من يحل الأزمات؟
كتب: عبدالله العميره
في زمن الأزمات الكبرى..
لا يُقاس الحضور بكثرة الظهور،
ولا تُوزن الأدوار بعدد التصريحات.
الأزمات لا تبحث عن أصوات..
بل عن رجال.
في الذاكرة الشعبية،
توجد أمثال تختصر مشاهد معقدة بلقطة ساخرة واحدة.
ومن بين تلك الأمثال العربية،
يأتي تعبير لافت ، وأردت تقديمه بالإنجليزية على النحو التالي:
“When she farted, she gathered her thighs.”
ورغم بساطته..
فهو يحمل توصيفًا سياسيًا بالغ الدقة.
إنه يصف شخصية:
لا تملك وزنًا حقيقيًا ولا قدرة على الفعل،
لكنها تحب التواجد في كل مكان،
وتدخل في كل أزمة .. لا بدافع الحل،
بل بدافع الظهور .. أو اقتناص مكسب إن وُجد.
هذه الشخصية لا تتحرك إلا حين تظن أن الفرصة مضمونة،
أي حين ينخفض الخطر؛ وتتضح النتائج.
لكن المفارقة:
أن دخولها لا يضيف شيئًا..
بل يكشف ضعفها.
بمعنى أبسط:
ليست المشكلة في الدخول..
بل في أن الدخول بلا قدرة ؛ يفضح أكثر مما يُظهر.
هذا النموذج..
لم يعد حكاية شعبية،
بل أصبح نمطًا سياسيًا متكررًا.
نراه في أطراف تحضر في كل أزمة إعلاميًا،
لكنها لا تصنع الحل،
وتتحرك وفق مبدأ:
كيف أكون موجودًا .. لا كيف أكون مؤثرًا.
هناك من يدخل كل أزمة،
يتنقل بين العواصم،
يظهر في الصور،
يبتسم في المؤتمرات،
ويجيد لغة: “نحن قلقون”.. و”نحن نتابع”..
لكنه—في لحظة الحقيقة—
لا يحل؛ ولا يربط.
هذا النوع لا يأتي مبكرًا،
ولا يتقدم الصف،
بل ينتظر..
حتى يهدأ الغبار،
ويُعرف اتجاه الريح،
ثم يدخل..
باحثًا عن موطئ قدم .. لا عن حل.
في المقابل..
هناك من لا يُكثر الكلام،
ولا يطارد الكاميرات،
لكنه حين يتحرك..
تتحرك معه المعادلات.
لا ينتظر اكتمال الصورة،
بل يشارك في رسمها.
لا يبحث عن “نصيب” من الأزمة،
بل عن نهايتها.
وفي هذا العالم..
تتكرر النماذج.
نموذج أوروبي.. إيمانويل ماكرون مثالًا.
يتقن فن الحضور في كل أزمة،
ويظهر في كل ملف،
لكن أثره غالبًا… أقل من صوته.
ليس لأنه لا يريد..
بل لأنه لا يذهب إلى النهاية.
ويشاطره هذا النمطُ الإنجليز..
غير أنهم أكثر حنكة،
وأعمق إدارةً للمصالح.
ونموذج آخر.. يتمثل في دونالد ترامب.
قد لا يُوصف بالشجاعة التقليدية،
لكنه صلب،
حادّ في التفاوض،
ولا يتراجع بسهولة.
يعرف كيف يستخدم القوة..
ويعرف أن خلفه قوةً… وحلفاء.
هذا النموذج لا يُرضي الجميع،
لكنه يفرض نفسه على الطاولة.
وبين هذه النماذج…
تقف بعض الدول،
تحاول أن تكون حاضرة في كل مشهد،
لكنها لم تعد تملك أدوات التأثير كما كانت.
تدخل..
لكنها لا تقود.
تتحدث..
لكنها لا تُسمع.
ليس لأن التاريخ لا يشفع لها..
بل لأن الحاضر لا يُبنى بـالذكريات.
ولأن السياسة ليست سذاجة..
ولا الشهامة غفلة..
يبقى المعنى الأعمق:
لسنا بالخب .. ولا الخب يخدعنا.
فالتعامل الراقي..
لا يعني القبول بالهامش،
والهدوء..
لا يعني غياب القدرة.
الأزمات اليوم لا تُدار بـالبيانات،
ولا تُحل بـالمجاملات،
ولا تُكسب بـالظهور الإعلامي.
الأزمات تُدار بـ:
قرار صعب،
وتحمل تبعات،
وقدرة على الذهاب..حتى النهاية.
في زمن الحرب…
لا مكان لمن يبحث عن “حصة” من الأزمة،
بل لمن يتحمل ثقلها.
القضية ليست: من حضر أكثر…
بل: من غيّر النتيجة.
لقد انتهى زمن البحث عن أدوارٍ واهمة،
وانتهى زمن الحضور الشكلي.
ولكل زمانٍ دولة؛ ورجال.
فالعصور لا تُدار بالشعارات،
بل بالعقول التي تفهم لحظتها،
وتُحسن قراءة واقعها،
وتملك الجرأة على الفعل.
المستقبل ليس لمن يكثر الظهور،
بل لمن يجيد التأثير.
المستقبل لـالتكامل،
ولـتبادل المنافع،
وتُدار فيه المعادلات
بيد الأقوى.. والأذكى.. والأجدر،
والأقدر على صناعة المنفعة للجميع.
من أراد أن يصنع له دورًا مع الأقوياء..
فلا يفعل ذلك بأساليب مكشوفة.
بل بقدرةٍ على حرق أوراقه القديمة،
وفتح صفحاتٍ جديدة…
أكثر ذكاءً، وأكثر قدرة على لتكامل.
هذا لا يعني أن أبواب الأقوياء مغلقة،
بل تُفتح؛ لمن يملك إضافة.
والإضافة لا تُقال؛ بل تُرى،
وأصدق شواهدها: ما صنعت في وطنك.
ليست المشكلة في الدخول..
بل في أن الدخول بلا قدرة… يفضح أكثر مما يُظهر.
__________
الصورة :
ليس كل من يظهر.. حاضر،
وليس كل من يتحرك.. مؤثر.
الثقل الحقيقي لا يحتاج حركة.