خطاب نتنياهو تحت المجهر
فحصٌ لِما وراء الكلمات والشخصية… حيث يتقاطع ادّعاء القوة مع القلق
متابعة وتحليل | BETH
إعداد وتحليل | إدارة الإعلام الاستراتيجي
إشراف: عبدالله العميره
مقدمة
في لحظة تصعيد غير مسبوقة، قدّم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مساء اليوم الثلاثاء؛ خطابًا بدا في ظاهره حاسمًا وواثقًا، لكنه في عمقه يكشف عن محاولة مكثفة لإعادة تعريف الحرب، ليس بوصفها عملية عسكرية، بل كمدخل لإعادة تشكيل الإقليم.
هذا الخطاب لا يمكن قراءته كنص سياسي فقط، بل كنموذج متكامل يجمع بين إدارة الرواية، وضبط الداخل، وتوسيع سقف التوقعات.
العرض
استهل نتنياهو كلمته بنفي الشائعات المتعلقة بوضعه الصحي، وهي خطوة تبدو بسيطة، لكنها تحمل دلالة واضحة على أهمية تثبيت صورة القيادة في زمن الحرب.
ثم انتقل إلى تعريف الحرب، مؤكدًا أن العمليات العسكرية ضد إيران—تحت مسمى "زئير الأسد"—تستهدف إزالة ما وصفه بـ"التهديد الوجودي"، عبر ضرب البرنامج النووي، وتدمير القدرات الصاروخية، وإضعاف البنية العسكرية المرتبطة بها.
وسّع نتنياهو إطار الصراع، مقدمًا إيران كتهديد دولي، خصوصًا في ما يتعلق بمضيق هرمز، في محاولة لنقل المعركة من نطاق إقليمي إلى سياق عالمي.
كما شدد على التنسيق مع الولايات المتحدة، وحرص على نفي فكرة التبعية، مؤكدًا أن الشراكة قائمة على مصالح متقاطعة.
وعلى الجبهة الشمالية، أعلن عن توسيع "المنطقة العازلة" جنوب لبنان، في خطوة تعكس انتقالًا من سياسة الاحتواء إلى فرض واقع ميداني جديد.
واختتم خطابه بعبارة محورية:
أن إسرائيل تعمل على تغيير الشرق الأوسط.
تشريح | BETH
الخطاب: بناء رواية .. لا عرض واقع
نتنياهو لم يقدّم معلومات بقدر ما قدّم إطارًا لفهم المعلومات.
العناصر الأساسية في هذا الإطار:
نجاح عسكري متصاعد
عدو ذو طابع وجودي
تحالف دولي قوي
حرب ذات شرعية عالمية
هذه ليست حقائق بقدر ما هي بنية سردية متكاملة
هدفها: ضبط إدراك الجمهور؛ قبل ضبط الميدان
الثقة: أداة .. وليست مؤشرًا
لغة الحسم ("نُدمر"، "نُغير") لا تعني بالضرورة حسمًا فعليًا،
بل تعكس حاجة الخطاب إلى اليقين.
التناقض يظهر هنا:
“إيران تُسحق”
“وما زال هناك عمل كبير”
هذه ليست ازدواجية عفوية،
ربما يسمح — في نظر المتابع — بـ:
إعلان النجاح
واستمرار الحرب في الوقت نفسه
الغرور: محفّز .. ومُضلّل
لا يظهر غرور نتنياهو كاستعراض، بل كقناعة راسخة… وهي سمة معروفة في شخصيته.
يرى نفسه في لحظة تاريخية؛ وبأنه صانعها:
هذا النوع من الغرور:
يمنح جرأة القرار
لكنه يوسّع الأهداف خارج حدود القدرة الواقعية
الخطر هنا ليس في الغرور نفسه..
بل في تحوله إلى معيار لاتخاذ القرار
البعد الاستراتيجي: تفكير بلا سقف واضح
الخطاب لا يتحدث عن:
إضعاف تهديد
بل عن:
إعادة تشكيل الإقليم
وهذا يظهر في:
الربط بين إيران ولبنان
إدخال الشعب الإيراني في المعادلة
ربط الحرب بالممرات العالمية
هذه ليست حربًا محدودة..
بل مشروع مفتوح النهاية
اللغة: من إدارة الصراع إلى محاولة إنهائه
غياب مفردات مثل:
التهدئة
الاحتواء
التسوية
وحضور مفردات:
الحسم
التغيير
التفوق
يعكس انتقالًا نفسيًا من:
إدارة الصراع → إلى محاولة إنهائه بالقوة
وهي قفزة عالية المخاطر في بيئة معقدة… لا يُعرف إن كانت قد حُسبت بالكامل
البعد الديني: من التعبئة إلى التقييد
استخدام البعد الديني هنا ليس تفصيلًا، بل أداة:
لتعبئة الداخل
ورفع سقف المعركة
وإضفاء شرعية له أمام التيارات المتدينة، عبر توظيف البعد الديني في الخطاب السياسي، وهو توظيف قد يتعارض في بعض قراءاته مع مفهوم السلام العادل، حين يُقدَّم الصراع باعتباره امتدادًا لرواية دينية لا تقبل التسوية.
لكن المشكلة:
حين تتحول الحرب إلى “معنى” لا “مصلحة”
تصبح:
أقل قابلية للتوقف
وأكثر عرضة للتصعيد غير المحسوب
قراءة في المحيط | BETH
المنطقة لم تعد كما كانت
البيئة الإقليمية تغيّرت جذريًا:
كشفت الحرب أن المملكة العربية السعودية ودول الخليج أصبحت مراكز قوة حقيقية… في تحول أعاد تصحيح كثير من التصورات.
الاقتصاد والاستقرار أصبحا أدوات تأثير
العلاقات الدولية باتت معقدة ومتداخلة
القوة اليوم لم تعد عسكرية فقط..
بل مركبة
إسرائيل أمام فجوة واضحة
تدرك التحول
لكنها لم تتكيّف معه بعد
عقل يستوعب التغير..
وسلوك لا يزال يتحرك بمنهج قديم
لماذا لن ينجح النموذج القديم؟
لأن:
الدول القوية لا تُدار بالتهديد
التنمية تحتاج استقرارًا
المصالح أصبحت أوسع من الصراعات
القوة وحدها لم تعد كافية لفرض المعادلة
هل ستتغير إسرائيل؟
نعم… ولكن:
ببطء
وتحت الضغط
الدافع سيكون:
الواقع.. لا الخطاب
الخلاصة
خطاب نتنياهو لا يعكس استقرارًا بقدر ما يعكس محاولة للسيطرة على واقع معقّد.
هو خطاب:
قوي في لغته
واسع في طموحه
لكنه قلقٌ غير واضح المعالم، يظهر أثره في بعض السرديات وفي كيفية تأويلها.
والأهم:
لا ينسجم بالكامل مع طبيعة المنطقة الجديدة
سطر BETH
حين تتقدم اللغة على الواقع… تبدأ الأخطاء.