ذكاء بلا وعي

كتب: عبدالله العميره
في الوقت الذي تُعاد فيه صياغة الإعلام عالميًا على إيقاع الذكاء الاصطناعي،
ينتشر خطاب دعوة لمؤتمر يحمل اسمه؛ويغيب عنه جوهره.
نصٌّ طويل يدعو للحضور والتغطية،
يعدّد الأسماء، ويرتب المقاعد،
لكنّه لا يجيب على السؤال الوحيد الذي يهم:
ماذا سيحدث فعلًا في هذا المؤتمر؟
ماذا يريدون؟ قراءة سريعة للخطاب
من خلال الخطاب، يمكن استخلاص الهدف الحقيقي؛ ولو بين السطور:
حضور وتغطية إعلامية واسعة فقط
إظهار الحراك لا صناعة الأثر
تنظيم الحدث أكثر من إنتاج المعرفة
الخطاب يركّز على:
دعوة الإعلام؛ تسهيل التغطية؛ حشد المشاركين
ولا يقدّم:
مشكلة محددة
سؤالًا بحثيًا واضحًا
مخرجات قابلة للقياس
بمعنى أدق:
الحدث حاضر؛ لكن الفكرة غائبة.
مشكلة التسمية .. قبل المضمون
الفرق بين المؤتمر، والمنتدى، واللقاء..
ليس شكليًا كما يُظن،
بل يعكس درجة الفهم.. ووضوح الغاية.
وحين تغيب المعرفة بهذا الفرق،
تختلط المفاهيم..
وتتضح محدودية الإدراك.
ليس كل لقاءٍ “مؤتمرًا”.
المؤتمر الحقيقي:
يقدّم أوراقًا علمية
يطرح إشكاليات محددة
يخرج بتوصيات قابلة للتطبيق
أما حين يغيب ذلك،
فنحن أقرب إلى منتدى علاقات عامة..
أو لقاء تعريفي موسّع.
التسمية هنا ليست تفصيلًا..
بل مؤشر على فهم المنهج.
الذكاء الاصطناعي.. ليس شعارًا
السؤال ليس: هل نتحدث عن AI؟
بل: هل نستخدمه؟
الذكاء الاصطناعي في الإعلام اليوم يعني:
بناء غرف أخبار مدعومة بالبيانات
إنتاج محتوى سريع قابل للقياس
تحليل الجمهور لحظيًا
كشف التضليل وتتبّع الروايات
تحويل القرار التحريري من “تقدير” إلى “نموذج”
وأهم من ذلك.. كيف يُستخدم فعليًا؟
تحليل المزاج العام لحظيًا عبر المنصات
التنبؤ بالاتجاهات قبل أن تصبح خبرًا
تخصيص المحتوى لكل شريحة جمهور
أتمتة الأخبار الروتينية (الاقتصاد، الرياضة، البيانات)
بناء أنظمة توصية تزيد الوصول والتأثير
كشف الحملات المنظمة والتضليل قبل انتشارها
تحويل النص إلى فيديو وصوت وصور خلال دقائق
إدارة الأرشيف الإعلامي وتحويله إلى معرفة قابلة للاستدعاء
اختبار العناوين والمحتوى قبل النشر لمعرفة تأثيرها
وهذا لا يتحقق بخطابات
بل بـ تجارب حقيقية .. ونتائج قابلة للقياس.
الذكاء الاصطناعي لا ينتظر من يتحدث عنه
بل يعمل مع من يفهمه.وهذا لا يتحقق بخطابات…
بل بتجارب حقيقية؛ ونتائج قابلة للقياس.والسؤال الأهم هنا:
من يستطيع أن يقرّر ؛ وينفّذ كل ذلك وأكثر؟الإجابة:
من يملك الفهم والمعرفة.. ويُثبتها بالتجربة التطبيقية. .
بعبارةٍ أخرى:
إعلامنا بحاجة إلى خبراتٍ متقدمة،
وإلى شبابٍ واعٍ متعلّم، يجيد التعامل مع التقنية،
ويمتلك وضوحًا في الإجابة عن سؤال: ماذا نريد من الإعلام؟
وذلك وسط أمواجٍ متسارعة…
من إعلامٍ عالميٍّ متطوّر.
