سقوط الشعارات .. وبقاء الثوابت

news image



كتب: عبدالله العميره

مقدمة

ليست كل الحروب تُسقط دولًا..
بعضها يُسقط شعارات، ومعها تسقط الأفكار الزائفة.

ومع كل صاروخٍ يسقط على الأرض، يسقط معه قناعٌ، وشعارٌ كان يُردَّد لعقود، دون اختبارٍ حقيقي.

الحرب الأخيرة لم تكشف فقط موازين القوة..
بل كشفت هشاشة عقيدةٍ ولغةٍ نبتت عليها عقولٌ زمنًا؛ كخضراء الدِّمَن.

 

ما هي الشعارات؟ ولماذا تُستخدم؟

الشعار ليس فكرة، بل اختصارٌ لها.
وغالبًا ما يكون اختصارًا مخلًا.

يُستخدم الشعار عندما:

يُراد تعبئة الجماهير بسرعة
يُراد تجاوز التفكير العميق
يُراد توحيد المشاعر، لا توضيح الحقيقة

يُردَّد في:

لحظات الحماس
البيئات المغلقة
الأنظمة التي تحتاج صوتًا عاليًا لتعويض ضعف الفكرة

الشعار لا يعيش في بيئة نقدية..
بل في بيئة ترديد.

 

حين تتحول الشعارات إلى أقنعة

هناك شعارات لم تُبنَ لتفسير الواقع..
بل لتغطيته.

القومية العربية… حين انزلقت من مشروع وحدة إلى لغة عاطفية تُخاطب مشاعر البسطاء والجهلة، بلا أدوات ولا مشروع.
“الموت لأمريكا”.. كشعار يرفع الصوت، بينما الواقع يفرض التفاوض
من النيل إلى الفرات.. شعارٌ توسّعي يصطدم بتعقيدات الجغرافيا والسياسة، واقعٌ لم يحسب له مُطلقوه أي حساب.

هذه الشعارات لم تسقط فجأة..
بل كانت تتآكل بصمت، حتى جاءت الحرب… فكشفتها دفعة واحدة..
وإن أصرّ مُطلقو الشعارات على التمسك بها ومُعاندة الواقع، فإن عنادهم لن يحصدوا منه إلا التعب، وسيغدون سخريةً في صفحات الحاضر والتاريخ.

 

انعكاس الشعارات على الشعوب

السؤال الأخطر ليس: من يرفع الشعار؟
بل: من يعيشه؟

حين يردد شعب شعارًا لعقود، ثم يرى عكسه في الواقع، يحدث أحد أمرين:

صدمة وعي
أو إنكار أعمق

الشعارات الطويلة العمر تصنع فجوة بين:
ما يُقال.. وما يُرى

وهذه الفجوة هي أخطر ما يمكن أن يصيب أي مجتمع.

 

إيران .. حين يصطدم الشعار بالواقع

اليوم، ومع تزايد الضربات داخل العمق الإيراني، يبرز سؤال لا يمكن تجاهله:

كيف يرى الشعب الإيراني نظامًا يردد “الموت لأمريكا”… بينما يفتح قنوات تفاوض معها؟
أو معتقدٌ يروّج: «كلما زاد الدمار، اقترب الفرج.»

هل كان الشعار وسيلة؟
أم أصبح عبئًا؟

هل يدرك الناس أن الصوت العالي لا يعني موقفًا قويًا؟

ماذا عن البلاد وقد دُمّرت، ولم يخرج الفرج من السرداب؛  لأن السرداب أيضًا دُمّر، ضمن سراديب الأسلحة؟

كيف هي أحوال من آمن بهذه الخرافة؛ أو تلك الفكرة الزائفة؟ 

 

هل نحن أمام تحوّل؟

التاريخ يقول:
كلما سقطت الشعارات، ظهرت فرصة للوعي.

لكن الواقع يقول أيضًا:
ليس كل سقوط يُنتج وعيًا…
فبعضه لا يفعل سوى إنتاج شعارٍ جديد.

وهنا يبدأ الفرق.

فالتحوّل الحقيقي لا يبدأ بإسقاط الشعار…
بل بطرح سؤالين: كم كلّفنا هذا الشعار قبل أن يسقط؟ وماذا أبقى بعد سقوطه؟

 

الثوابت لا تحتاج صراخًا..
لأنها تُثبت نفسها بالفعل.

أما الشعارات..
فكلما ارتفع صوتها، اقترب سقوطها.


الشعارات تُردَّد.. أما الحقيقة فتُختبر.

والثوابت؛ لها شاهدٌ حيّ في المملكة العربية السعودية؛
واجهت شعاراتٍ معادية، فبقيت مبادئها.. وتهاوت الشعارات.

__________
الصورة :
ليست شقوقًا في الجدار… بل في الفكرة التي كانت تبدو صلبة.
وحين انكشفت.. لم يظهر خلفها شيء.