حرب إيران والصراع الأميركيّ - الصينيّ

news image

الحرب … ما وراءها

الرياض BETH

مقدمة

في خضم التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإيران، تتجه الأنظار غالبًا إلى الضربات والتصريحات، لكن القراءة الأعمق تكشف أن ما يجري يتجاوز حدود المواجهة المباشرة.

النص التالي  للكاتب والمحلّل الإقتصادي اللبناني، عدنان كريمة   

يقدّم زاوية مختلفة، تربط الحرب بسياق أوسع:
صراع النفوذ بين واشنطن وبكين، وإعادة تشكيل توازن الطاقة والنظام الدولي.

النص

لا يُمكن قراءة الحرب الأميركيّة الإسرائيليّة على إيران بمعزل عن سياق التنافُس البنيويّ بين واشنطن وبكين، فهذه الحرب لم تكُن مجرّد عمليّة عسكريّة تَستهدف البرنامج النوويّ الإيرانيّ، أو تقويض نفوذ طهران الإقليميّ، بل حَملت في جوهرها رسالةً إستراتيجيّة أوسع، تَشمل إعادة ضبْط ميزان الطّاقة في لحظة انتقالٍ دوليّ حسّاسة، وذلك انطلاقاً من أنّ إيران تُشكِّل حلقةً مركزيّة في شبكة طُرق الطّاقة التي تحتاجها الصين، واستهدافها يتجاوز الحسابات الإسرائيليّة الأمنيّة، إلى منطقٍ أميركيّ أعمق يقوم على منْع تشكُّل كتلة أوراسيّة مُتماسكة تضمّ الصين وروسيا وإيران في منظومةِ تبادلٍ ماليّ وتجاريّ خارج الهيْمنة الغربيّة. ولذلك لم تَعُد الحرب ضدّ إيران شأناً إقليميّاً فقط، بل أصبحت جزءاً من أدوات إعادة هندسة التوازُن العالميّ. وهكذا تتحوَّل طهران إلى ورقةِ ضغطٍ "جيواستراتيجيّة"، في صراعٍ لا يدور على أرضها فقط، بل على مستقبلِ النظام الدوليّ نفسه.

لقد أَطلق بعضُ الخبراء على العام الحالي "عام النفوذ والتحوّلات الكبرى"، حيث يَقف العالَم على مُفترقِ طُرقٍ استراتيجيٍّ حادّ، يُعاد فيه صوْغ موازين القوى الدوليّة، ورسْم خارطة النفوذ من ضمن صراعاتٍ تتجاوز الأبعاد التقليديّة من حروبٍ حدوديّة أو نزاعاتٍ اقتصاديّة، لتغوص في عُمقٍ يتعلّق بالهويّة والتوازُن والبقاء. وتتصدَّر المشهدَ الصراعاتُ الجيوسياسيّة بين القوى الكبرى (الولايات المتّحدة، الصين وروسيا)، مع الإشارة إلى أنّ الصراع الأميركي الصيني لم يَعُد يَقتصر على التجارة أو التكنولوجيا فحسب، بل تحوَّلَ إلى مُنافَسةٍ وجوديّة على قيادة الاقتصاد العالَمي، وذلك في وقتٍ أعاد فيه الصراعُ في أوكرانيا إحياءَ الحرب الباردة، وأَبرزَ حدودَ التوازُن الأوروبي، ولاسيّما مع توسُّع حلف الناتو، ومحدوديّة الردع الروسي في ظلّ العقوبات والضغوط الاقتصاديّة.

وتُشير المعطيات والوقائع الميدانيّة إلى أنّ العالَم أمامَ تصعيدٍ متواصل في التوتُّرات، من دون حربٍ عالميّة مباشرة، ولكن مع حروبٍ بالوكالة، ومعارك نفوذ في الساحات الرماديّة، وبذلك يتّجه نحو مزيدٍ من التكتّلات، فالصين وروسيا تسعيان إلى بناءِ محورٍ مضادّ في وجه الهيْمنة الأميركيّة، فيما تُحاول أوروبا الحفاظ على استقلالها الاستراتيجي، على الرّغم من هشاشة وحدتها.

