الوعي بلا تأثير
BETH
في خضم التحولات المتسارعة التي تعيشها المنطقة، ومع تصاعد الأزمات والحروب، تتزايد الأصوات التي تحاول قراءة الواقع العربي من زاوية القلق الثقافي والوجودي.
المقال الذي بين أيدينا للكاتب أحمد فرحات، الصادر عن مؤسسة الفكر العربي، بعنوان : ثقافتُنا العربيّة.. إلامَ تَستمرّ في نَبْذِ نفسها؟
ينتمي إلى هذا النمط من الطرح؛ حيث يقدم قراءة نقدية لحالة التراجع والانكفاء التي تعيشها الثقافة العربية، ويطرح تساؤلات عميقة حول الهوية، والدور، والمستقبل.
غير أن مثل هذه الطروحات—على أهميتها—تأتي في لحظة تاريخية مختلفة، لم تعد تكتفي بوصف القلق… بل تتطلب ما هو أبعد من ذلك.
نص المقال:
هل بات على الثقافة العربيّة أن تَستمرّ في الانكفاء والحيدة والتفرُّج الآليّ على المشهد السياسيّ المُتهافت، بداعي استبعادها منه؟!
من زمان وهذه الثقافة مسوَّقة إلى السياسة بتبايُناتِها ومُنعرجاتها.. إخفاقاً وتوازُناً، "تقدُّماً" وتراجُعاً، وإن كانت أحياناً تشذّ عن المألوف لتَرسِمَ لنفسِها مَساراً مُستقلّاً، لكنّه في الأحوال كلّها يَظلّ بعيداً عمّا تَشتهيه هي في بيان أسئلتِها أو طموحاتِها المُضمَرة.
ومع ذلك، وللحقّ نقول، ظَلّت مواقف بعض المثقّفين العرب وأطروحاتهم مُميَّزة جدّاً وضارِبة جدّاً في اتّجاه تعيين الحقائق ونقْد الترهُّل وحال التسليم بلا ثمن، وخصوصاً تجاه ما يُرسم من مشاريع جيوبوليتيكيّة انقلابيّة للمنطقة تؤدّي في المقام الأوّل والأخير إلى تسييد الآخرين عليها.. ولكنْ بَعد ماذا؟ بَعد تدمير مفهوم الأمّة وسحْب مقوّمات وجودها وإمكانيّة نهوضها في المَديَيْن القريب والبعيد.
لتَتراجع السياسة كما يحلو لها.. لتتقدَّم.. لتُراوِغ.. لتَستسلِم.. لترَ ما تراه، ولتقُل ما تقوله، ولكنْ ليس على حساب مَن نحن؟ ومَن نكون في التاريخ.. إنساناً وحضارة؟
القبول بالأمر الواقع وفهْم المُستجدّات الجديدة والطارئة بتلاحُق، لا يُترجَم في المقابل بسقوط الهويّة والتهيّؤ للقبول بِما يُطرَح كبديلٍ منها.. إنّ ما سُمّي بالمشروع الشرق أوسطيّ الجديد، سيكون بالتأكيد على حساب هويّة المنطقة وتاريخها ومعناها الراسخ في هذا التاريخ.
حتّى لو وصلتِ الخلافاتُ السياسيّة العربيّة - العربيّة إلى ذروتِها من التمنُّع واللّاعودة.. حتّى لو ابتُلينا بمزيدٍ من الحروب الأهليّة العربيّة المُزمِنة، وارتفعتِ الأسوارُ في ما بيننا عَرباً إلى السماء، فلا يَعني هذا أنّنا صرنا قَوماً آخرين أو أناساً يَنتمون إلى ثقافةٍ أخرى.. أو حضارةٍ، أو أمّةٍ أخرى.. سنَظلّ عَرباً، وستَظلّ شعوبُ الأُمم الأخرى تُعامِلنا كعرب.
