الصمت حين ينجح العمل

news image

كتب: عبدالله العميره

في بعض البيئات، لا يكون التحدي في الفشل..
بل في النجاح.

حين تعمل بجد، وتنتج شيئًا متماسكًا، مختلفًا، وقادرًا على التأثير..
تتوقع، على الأقل، رد فعل.
إشارة واحدة تقول: رأينا ما تفعل.

لكن ما يحدث أحيانًا؛ هو الصمت.

صمتٌ لا يشبه الحياد،
ولا يمكن تفسيره بالانشغال،
بل يبدو أقرب إلى ترددٍ مزمن أمام ما هو جديد.

السؤال الحقيقي

هل المشكلة أن العمل غير واضح؟
أم أن وضوحه يضع البعض في موقف لا يريد مواجهته؟

لأن بعض النجاحات لا تُربك المنافسين فقط..
بل تُربك أيضًا الجهات التي اعتادت أن ترى الأشياء بطريقة واحدة.

حين يصبح الصمت موقفًا

في المؤسسات التي تتحرك ببطء،
لا يُرفض العمل الجيد..
لكنه يُترك في منطقة رمادية:

لا يُدعم..
ولا يُرفض..
ولا يُستثمر فيه.

وكأن الرسالة غير المعلنة تقول:
استمر .. لكن لا تنتظر منا خطوة.

الاعتراف الناقص

أن يُقال لك: نحتاج هذا العمل..
فهذا اعتراف.

لكن الاعتراف الحقيقي لا يقف عند الكلمة،
بل يتحول إلى:

شراكة،
تمكين،
أو على الأقل؛ وضوح في الموقف.

أما أن يُطلب منك الاستمرار،
بينما تتحمل التكلفة وحدك،
فهذا ليس دعمًا…
بل غياب للعدالة، وإدارة للصمت.

شهادة مهنية

طوال أربعين عامًا، لا أذكر أن مسؤولًا مباشرًا، أو جهة رسمية، بادرت وقالت ببساطة: شكرًا على عملٍ مميز.
لم يكن ذلك مطلبًا شخصيًا؛ بقدر ما هو مؤشر طبيعي يُفترض أن يواكب أي بيئة تقدّر العمل.

كنت أقيس جودة ما أقدّم من ردود فعل العارفين بالإعلام، من الأصدقاء، بل وحتى المختلفين.
فالمحب الواعي يمنحك رأيًا صادقًا؛ وهذا محفّز.
لكن ما يُفترض أن يكون قاعدة؛ تحوّل إلى استثناء.

والأغرب؛ أنني كثيرًا ما كنت أستشعر نجاح العمل من ردّة فعل ناقدٍ قاسٍ،
لا من كلمة واضحة من مسؤول.

وعندما سألت، وجدت أن هذا الشعور لا يخص فردًا…
بل يتكرر لدى كثير من المبدعين.
أما غير المبدعين؛ فلا يشغلهم الأمر أصلًا.

من المبهج أن تصل إشادات من مسؤولين وخبراء وزملاء صحفيين عاليي المهنية؛ فهذا دعم معنوي كبير.
أن يخاطبك من لا ينتظر شيئًا، سوى الإعجاب بالعمل الجيد وتقديم نصيحة صادقة، هو وقود يضيء الطريق في مسيرة إعلامية شائكة.

المشكلة الأعمق

فوضى الإعلام ليست في غياب المنهج فقط..
بل في تحوّله إلى مساحة مفتوحة بلا معيار،

يدخلها من يُجيد.. ومن لا يُجيد،
وتتساوى فيها الأعمال المتقنة؛ مع الأعمال العابثة.

ولهذا، فإن الحاجة اليوم ليست إلى مزيد من المحتوى..
بل إلى:

إعادة ضبط المعايير  
وإعادة تعريف القيمة 
والتمييز الواضح بين ما يستحق أن يُرى؛ وما يجب أن يُترك.

في زمنٍ اختلط فيه الصوت بالقيمة..
يبقى العمل الحقيقي لا ينتظر التصفيق،
لكنه يكشف بصمتٍ؛ من يرى، ومن لا يرى.

أسئلة لا بد منها

لماذا يخجلون من نطق كلمة: شكرًا .. رائع؟
ولماذا يعجزون عن إيقاف من لا يستحق؟

ربما لأن التقدير يحتاج وعيًا..
كما أن الإيقاف يحتاج فهمًا وشجاعة.

