حين تغيب الصورة… من يملك الرواية؟
إعداد وتحليل | BETH
إشراف: عبدالله العميره
في واحدة من أبرز مفارقات هذه الحرب، يظهر تناقض واضح بين ما يُقال… وما يُرى.
الحديث يدور عن سيطرة جوية شبه كاملة، وضربات دقيقة وعميقة، لكن الصورة التي تصل إلى الجمهور لا تأتي من الطرف الذي ينفّذ هذه الضربات، بل من الطرف الذي يتعرض لها.
انفجارات تُنقل من الداخل الإيراني، ومشاهد مصدرها إعلامه، وقنوات عربية تعيد بثها من نفس المصدر، دون حضور بصري مقابل من الطرف الآخر.
هذا الغياب لا يبدو خللًا بقدر ما يعكس طبيعة مختلفة في إدارة الحرب.
الدول التي تنفذ ضربات دقيقة لا تُظهر كل شيء، وتتجنب كشف تفاصيل العمليات، ليس فقط لحماية قدراتها، بل لأن جزءًا من نجاحها قائم على ما لا يُعرض.
كما أن الضرب في هذا النوع من الحروب يتم من الجو أو عن بعد، دون وجود ميداني مباشر، ما يعني غياب الكاميرا من جانب الضارب، مقابل حضورها الكامل لدى الطرف المضروب، الذي يملك الأرض والحدث معًا.
في المقابل، يدرك الطرف الذي يتعرض للضرب أن الصورة سلاح لا يقل أهمية عن الصاروخ، فيبثها فورًا، حتى لو كانت جزئية أو محدودة أو قابلة للتأويل، لأنها تخاطب الإحساس قبل التحليل، وتُظهر أنه ما زال حاضرًا ومتماسكًا رغم الضربات.
هنا تتشكل المفارقة:
الضربة تُنفّذ من طرف… لكنها تُرى من زاوية الطرف الآخر.
ومع غياب مصادر مستقلة، يتحول الإعلام الذي لا يملك وصولًا مباشرًا إلى ناقل لما هو متاح، فيُعاد بث المشهد ذاته، وتتكرر الرواية نفسها، حتى وإن لم تكن مكتملة.
إلا عبر فيديوهات مسرّبة أو رسومات تقريبية بالذكاء الاصطناعي في هذه المرحلة.
ما يحدث ليس تزويرًا مباشرًا للصورة في الغالب، بل إدارة لها.
الصورة قد تكون حقيقية، لكن اختيار زاويتها، وتوقيت بثها، وتكرارها، يمنحها وزنًا يتجاوز حجمها الفعلي.
في هذا المشهد، لا تتنافس الجيوش فقط، بل تتنافس الروايات.
الطرف الذي يركز على النتيجة قد يؤجل الصورة، والطرف الذي يحتاج التأثير يقدّمها فورًا.
لكن الخطر لا يكمن في من يبث… بل في غياب التوازن.
حين تغيب الصورة المقابلة، لا يرى الجمهور إلا نصف المشهد، فيتشكل وعيه على رواية واحدة.
السيطرة على السماء لا تعني السيطرة على الشاشة،
ومن يملك الصورة… يملك جزءًا من الحقيقة.
في الحروب الحديثة، قد تُحسم المعركة في الميدان،
لكنها تُفهم… من خلال ما يُعرض.
ما الحل؟ وكيف يدير من يملك المعركة روايتها؟
إدارة المعركة إعلاميًا لا تعني كشف كل شيء،
بل تعني عدم ترك الفراغ.
في الحروب الحديثة، ليست المشكلة في نقص المعلومات،
بل في تأخرها، أو غيابها في اللحظة التي تتشكل فيها الصورة الذهنية.
الطرف الذي يسيطر ميدانيًا يحتاج إلى حد أدنى من الحضور البصري المنضبط،
يعرض مؤشرات النتيجة دون كشف تفاصيل القدرة.
صورة عامة مدروسة،
لقطات جزئية محسوبة،
وتأكيد بصري للنتيجة… لا لطريقة التنفيذ.
بهذا التوازن، تُحمى العمليات، ولا تُترك الرواية للخصم.
كما أن إدارة التوقيت لا تقل أهمية عن إدارة المحتوى.
التأخر في تقديم الصورة، ولو كانت دقيقة، يفتح المجال لصورة أخرى أقل دقة… لكنها الأسبق تأثيرًا.
وفي هذا السياق، يصبح دور الإعلام المرافق للعمل العسكري ليس النقل،
بل تثبيت الإطار العام للفهم،
بحيث لا تُقرأ الأحداث من زاوية واحدة.
المعادلة ليست بين الصمت والانكشاف،
بل بين الإفصاح الذكي… والصمت المحسوب.
وفي النهاية، من يملك المعركة،
لا يحتاج أن يروي كل تفاصيلها…
لكن عليه أن يمنع غيره من روايتها وحده.