورة:

ما يراه ترامب مرونة،
قد يراه الإيراني فرصة للاختبار.

وفي مثل هذه اللحظات
لا تُقاس الجدية بما يُقال،
بل بما يحدث فجأة.

 

 قراءة استباقية نشرتها وكالة بث ( BETH) يوم أمس