نهاية تقليص النووي

news image

 

عرض وتحليل | BETH

 

مقدمة 

بقلم: د. رفيف رضا صيداوي
المصدر: مؤسسة الفكر العربي
عنوان الموضوع من الكاتبة :
نهاية عصر تقليص الأسلحة النوويّة
 

يرصد الكاتبة تحولات النظام الدولي في ظل تصاعد سباق التسلح، مؤكدًا أن العالم يدخل مرحلة جديدة تتجاوز مفهوم الحد من الأسلحة النووية، نحو واقع أكثر تعقيدًا وخطورة.

 

النص الكامل

في فصل "الخيانة.. الثاناتوقراطيّة" من كتابه "هيرميس 3: الترجمة Hermès III, La Traduction"، الصادر في العام 1974، تنبّأ الفيلسوف الفرنسيّ ميشال سير Michel Serres بما يَحدث اليوم. في نصّه هذا تساءَل عمّا ستؤول إليه الأمور لو أنَّ مجنوناً خطيراً وَصَلَ إلى السلطة، وقرَّر في لحظةٍ ما، خلال نوبةٍ من الهَوس الذهانيّ، إشعالَ فتيل كارثة نوويّة؟ وهو الأمر الذي سيفضي حُكماً إلى نهاية العالَم والنَّوع البشريّ. لكنّ ميشال سير، ولأنّ مخزون الأسلحة في العالَم يتجاوَز إلى حدٍّ كبير القدرة على تحقيق هذه الكارثة، أجابَ بأنّ السؤالَ هذا مطروحٌ أساساً بشكلٍ خاطئ.

فالاستراتيجيّات العسكريّة والسباق إلى التسلّح، وبخاصّة على مستوى القوى النوويّة الحراريّة والصواريخ العابرة للقارّات، هي كلّها، في رأيه، مؤشّرات على "أنّنا نعيش في ظلّ وَرَثَة هتلر"، كوننا نَفتقر إلى رئيس دولة يتصرّف بعيداً من "المنطق الثاناتوقراطي" أو "منطق حُكم الموت" thanatocratique، وأواليّات تسخير العِلم من أجل التدمير والموت والهَيْمنة، بدلاً من تسخيره للتطوّر والحياة؛ وبالتالي ثمّة حقيقة بديهيّة واحدة، وهي أنّ المجانين الخطرين موجودون بالفعل في السلطة، لأنّهم هُم الذين صنعوا هذه الإمكانيّة، ولأنّ ذهانهم "ليس نوبةً عابرة"، بل هو "هندسة عقلانيّة"، و"منطق بلا شوائب"، و"جدليّة صارمة". لذا، وفي عصر ما بعد قنبلة هيروشيما، العصر الذي سمّاه العصر الثالث الجديد، سيكون تحكُّم التقنيّة بالطبيعة شاملاً للعالَم كلّه، وذا أبعادٍ كونيّة.

في سياق ما نشهده اليوم من قوّة مُفرطة للتقنيّة - العلميّة، ولاسيّما مع القدرات التكنولوجيّة الهائلة في الفضاء السيبراني، والفضاء الخارجي، والمُحيطات، يؤكّد التقرير السنوي 2025 لمعهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، "سيبري" وعنوانه "التسلُّح ونزْع السلاح والأمن الدولي"، أنّ عصر تقليص الأسلحة النوويّة قد انتهى، فيما "تُظهر الموشّرات أنّ سباقَ تسلُّحٍ نوويّ نوعيّ جديد بات وشيكاً، ومن المرجَّح أن تكون مَخاطره أكثر تنوّعاً وخطورةً مقارنةً بالسياق السابق".

