فوضى الروايات

news image

كتب: عبدالله العميره

في الأزمات، لا تتسابق الأحداث فقط، بل تتسابق الروايات.

بل ما ينجح في الوصول أولًا، حتى لو كان أقل دقة.

التضارب في الأخبار ليس ظاهرة جديدة، لكن الجديد هو سرعة تضخّمه. في بيئة مضطربة، تتكاثر المعلومات الناقصة، وتتعدد المصادر، وتتباين التسريبات، وهذا كله طبيعي. غير الطبيعي…

أن يتحول الإعلام من ناقل لهذا التضارب إلى صانع له.

بعض الوسائل لم تعد تسأل: هل الخبر صحيح؟ بل: هل هو قابل للبث الآن؟

في الحرب الأمريكية على العراق عام 2003، ظهر اسم ظل عالقًا في الذاكرة: علي عبيد منقاش. مزارع عراقي بسيط، تحوّل فجأة إلى “بطل قومي” بعد تداول رواية تقول إنه أسقط مروحية أمريكية ببندقية صيد قديمة.

كانت الرواية مثالية في عناصرها: بطل شعبي، سلاح بدائي، وإنجاز ضخم. انتشرت بسرعة، وتلقفتها وسائل إعلام، وتحولت إلى قصة تُروى بثقة.

لكن الحقيقة كانت مختلفة. لا منطق عسكري يدعمها، ولا دليل تقني يؤكدها، ولا حتى صاحب الرواية ثبت عليها. ومع سقوط النظام، اختفت القصة، وظهرت الحقيقة. لكن الفكرة لم تختفِ.

اليوم، يتكرر المشهد نفسه بصيغة جديدة. تُروّج رواية تقول إن مزارعًا إيرانيًا أسقط طائرة أمريكية. الزمن تغيّر، لكن القالب لم يتغيّر: بطل بسيط، أداة محدودة، ونتيجة غير منطقية.

الهدف هنا ليس نقل حدث، بل صناعة شعور.

السؤال الذي يفرض نفسه: لماذا يردد بعض الإعلام روايات لا تنسجم مع العقل؟ ولماذا تتحول قصص ضعيفة إلى مواد قابلة للبث والتكرار؟

الأخطر ليس ظهور هذه الروايات، بل كيفية التعامل معها إعلاميًا. تظهر على الشاشات عناوين من نوع:
“غير واضح إن كانت المقاتلة الأمريكية سقطت أو أُسقطت”.

أين الخبر؟

إذا كان السبب غير واضح، فما الذي يجعل هذا عاجلًا؟ ولماذا تتصدر جملة رمادية المشهد، في وقت تتدفق فيه معلومات أكثر عمقًا وتحليلات أوضح؟

هذا ليس نقلًا للخبر، بل ملء فراغ إعلامي بأي محتوى.

ما يحدث ليس تضارب معلومات فقط، بل تضارب في منهجية التعامل مع الخبر. هناك فرق بين إعلام ينقل ما يحدث، وإعلام يبحث عمّا يُبث. في الحالة الأولى يُفهم الخبر، وفي الثانية يُستهلك.

رواية “علي منقاش” لا تموت، بل تعود بأسماء جديدة، لأنها تخدم العاطفة والسرعة وضعف التحقق. لكنها في المقابل تُضعف وعي الجمهور، وتشوّه فهم الواقع.

ليست المشكلة في تضارب الروايات، بل فيمن يمنحها منصة قبل أن يمنحها سؤالًا.

في زمن الأزمات، ليست كل رواية تُروى.. تستحق أن تُصدّق.

الحكاية ليست في الطائرة التي سقطت..
بل في الحرب الدائرة،
وما ستحمله من رواياتٍ متزاحمة،
ين حقيقةٍ تُروى.. وشائعةٍ تُصنع.