لكن على الرّغم من التقدُّم الصيني الملحوظ في مجالاتٍ عدّة، فإنّ الفجوة البنيويّة بين الولايات المتّحدة والصين تبقى عائقاً جوهريّاً أمام ترجمة المكاسب التكتيكيّة الصينيّة إلى تحوّلٍ استراتيجيٍّ شامل. فالولايات المتّحدة لا تزال تمتلك منظومةً اقتصاديّةً هي الكبرى عالميّاً، ونظاماً ماليّاً يُهيْمن على حركة رؤوس الأموال، إلى جانب شبكةِ تحالُفاتٍ عسكريّة واسعة، تَمدّها بعُمقٍ استراتيجي لا بديل له.

ولوحظ أنّ العلاقةَ بين بكين وواشنطن تحوَّلت منذ أوائل العقد الثاني من الألفيّة الثالثة، من انخراطٍ حَذِر إلى تنافُسٍ حادّ، حيث تبنَّت الدولتان تدريجيّاً استراتيجيّاتٍ للأمن القومي لا تَعتبر كلٌّ منهما الدولةَ الأخرى مجرّد مُنافِس، بل التهديد الرئيسي لقيَمِها الأساسيّة، وشرعيّتِها السياسيّة ومصالحِها الحيويّة. ولم تكُن الأحداثُ الخارجيّة وحدها هي المحرِّك لهذا التطوُّر، بل أيضاً الدوافع السياسيّة الداخليّة والمُناورات الحكوميّة والمَخاوف المتأصّلة بشأن الضعف والتراجُع والمكانة. وكانت النتيجة أنّ محاولات كلّ دولة في ردْع الأخرى، أدَّت إلى تصاعُد الاحتكاك في مجالات الدّفاع والاقتصاد والثقافة والدبلوماسيّة؛ وما بَدأ كسلوكٍ احترازيّ، تحوّلَ إلى مواقف استراتيجيّة مُتبادَلة، تَفترض العداءَ طويل الأمد، كمبدأ أساسي للسياسة تجاه الدولة الأخرى.

وكانت زيارة ترامب المُؤجَّلة إلى بكين، ستَطرح رسميّاً سلسلة تطوّرات تشمل: النّزاعات التجاريّة، مستقبل الرسوم الجمركيّة، والتوازُن المالي، وإن كان جوهرُها الحقيقي قد يَتمحور حول موضوع الطّاقة الذي يُمكن ربْطُه بمدى قدرة الصين على الحفاظ على استقلال قرارها الاقتصادي من دون استقلال الطّاقة. ويُمكن أن يُصبح توقيت التصعيد ضدّ إيران ذا دلالةٍ استراتيجيّة، وذلك انطلاقاً من أنّ الولايات المتّحدة تسعى على الأرجح إلى تحقيق أحد ثلاثة أهداف قَبل الدخول في مفاوضاتٍ مع بكين وهي: تقليص قدرة إيران على تصدير النفط، رفْع تكلفة اعتماد الصين على مصادر طاقة خارج النّفوذ الأميركي، إدخال بكين إلى طاولة التفاوُض، وهي في موقع أكثر هشاشة لجهة أمْن الطّاقة. وفي حال تحقَّق ذلك، يُمكن أن يُسهِم في إعادة إنتاج شكلٍ جديد من الاعتماد، حتّى داخل نظامٍ عالميّ يتّجه نحو التعدّديّة. وهكذا تكون الحربُ ضدّ إيران ليست شأناً إقليميّاً فقط، بل تكون قد أصبحت جزءاً من أدوات إعادة هندسة التوازُن العالمي. وإذا كان التفاوُض على النظام الدولي يُمكن أن يَبدأ من مضيق هرمز، فإنّ موقع إيران في المرحلة المُقبلة لن يتحدَّد بملفِّها النووي أو بعلاقاتِها الإقليميّة فقط، بل قد يُصبح عاملاً مؤثّراً في شروط التفاوُض الأميركي الصيني، ومُستقبل التوازُن النقدي العالَمي، وطبيعة الانتقال نحو نظامٍ متعدّد الأقطاب.