المطلوب من ثقافتنا العربيّة الآن ألّا تَستمرّ في مُراقَبة المَشهد والتفرُّج السلبيّ عليه، خَوفاً أو تردُّداً. إنّ على هذه الثقافة أن تتحرّر من الضيق الذي يُكبّلها، ولا يكون ذلك إلّا بالتفتيش عن نقاطٍ مُضيئة تَدفعنا، ولو واهِمين، إلى أمام. والوهْم هنا يعني مُداناة الواقع الميؤوس منه بعقلانيّةٍ مُضاعَفة.. عقلانيّة تَستمدّ مقوّماتِها من استهداء العقل بتاريخه وإمكان التجاوُز خلاله حاضراً ومُستقبلاً.
إنّنا نحتاج إلى التحصّن بثقافةٍ واقعيّة تُناهِض "الواقعيّة الجديدة" تلك التي تُفرض فَرضاً علينا.. واقعيّة قوامها العقل المُتحقّق الذي يَقرأ المُعقّد في البسيط والبسيط في المُعقّد، ويقول قوانين الأشياء في مناسباتِها الواقعة. إنّنا نحتاج إلى نقْلِ عقلنا الحائر من منطقة السؤال: لماذا؟ إلى منطقة السؤال: لِمَ لا؟
وإن كان ثمّة متّسع لذكْرِ مُلاحظةٍ في هذا الإطار، فهي أنّه ينبغي أن نَجترح فينا تلكم القدرة على ابتكار البراعة الوقائيّة.. البراعة التي تُجنِّبنا التنازُل الجوهري عن حقوقنا في التاريخ والسيرورة، وتَجعلنا أكثر قدرةً على استخلاص النتائج من فصل الانجرار إلى "أسطورة الأمر الواقع الجديد" والتسليم المُطلَق برسْمِ مصيرنا سلبيّاً أمام أعيُننا.
الحريّ بنا ألّا نَستسلم للنضوب جرّاء النضوب عيْنه في المَسار والرؤية والهدف.
مَطلبنا من الثقافة ألّا تَسمح بالمزيد من نبْذ نفسها... فإلامَ، يا ترى، ستظلّ ثقافتُنا العربيّة هكذا مُستمرّة في نَبْذِ نفسها؟ إنّنا لا نُريد أن نَقع في ورطةٍ أشقّ من تلك التي نحن فيها. إنّ عمليّة توالي الانطفاءات مسألةٌ تملي علينا ألّا نظلّ في حالٍ هاربة، فازِعة حتّى من نفسها.
باتت مسألةُ الحفاظ على العقل باعتباره مَلَكة عارفة، من الضرورات الملحّة والحاسِمة هذه الأيّام.. العقل السليم فينا.. العقل الذي يَقرأ المُتباينات والمُتغيّرات.. العقل الذي يُحلِّل ما يَدور خَلف الكواليس وأمامها.. إنّه هو الذي يُترجِم بقاءنا على قَيد الحياة وقدرتنا على رسْم المُواجهات والتحدّيات على اختلافها.
الهزيمة ليست عَيباً.. الهزيمة فيها من الدراميّة والموقف النبيل ما يَجعلنا نُراجع أنفسَنا أكثر.. إنّها إنشاءٌ وتركيبٌ ونَظَرٌ ومفاضَلة مع ما كنّاه، وما نحن فيه، وما سنكون عليه. إنّنا سنَظلّ ومن قلب حال النقد والتسليم بالوقائع الجديدة على ثابت الإيمان بالعروبة الحضاريّة الجامِعة؛ فهي وحدها هويّتنا الثقافيّة المُنفتحة على كلّ الجهات والتيّارات الحرّة المسؤولة والعاصمة لنا استطراداً من التشرذُم والتفتُّت.
هذا لا يحول في المقابل دون الاعتراف بالخصوصيّات داخل الأوضاع القُطريّة العربيّة على تعدُّدها، لكنّها خصوصيّات تظلّ بمثابة لوينات تُعزِّز غنى المشهد العربيّ الواحد أو الهويّة الثقافيّة العربيّة الواحدة.