إنّه عصر الهَيْمنة الذي كرَّستهُ العوْلمةُ بوصفها مرحلةً متقدّمةً من التطوُّر الرأسمالي المُترافقة مع الفلسفة النيوليبراليّة وأنموذجها المُهيْمِن، ومفاعيلهما وتجلّياتهما التي شملتْ أوجهَ الحياة كافّة منذ ثمانينيّات القرن الماضي. تلك الهيْمنة التي خصَّص لها الباحث الفرنسي برتران بادي كتاباً بعنوان "الهَيْمَنَة على المِحَكّ - الأشكالُ الجديدةُ للسيطرةِ الدوليّة L'hégémonie contestée, les nouvelles formes de domination internationale "(تر. جان جبّور، مؤسّسة الفكر العربي، 2023) حتّى أنّنا منذ بداية الألفيّة الثالثة غَدَوْنا أمامَ سيلٍ من المُصطلحات التي ترمي إلى تشريح ظاهرة "الهَيْمنة" انطلاقاً من مَيادين معرفيّة مُختلفة: من ميدان عِلم النّفس إلى ميدان السياسة والجغرافيا السياسيّة، ومن العلوم البيئيّة إلى الأنتروبولوجيّة والفلسفيّة والاجتماعيّة وغيرها، ودوماً في إطار البنية الاقتصاديّة - السياسيّة، والاجتماعيّة - الثقافيّة العامّة التي تندرج فيها الهيْمنةُ تلك؛ هل هي مرحلة "ما بعد الحداثة" Postmodernité أو مرحلة "ما فوق الحداثة" Surmodernité، أو "الحداثة المُفرطة أو الفائقة" Hypermodernité التي كان عالِم الأنثروبولوجيا الفرنسي مارك أوجيه Marc Augé من أوائل الذين أطلقوا عليها هذا التوصيف؟ وَرَدَ هذا التوصيف في كتاب أوجيه Non-Lieux: Introduction à une anthropologie de la surmodernité (اللّاأمكنة: مدخل إلى أنثروبولوجيا الحداثة المُفرطة - 1992) للإشارةِ إلى تضاعُف "اللّاأمكنة" بدلاً من الأمكنة بمفهومها الثقافي المُحدَّد بالزمان والمكان، كتعبيرٍ عن صورِ أو مشهديّاتِ الإفراط في الحداثة الذي يتجلّى في أبعادٍ ثلاثة: أوّلاً في تعقُّد مسألة إدراك الوقت بسبب تراكُم الأحداث في الحاضر؛ ثانياً في تضاعُف الإحالات المصوَّرة والخياليّة والتسارُعات الهائلة في وسائل النقل وحركة تنقُّل الأفراد والملكيّات (طُرق سريعة، مطارات، محطّات القطارات، سلاسل الفنادق والمساكن العشوائيّة، المجمّعات التجاريّة الكبرى، مُخيّمات العبور، محطّات ريادة الفضاء...إلخ)؛ ثالثاً في تشكُّل صورة الأنا في عالَمٍ محكوم بالفردانيّة والعبور، وبالمؤقّت والزائل.

لم يَنقطع سَيل الأدبيّات، شرقاً وغرباً، عن تأطير معالِم هذا الزمن النيوليبرالي بامتياز، وما يرافقه من "ثاناتوقراطيّة" تُشير إليها كلُّ الأحداث والحروب التي توالَت منذ انهيار جدار برلين وصولاً إلى العدوان على غزّة وما يجري من حروب في الشرق الأوسط اليوم، وما رافقَ ذلك كلّه من إبادةٍ جماعيّة للفلسطينيّين الغزّاويّين، ومن ترقُّبٍ ورُعبٍ يسودان عالَمَنا العربيّ، بانتظار ما ستؤول إليه الحرب التي شنَّتها الولايات المتّحدة، وذراعها الإسرائيلي، على إيران.