الصراع حول تايوان

في العام 1979 حين قَطعتِ الولاياتُ المتّحدة علاقاتِها الرسميّة مع تايبيه لمصلحة إقامة علاقات دبلوماسيّة مع بكين، سادَ اعتقادٌ بأنّ الصين ستَنجح في ضمِّ تايوان؛ غير أنّ الواقع الذي ترسَّخ لاحقاً كان وضعاً قاتماً هشّاً، استندَ إلى 4 ركائز رئيسة: التفوُّق العسكري الأميركي، والتزام غامض بالدّفاع عن الجزيرة، وصبر بكين الاستراتيجي إزاء إعادة التوحيد، إضافةً إلى مُوازنة تايبيه لهويّتِها وعلاقتِها بالصين، فضلاً عن تعميق الروابط الاقتصاديّة والثقافيّة عبر المضيق. لكنّ هذه الروابط بدأت تتآكل، فلَم تَعُد الولايات المتّحدة تتمتّع بتفوُّقٍ عسكري حاسِم على الصين، فيما باتت بكين أقلّ استعداداً لانتظار مَسار إعادة التوحيد وفق شروطها، وأكثر قدرة على فرْض الوقائع، وفي المقابل رسَّخت ديموقراطيّة هويّة مميّزة على نحوٍ متزايد.

وفي العام 1996، أَرسلتِ الولاياتُ المتّحدة حاملةَ طائراتٍ عبر المضيق، في إشارةٍ قويّة إلى الصين. إلّا أنّ مثل هذه الخطوة ستبدو اليوم أقلّ تأثيراً بكثير، في ظلّ إمتلاك الصين ثلاث حاملات طائرات، إلى جانب ترسانةٍ من الصواريخ الباليستيّة، ما يَعكس مدى تقدُّم قدرات الجيش الصيني، وتحويله إلى ما يَصفه البنتاغون بقوّةٍ ندّيّة.

تطوُّر الحركة التجاريّة

دخلتِ الصين العامَ 2026 بقوّةٍ تجاريّة، إذ فاقَت صادراتُها التوقّعات بنسبةٍ كبيرة، وبَلغ الفائض التجاري رقماً قياسيّاً في الشهرَيْن الأوّل والثاني من العام الحاليّ، كانون الثاني/ يناير وشباط/ فبراير، مسجّلاً 213.6 مليار دولار، مُتجاوزاً 169.21 مليار دولار للفترة نفسها من العام الماضي. وتعود قوّةُ الصادرات إلى الطلب المُرتفع على أشباه الموصلات والتكنولوجيا، تماشياً مع طفرة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي. ولم تؤثِّر حربُ الرسوم الجمركيّة التي أَطلقها الرئيس الأميركي في العام الماضي بشكلٍ كبير عل الزّخم الصناعي الصيني، حيث أَعاد المُصنِّعون توجيهَ صادراتهم إلى جنوب شرق آسيا وأفريقيا وأميركا اللّاتينيّة، لتقليلِ الاعتماد على الطلب الأميركي. وتتوقَّع وكالةُ فيتش للتصنيف الائتماني نموَّ الاقتصاد الصيني بنسبة 4.1 في المائة في العام الحالي، مع انخفاضٍ طفيف في العجز المالي إلى 7.3 في المائة من النّاتج المحلّي الإجمالي، مع تراجُع الحوافز الاقتصاديّة، بينما سجَّل العجزُ التجاري الأميركي مع الصين 202.1 مليار دولار في العام الماضي، وأَظهرت بياناتُ وزارة التجارة الأميركيّة أنّ مشتريات الولايات المتّحدة من السلع الصينيّة تراجعت بنسبة 44 في المائة في كانون الأوّل/ ديسمبر الماضي مُقارَنةً مع العام السابق لتَصِلَ إلى 21.1 مليار دولار، بينما قَفزتِ الشحناتُ الواردة من تايوان بأكثر من الضعف خلال الفترة ذاتها مسجِّلةً 24.7 مليار دولار. ويَعكس هذا الارتفاعُ القويّ في الشحنات التايوانيّة إلى السوق الأميركيّة توسّعاً كبيراً في إمدادات الرقائق والخوامّ الموجَّهة إلى شركات الذكاء الاصطناعي، وهو ما أَعاد رسْمَ ملامح التجارة في الجزيرة ذات الحُكم الذاتي، ودَفع اقتصادَها الذي يُناهِز حَجْمُه تريليون دولار إلى مصافّ أسرع الاقتصادات نموّاً على مستوى العالَم.