توازن مطلوب

ولكي يكون الطرح منصفًا..
فإن التحفيز ليس ترفًا إداريًا،
بل حاجة إنسانية ومهنية لكل من يعمل:

موظفًا كان أو قائدًا،
مبتدئًا أو خبيرًا.

فكلمة التقدير، بقدر بساطتها، قادرة على إشعال الدافع،
لكن بعض الثقافات الإدارية التقليدية لا تزال ترى أن الشكر اتجاه واحد:
من الأدنى إلى الأعلى؛ لا العكس.

وإذا قيل يومًا: أشكرني،
قوبلت العبارة باستغراب،
وكأن التقدير ينتقص من الهيبة،
لا يعززها.

وهنا، لا يُقصد بالشكر مجرد كلمة..
فهي محفّزة، نعم،
لكنها لا تُغني، بأي حال، عن الوفاء بالاستحقاقات الفعلية.

فالمشكلة لا تكمن في غياب المجاملة،
بل في غياب العدالة:

حين يتساوى من يتلقى دعمًا حقيقيًا..
مع من لا يتلقى شيئًا على الإطلاق.

رفع المستوى

لذلك..
فإن المطالبة اليوم ليست برفع الصوت..
بل برفع المستوى.

بدعم كل المتميزين 
وتمكين من يقدّم قيمة حقيقية،
وفي المقابل، إبعاد من لا يملك إلا الضجيج،
أو يقدّم عملًا لا يضيف أثرًا.

الإعلام لا يحتاج إلى كثرة الحضور..
بل إلى جودة الحضور.

ونحن اليوم أمام حاجة ملحّة إلى
إعادة تقييم 
وفرض معايير واضحة 
تُعيد للمهنة مكانتها..
وللعمل الجيد قيمته.

في فهم النقد

من واقع التجربة..
لا يزال البعض ينظر إلى الناقد بوصفه خصمًا، أو منافسًا،
لا شريكًا في تحسين العمل.

وهذا التصور، رغم شيوعه، هو أحد أسباب تعثر التطوير.

فالناقد الحقيقي لا يبحث عن النقص لذاته 
بل يرى في العمل مستوى من الجودة..
يستحق أن يكتمل.

النقد، في جوهره، ليس هدمًا..
بل استكمال لما بدأ بشكل جيد.

ولهذا، فإن البيئات التي تفهم النقد على هذا النحو،
هي وحدها التي تخلق مساحة آمنة للمبدع،
وتمنحه الطمأنينة أن رأيه لن يتحول إلى عبء عليه،
أو سبب في عرقلته.

بل إلى إضافة حقيقية،
تُسهم في رفع مستوى العمل،
وتحسين نتائجه.

اتساع المسارات

وقد يقول قائل: الفرص أمامك؛ فلماذا التعويل على الوزارة؟

والإجابة بسيطة:
لسنا نبحث عن بدائل بقدر ما نؤكد على أدوار لا يجوز أن تُستبدل.

فالوزارة — بما تمثله من مرجعية — ليست خيارًا إضافيًا،
بل مسؤولية أصيلة في رعاية البيئة الإعلامية،
وتمكين الجادّين فيها،
وضبط معاييرها.

وفي الوقت نفسه،
فإن توسيع المسارات، والانفتاح على الشراكات،
والحضور في المنصات المختلفة…
ليس تناقضًا، بل جزء من التخطيط الواعي للنمو.

فالعمل الذي يؤمن بقيمته،
لا ينتظر بابًا واحدًا..
لكنه لا يتخلى عن حقه في الأبواب التي يجب أن تُفتح.

وعلى أي حال؛ سأواصل العمل،
بوعدٍ دائم أن لا أقدّم إلا الإبداع المفيد.

لن أتوقف..
لأن ما أقدّمه ليس خيارًا، بل التزام وطني.

وأدرك جيدًا أن الاستمرار قد يُفهم — في بعض البيئات — على أنه استعداد لتحمّل كل شيء دون مقابل.

الفرق كبير بين من يستمر لأنه لم يجد تقديرًا لما يقدّم..
ومن يستمر لأنه يعرف قيمة ما يقدّم.