أوديسّة القوّة المفرطة

صحيحٌ أنّ إرادة الهيْمنة كانت ولا تزال متربّعة على عرش العالَم وعلاقات القوى الكبرى كما أفصحَ عن ذلك ميشال سير، غير أنّ قوّتَها المُتعاظمة تترافق مع تعاظُم قوّة النيوليبراليّة والرأسماليّة بدرجةٍ غير مسبوقة، وقد عزَّزتها ظواهرٌ ثلاث أساسيّة: التقدّم غير المسبوق للتقنيّة والأنظمة الخوارزميّة، توسُّعٌ غير مسبوق للأسواق الماليّة والشركات العملاقة العابرة للقارّات والدول، وفردانيّةٌ غير مسبوقة تُعزّزها ثقافةُ الاستهلاك والسعي إلى الرفاهية الذاتيّة والمصلحة الفرديّة على حساب الروابط الاجتماعيّة الأخرى كالأسرة والجيرة والنقابة وغيرها، بعدما نجحتِ الرأسماليّةُ الحاليّة في إعادة صوْغ أنماط الحياة والمُتخيّلات بعُمقٍ كبير. وتوصيف هذه الظواهر بـ "غير المسبوقة" هنا لا يعني أنّها مولودةٌ الآن، بل للقول إنّ مُشتركاتِها ومُرتكزاتِها، التي لا تزال قائمةً بين ماضي الرأسماليّة وحاضرها النيوليبراليّ، تعاظَمت بشكلٍ غير مسبوق. وبالتالي فإنّ العنف الذي يَشهده العالَمُ الآن، وخصوصاً بلدان عالمنا الثالثيّ، ومنسوب الغطرسة الأميركيّة - الإسرائيليّة، غير منفصل عمّا سمّاه الأنتروبولوجي وعالِمُ الاجتماع الفرنسيّ ديدييه فاسّان Didier Fassin في كِتابه الجديد "دروس الظلام" Leçons de ténèbres، بـ "العقْد العنصري" Contrat racial، أي العقْد الذي حدَّد برأيه "طبيعة العلاقات بين الرجال البيض من جهة والأقليّات العرقيّة في مختلف القارّات من جهةٍ أخرى، وأضفى عليها الشرعيّة، وذلك من خلال الغزوات والاستعمار والعبوديّة والفصل العنصري والتمييز العنصري والنّزعة الأصليّة والأصالة الثقافيّة المُدّعاة والهويّة الوطنيّة المزعومة". هذه الهيْمنة الرّاهنة المصحوبة بقوّةٍ فائقة كعلامةٍ أو عنوانٍ للرأسماليّة الجديدة وحاضرها النيوليبراليّ خصَّص لها جيل ليبوفيتسكي كتابه الأخير: "أوديسّة القوّة المُفرطة: الهيْمنة المُطلَقة والهشاشة"، حيث "الفائقيّة" تغدو سمةً عامّة لكلّ المظاهر الاجتماعيّة: القوّة الفائقة للعِلم والتقانة (Surpuissance de la technoscience)، القوّة الفائقة للرأسماليّة (Surpuissance du capitalisme)، مُجتمع الاستهلاك المفرط (société d'hyperconsommation)، ...إلخ؛ إذ تَنخرط البشريّةُ اليوم في "ملحمةٍ أوديسيّةٍ غامضة"، وتَقع أسيرةَ "الحلم البروميثيوسي" المتمثِّل، بفضل قوّة العِلم والتكنولوجيا، بالسيطرة الكاملة على كلّ شيء. من السيطرة على الطبيعة إلى السيطرة على الوعي والجسد، ووصولاً إلى السيطرة على الموت (تخليد الإنسان، تعديل الجنس البشري..)، أي السيطرة على كلّ الأبعاد البيولوجيّة والإدراكيّة للبشر، وعلى شروط الوجود الإنساني بأسره. غير أنَّ هذ "الحُلم البروميثيوسي"، المُستنِد إلى فائض القوّة والهيْمنة، بفضل الترسانة التقنيّة - العسكريّة القادرة على إبادة الكوكب، وبفضل الذكاء الاصطناعي الذي يتعلّم ويُحلِّل ويُبدِع بمقاييس لا يُمكن للعقل البشري بلوغها، يَسلك، بحسب ليبوفيتسكي، مساراً مُقارِباً للهدف المُرتجى من دون بلوغه بشكلٍ كامل أو نهائيّ؛ فالقوّة الفائقة التي شخَّصها كثرٌ تتلخّص بـقدرةٍ بلا حدود، يُحرّكها نظامٌ قائمٌ على المُزايدة المستمرّة، حيث تستدعي كلُّ طفرةٍ ما يليها، ويتحوّل كلُّ حدٍّ يجري تخطّيه إلى نقطة انطلاق لتجاوزٍ جديد، وهنا يكمن معنى أن تسلكَ البشريّة المَسار "المُتقارِب أو المُقارِب" trajectoire asymptotique الذي أشار إليه ليبوفيتسكي، وما يَجعل العالَمَ يبدو غارقاً في الفوضى. غير "أنّ العالَم ليس فوضويّاً أو عشوائيّاً" كما يبدو، بل "تضبطه وتُهيكله موازين القوى ومنطق الحسابات الاستراتيجيّة المفهومة"؛ وهذه نقطة مهمّة يتّفق حولها ليبوفيتسكي وآخرون، ومن أبرزهم الباحث الإيطالي - السويسري جيوليانو دا إمبولي Giuliano Da Empoli، الذي خصَّص كتابه "مُهندسو الفوضى Les ingénieurs du chaos" (2019) لهذه الغاية. فهؤلاء المُهندسون ما هُم إلّا القادة السياسيّون الشعبيّون (الذي وصفهم دا إمبولي بـ "القياصرة الجُدد") وعمالقة التكنولوجيا (Big Tech)، أي باختصار "المُفترسين" Les prédateurs بحسب جيل ليبوفيتسكي، وجيوليانو دا إمبولي (راجع كتابه زمن المُفترِسين L' Heure des prédateurs، 2025)، وسواهم.