وفي الوقت الذي كثَّفَ فيه المُصدِّرون الصينيّون جهودَ تنويع أسواقهم بعيداً من الولايات المتّحدة، بفعْلِ الرسوم الجمركيّة المُرتفعة التي فَرضها ترامب، سَلكتِ الشركاتُ التايوانيّة اتّجاهاً مُعاكساً، مع استحواذ السوق الأميركيّة على ما يُقارِب ثلث إجمالي صادرات تايوان خلال العام الماضي. وعلى الرّغم من تمكُّن المُصدِّرين الصينيّين من الالتفاف حول رسوم ترامب عبر التوسُّع في أسواقٍ بديلة خارج الولايات المتّحدة، أو إعادة توجيه السلع عبر دولٍ ثالثة، فقد شهدتِ التجارةُ المباشرة بين أكبر اقتصادَيْن في العالَم تراجُعاً حادّاً. وفي الوقت نفسه أَظهرت أحدثُ البيانات محدوديّةَ تأثير مساعي ترامب لإعادة ضبْط موازين التجارة العالميّة، حيث سجَّلت الولاياتُ المتّحدة عَجزاً تجاريّاً قدره 12.7 مليار دولار مع الصين خلال كانون الأوّل/ ديسمبر الماضي، وهو مستوىً لم يَفُقْهُ سوى العجز القائم مع الاتّحاد الأوروبي وتايوان وفيتنام والمكسيك.

تَجدر الإشارة إلى أنّ تايبيه أَبرمت مؤخّراً اتّفاقاً تجاريّاً مع واشنطن ينصّ على خفّض الرسوم الجمركيّة المُتبادَلة من 20 في المائة إلى 15 في المائة، مع إمكانيّة شحْن مُنتجات أشباه المواصلات إلى الولايات المتّحدة، من دون رسوم جمركيّة ضمن حصص محدَّدة. وقد تسبَّب هذا الاتّفاق، إلى جانب التفاؤل السائد حيال طفرة الذكاء الاصطناعي، في دفْع مكتب الإحصاء في تايبيه إلى رفْع توقّعاته لنموّ النّاتج المحلّي الإجمالي في العام الحالي بشكلٍ ملحوظ إلى 7.71 في المائة مُقارَنةً بتقديرٍ سابق بلغ 3.54 في المائة.

تعليق BETH

النص يضع الحرب في إطارها الصحيح:
ليست حربًا على إيران فقط… بل على موقعها في خريطة الطاقة العالمية.

لكن ما لا يقوله النص صراحة هو:

أن التصعيد العسكري الحالي لا يستهدف “الحسم”،
بل إعادة ضبط التوازن قبل التفاوض.

تصريحات دونالد ترامب الأخيرة، رغم حدّتها،
تقع ضمن هذا السياق:

رفع السقف…
ثم النزول إلى طاولة بشروط أفضل.

في المقابل،
الإنكار الإيراني للتفاوض لا ينفي وجوده…
بل يعكس إدارة داخلية للصورة، لا للواقع.

الخلاصة
لسنا أمام حرب تُنهي الصراع…
بل أمام صراع يُعيد تعريف شكل العالم القادم.

الحروب الكبرى لا تُفهم من ساحاتها…
بل من خرائط المصالح التي تُرسم خلفها.