ثقافتنا العربيّة راسخة، كبرى ولا شكّ؛ إنّها تستطيع أن تَصمد وتُنافِس في عالَم اليوم، شريطة أن تَكتسب فعلاً رهانَ التحديث المفتوح والجدّي من أوسع أبوابه.
لكن مَن الذي يَدفع بثقافتِنا العظيمة العريقة لتَتجدَّد وتُضيف وتَكسب بالتالي رهانَ التحديث الواثق والضارب؟
هذا هو السؤال المطروح منذ زمن محمّد علي باشا في مصر وحتّى الآن.. وبالإجابة العمليّة وغَير الفرديّة عن هذا السؤال، نَبدأ فعلاً لا تنظيراً إذاً، من قلب متواليات معركة المُشارَكة الفاعلة في المصير العالَمي اليوم. وفي خضمّ هذه المعركة الكبرى، يُفترض أن نكون، نحن أيضاً، في قمّة الإخلاص لإبداعنا الذهبيّ السابق، وفي ذروة المُحافَظة عليه، ومعرفته معرفةً مُتجدّدة في الصميم، واحترامه.. وبالتالي الإضافة عليه لا استنساخه.
مقطع القول، إنّ وراء كلّ تقدّمٍ حقيقيّ مُحاكَمة عقليّة حقيقيّة شاملة، ونقد صميمي لكلّ ما قمنا ونقوم به حتّى اللّحظة.
على الرّغم من الصورة الأدْكن اليوم، وفي المدى المنظور كذلك.. على مثقّفنا الحقيقيّ أن يظلّ يومِض، ومن غير تردُّد، بالأصدق من جوارح الكلام وصواعقه.
لقد تعرّى كلّ شيء.. تماثَلَ كلُّ شيء في مهاد أحواله اليائسة، إلّا الكلمة، فحذار.. حذار أن تترمّد الكلمة.
المثقّف الحقيقي أو المفكّر الحقيقي، ليس مخلوقاً يَرضى بالأشياء كما هي، فالحيرة، ولا شكّ، تُطارده، وأشباح القَلق تَنقضُّ عليه.
من هنا هو يرى دوماً نقائض الحياة تتلاقى وتأتلف أمام ناظرَيْه، ولا تَنفصل من بعدها عن مُعاناته اليوميّة.. وموته اليومي.
وفي زمنٍ سياسيٍّ عالَميّ يَمشي كلّه تقريباً على رأسه، نراه الآن، (أي مُثقّفنا) يَفرض على نفسه نِظاماً قاسياً من الفَهْم المُتعقّل، يَحول بالتالي دون انهياره، وكذلك دون قيامه بمُحاولاتٍ عمليّة، وإنْ مُرتَكِسة في أغلبها، على مستوى ترجمته للأفكار النهضويّة داخل الزمان، وفي المكان.
انطلاقاً من أنّ التوق إلى الكلام لا يُغادِر الأذهان، نقول إنّ ثقافةَ الإنسان، من حيث طبيعتها الذاتيّة والموضوعيّة، لا يُمكن لها أن تَنمو وتتطوّر البتّة، في أجواء من العنف الموصول أو الحروب الطويلة المُعقّدة.
أظنّه كان رائعاً جدّاً، ومُحِقّاً جدّاً جدّاً الذي قال إنّ الحديث عن أفول الغرب ليس نهاية التاريخ، بل هو بداية البحث عن معنىً جديد له، معنى يَتجاوز المركزيّة والهيْمَنة نحو التعدُّد والاعتراف بالآخر.
ميزة الأفكار التي تُعطي زَخَمَ الاستثناء للإنسان، تُلزِمه على الدوام بفحْصِ علاقاته الثقافيّة بغيره، القريب منه والبعيد عنه في آن، وذلك بغية صنْع حياةٍ مُتكافئة له مع نفسه.. واستطراداً مع الآخرين، الأمر الذي يَجعله في المحصّلة (طبعاً في حال اشتغلَ على نفسِه أكثر وأكثر) متفوّقاً ربّما على الجميع، وساعتئذٍ نراه وقد صارَ مؤهَّلاً، لا ليتصدَّرَ موقعَ القيادة الرائدة والمُتجاوزة لشعبِه وأمّتِه فقط، وإنّما للبشريّةِ جمعاء.