أين الخلل؟
حين يتحول الذكاء الاصطناعي إلى عنوان:
نرفع الشعار..
ولا نغيّر غرفة أخبار واحدة.
نستضيف متحدثين..
ولا نبني نموذجًا واحدًا يعمل.
نناقش “الفرص والتحديات”..
ولا نُظهر كيف تُطبّق.
هنا يصبح “الذكاء”..
بروباغندا بلا معرفة.
كيف يكون المؤتمر فعلًا؟ (الدرس)
المؤتمر الحقيقي في هذا المجال يجب أن يجيب عن ثلاثة أشياء:
ما المشكلة؟
تضليل؟ بطء الإنتاج؟ ضعف الوصول؟
ما الحل التطبيقي؟
أدوات، نماذج، منصات تُعرض حيًا—لا نظريًا.
ما النتيجة؟
مؤشرات أداء: سرعة، دقة، تأثير.
كيف يُنظَّم؟
جلسات قصيرة.. مركّزة
ورش تطبيقية تُنتج نماذج حقيقية
فرق عمل مختلطة: صحفي + مهندس بيانات
عرض حالات استخدام من غرف أخبار تعمل فعليًا
مخرجات مُلزمة: دليل تطبيقي، نماذج جاهزة، جدول زمني للتنفيذ
من يحضر؟
ليس كل من يتحدث عن الإعلام..
بل من يعمل فيه ويطوّره:
محررون يقودون غرف أخبار رقمية
مختصو بيانات ومنتجات
شركات تقنية تقدّم أدوات حقيقية
صناع محتوى أثبتوا أثرًا قابلاً للقياس
ما الذي يقدمه الذكاء الاصطناعي للإعلام؟
تسريع الإنتاج دون فقد الجودة
تخصيص المحتوى لكل شريحة
تحليل اتجاهات الرأي العام لحظيًا
بناء أنظمة إنذار مبكر للأخبار المضللة
دعم القرار التحريري بالبيانات
تحويل الأرشيف إلى معرفة قابلة للاستدعاء
الإعلام لا يتطور بالمؤتمرات..
بل بما يخرج منها.
وإن لم يخرج منها شيء..
فهي ضجيج منظم.
القضية ليست أن نعقد مؤتمرًا عن الذكاء الاصطناعي..
بل أن نمتلك الوعي الكافي لعدم استخدامه كستار.
فالذكاء الاصطناعي لا يرفع مستوى الإعلام..
بل يكشف مستوى من يستخدمه.
خاتمة
ستة عقول.. انتهى زمنها،
ولا ينبغي أن تبقى في دائرة التأثير:
عقلٌ يظن أن الضجيج والبروباغندا الفارغة… يمكن أن تُخفي الحاجة إلى التطوير.
وعقلٌ يقف عائقًا أمام من يسعى لرفع الإعلام إلى مستوى الرؤية وما بعدها.
وعقلٌ متشبّث بالماضي .. لا يرى ما يجري في الإعلام العالمي.
وعقلٌ لا يتطوّر.. ولا يملك القدرة على التطوير.
وعقلٌ مسؤول…
يُغَلِّب المجاملة على الكفاءة،
ويخلط بين حفظ الأرزاق.. وحفظ الأداء،
فيُبقي على الضعف.. باسم الرحمة،
ويؤجّل التطوير.. بدافع العلاقات.
وعقلٌ سادس
يختبئ خلف مقولة: “ترزّق.. لا أحد يمنعك”،
وكأن لا أحد مسؤول عن إيقاف الضعف عند حدّه،
فيحوّلها من إيمانٍ مشروع… إلى مبرّرٍ لتعطيل الكفاءة وترك الأداء يهبط بلا مساءلة.
ومن يفكّر بهذه الطريقة
فمكانه سوقٌ يمارس فيه البيع والشراء،
حيث لا يُقاس الأداء..
بل يُحاسَب فقط على الغش في البضاعة.
_______________
الصورة:
عقلٌ يعمل
وعينان تراقبان دون فهم.
ذكاءٌ حاضر
ووعيٌ غائب.