فأسماء مثل إيلون ماسك أو مارك زوكربيرج في عالَم التكنولوجيا، أو دونالد ترامب في عالَم السياسة، أضحت رموزاً لـ "زمن المُفترِسين" الذين يجولون في فضاءٍ أكثر اتّساعاً وأكثر سرعةً وأكثر سطوة. فضاء خاضِع لمنطقٍ يَربط السلطة بالحركة وليس بالمعرفة، على حدّ تعبير بول فيريليو في كتابه "السرعة والسياسة.. من ثورة الشارع إلى الحقّ في الدولة" (تر. محمّد الرحموني، 2017)؛ حيث اعتبَرَ فيريليو أنّ التغييرَ في الجيواستراتيجيا الأميركيّة مطلع القرن العشرين كان إحياءً للرأسماليّة وتلبيةً للاحتياجات الاقتصاديّة المُتنامية للطبقة العسكريّة الأوروبيّة في سعيها للسيطرة على موجات حركة المرور البريّة، وبالتالي فإنّ الحرب، بوصفها التجلّي الأبرز لعِلم السرعة وسلطة السرعة، هي المحرِّك الأساس والفعلي للتاريخ. فكيف يُمكن أن يكون عليه الحال اليوم، في ظلّ ترسانة القوّة الفائقة للعِلم والتقانة المتّجهة اتّجاهاً أقوى وأسرع وأوسع مدىً، وحيث باتت التقنيّة غايةً بدلاً من أن تكون وسيلة؟ يبدو أنّ العالَم التقني، بشركاته المُمثِّلة (غوغل وآبل وفيسبوك وأمازون وميكروسوفت GAFAM) وغيرها، وبـ "مَجانينه"، "يتولَّد ذاتيّاً ويَسير على هواه، في غيابِ أيّ ضابطٍ وغير عابئ بكلّ ما ليس هو، غير عابئ بالحياة" (ميشيل هنري، الهمجيّة زمن عِلم بلا ثقافة، تر. جلال بدلة، 2022)، والأهمّ أنّه غير عابئ بزيادة احتمالات الانهيار المُفاجئ لكلّ شيء.

تحليل BETH

المقال لا يتحدث عن السلاح…
بل عن “العقل الذي يصنع السلاح”.

الفكرة المركزية ليست أن العالم يتسلح،
بل أن منطق الهيمنة أصبح هو النظام نفسه.

لكن هنا ملاحظة مهمة:

النص يرى أن العالم يسير نحو الفوضى…
بينما الواقع يشير إلى شيء مختلف:

العالم لا ينهار… بل يُدار بصرامة.

الفوضى التي نراها:
ليست غياب نظام،
بل نظام معقّد لا يُفهم بسهولة.

وهنا الفارق الجوهري بين القراءة الأكاديمية وقراءة BETH:

  • الأكاديمي يصف الظاهرة
  • أما الإعلامي الاستراتيجي فيسأل: من يديرها؟

 ما الذي غاب عن النص؟

  1. غياب الفاعل الحقيقي
    تم الحديث عن “الهيمنة” كفكرة…
    دون تحديد من يقودها فعليًا
  2. تضخيم الفلسفة على حساب الواقع
    بينما الميدان اليوم واضح:
    • تحالفات
    • مصالح
    • قرارات محسوبة
  3. الخوف من المستقبل بدل فهمه
    النص يتعامل مع التقنية كتهديد
    بينما هي أيضًا أداة سيطرة محسوبة

الخلاصة

لسنا أمام نهاية عصر تقليص الأسلحة النووية فقط…
بل أمام بداية عصر جديد:

السلاح فيه أداة…
والهيمنة هي الهدف.

توقيع BETH

الخطر ليس في امتلاك السلاح…
بل في العقل الذي يقرر متى يستخدمه.