بين الفينةِ والأخرى كنتُ أزور الشاعر الصديق جوزيف حرب في بلدته "المعمريّة" المُجاوِرة لبلدتي "عنقون" في قضاء صيدا - جنوب لبنان.. وغالباً ما كان يُردِّد أمامي، رَحمه الله، بأنّه لا وقت كافياً البتّة لأيّ مُشتغِل جدّي بقضايا الفكر والثقافة والإبداع كي يُنجِز ما يُريد إنجازَه، وذلك بداعي قصر العُمر وسرعة جريانه. والمأساة الأكبر بَعد، أنّ هذا المهموم الجدّي بالفكر والثقافة والإبداع، هو نفسه الأكثر معرفة من سائر الناس بأن لا شيء أسْرع من ذهاب العُمر.
وأتذكّر أنّني أَجبته يومَها في فضاء الموضوع عيْنه قائلاً:
طالما أنّنا أُرغمنا يا صديقي على قبول هذه الحياة القصيرة التي تَجبهنا كلّ لحظة بأثقال مخاوف الفناء التي لا تُحتمل، فلْنكن عندها، أيّها الحبيب، كالبحر تماماً، يؤجِّج نفسَه باستمرار، فإذا به هو سؤال البدء وسؤال الختام في آن.
أَطرق صديقي الشاعر جوزيف حرب بعض الشيء إعجاباً وتأمّلاً في "هذا الجواب الرائع"، بحسب تعبيره هو طبعاً، ثمّ قالَ مُتسائلاً:
ولماذا لا نكون أيضاً كالريح يا أحمد، حين تدعونا بذاتها لمُساعدتِها على إفراغ نفسِها من نفسِها.. فتَرتاح هي إذ ذاك، وتريحنا معها بالتأكيد؟!
تحليل BETH
المقال يعبّر بصدق عن حالة قلق ثقافي عربي،
ويقدّم وصفًا دقيقًا لحالة التراجع والانكفاء،
لكنه—في جوهره—ينتمي إلى مدرسة “التشخيص” أكثر من “التحوّل”.
فالكاتب يقرأ الألم…
لكنه لا يقرأ موازين القوة.
يطرح أسئلة الهوية…
لكنه لا يحدد أدوات التأثير.
ينتقد الواقع…
لكنه لا يرسم مسارًا واضحًا لتغييره.
في زمنٍ كانت فيه الثقافة تراقب…
ربما كان هذا الطرح كافيًا.
أما اليوم—وفي ظل تحولات كبرى تعيد تشكيل المنطقة—
فإن الاكتفاء بوصف الأزمة… لم يعد خيارًا.
المشكلة لم تعد في غياب الوعي،
بل في غياب القدرة على تحويل هذا الوعي إلى فعل.
فالعالم لا ينتظر من يصفه…
بل من يعيد تشكيله.
الطرح الثقافي العربي—في كثير من نماذجه—
لا يزال أسير الحنين،
ومترددًا في الانتقال من “لماذا وصلنا إلى هنا؟”
إلى “كيف نخرج من هنا؟”
الخلاصة BETH
الوعي مهم…
لكن الوعي وحده لا يكفي.
في لحظة تتشكل فيها موازين جديدة،
لا يكون التأثير لمن يقرأ المشهد فقط،
بل لمن يملك القدرة على الدخول فيه… وصناعته.
الصورة:
المتكلّس لا يُهزم… بل يتلاشى.
الوعي القديم لم يُخطئ،
لكنه لم يعد كافيًا.
في زمن المتغيرات…
لا ينجو الأكثر صلابة،
بل الأكثر قدرةً على التحوّل.