الذكاء الاصطناعي وسوق العمل العربي
الرياض | BETH
في ظل التحولات المتسارعة التي يقودها الذكاء الاصطناعي، تتزايد الأسئلة حول مستقبل سوق العمل في العالم العربي، بين فرص واعدة ومخاطر بنيوية قد تعيد تشكيل العلاقة بين الإنسان والإنتاج.
وفي هذا السياق، يقدّم الباحث رامز صلاح قراءة تحليلية معمّقة حول هذه التحولات، مسلطًا الضوء على التحديات والفرص التي تواجه الاقتصادات العربية في عصر الأتمتة.
نص مختار من الدراسة
لا يقتصر أثر الذكاء الاصطناعي على تحسين الكفاءة أو أتمتة المهام، بل يمتد ليعيد تشكيل بنية سوق العمل ذاتها، ويطرح تساؤلات حول توزيع الفرص والقوة داخل الاقتصاد.
وفي هذا السياق، تبرز مخاوف من تصاعد ما يمكن تسميته “البطالة البنيوية”، خاصة في المجتمعات التي تعاني أساسًا من ضعف في التأهيل وارتفاع في معدلات البطالة، لا سيما بين الشباب.
ومع ذلك، لا يخلو المشهد من فرص، إذ يفتح الذكاء الاصطناعي مجالات جديدة في الاقتصاد المعرفي، ما يجعل التحدي الحقيقي ليس في التقنية ذاتها، بل في قدرة المجتمعات على التكيف معها وتوجيهها.
النص كاملاً
رامز صلاح*
تبدو الوعود التي يحملها الذكاء الاصطناعيّ لسوق العمل والإنتاجيّة مجالَيْن متوازيَيْن. فالذكاء الاصطناعيّ في إطاره النموذجيّ محلّه الشركات الكبرى والمؤسّسات البحثيّة وخوارزميّات التعلّم العميق، وأهمّ فعاليّاته تسريع الحداثة وأتْمَتة المهامّ الروتينيّة لرفْع الكفاءة وخفْض التكاليف.
أمّا سوق العمل في إطاره الاجتماعيّ فمحلّه القوى البشريّة، والأنظمة التعليميّة التي تنتجها، والعقود الاجتماعيّة التي تضمن الاستقرار، وأهمّ فعاليّاته توفير فُرص العمل المستدام والحفاظ على شبكات الأمان الاجتماعيّ. وهذا الفصل يُعززّه الخطاب الرائج الذي يَختزل الذكاء الاصطناعيّ في بُعده الأداتيّ كقوّة مُحايِدة.
غير أنّ هذا الإصرار على تمايُز الأدوات عن نتائجها الهيكليّة يؤدّي إلى تصوير تداعيات الذكاء الاصطناعيّ على أنّها مجرّد تحدّيات تنظيميّة عابرة أو زيادة عاديّة في نِسب البطالة. بينما تُشير الأرقام والتحوّلات البنيويّة إلى أنّ لعبة الإنتاجيّة بذاتها هي مجال صراعٍ على توزيع القوّة والفُرص؛ وهو ما يَستدعي تفكيك الأثر العميق لهذه التقنيّات على العمل والتوظيف في عالَمِنا العربي.
تُشير الدراسات التحليليّة الصادرة عن مؤسّساتٍ عالميّة إلى أنّ الوظائف في قطاعاتٍ ذات كثافةٍ عمّاليّة مرتفعة، كقطاعات التصنيع، والزراعة، والخدمات، مُعرَّضة في الأساس لخطرِ الأتْمَتة الشاملة، ما قد يترتَّب عليه موجات كبيرة وغَير مسبوقة من فقدان الوظائف التقليديّة.
هذا التحدّي يزداد تعقيداً لدى النَّظر إلى النقص الهيكلي والمُستمرّ في الكوادر المُؤهّلة في قطاعاتٍ حيويّة لا يُمكن الاستغناء عنها، ولاسيّما قطاع الرعاية الصحيّة. وتُشير تقديرات منظّمة الصحّة العالميّة إلى أنّه بحلول العام 2030، سيَبلغ العجز العالَمي في الأطبّاء والمُمرّضين والقابلات 9.9 مليون شخص، وذلك على الرّغم من توقّعاتِ إضافة 40 مليون وظيفة جديدة في القطاع الصحّي عالَميّاً خلال الفترة نفسها.
يَضع هذا التبايُن عبئاً مُضاعفاً على الدول التي لا تستطيع تأهيل كوادرها بالشكل الكافي لمُواكبة التطوُّرات التقنيّة اللّازمة حتّى في مجال الخدمات الأساسيّة كالصحّة. وفي ضوء هذه الهشاشة البنيويّة في سوق العمل التقليدي، تُطلّ التنبؤات الكميّة لتأثير الذكاء الاصطناعي على سوق العمل العالمي بتداعياتٍ قد تكون وخيمة بشكلٍ خاصّ على العالَم العربي. فبينما تُشير تقديرات "غولدمان ساكس Goldman Sachs" إلى إمكانيّة فقدان ما يقارب 300 مليون وظيفة بدوامٍ كامل على مستوى العالَم، تؤكّد دراساتٌ أخرى صادرة عن مؤسّساتٍ مرموقة على تعرُّض قطاعاتٍ واسعة لخطر الأتْمَتة المُتسارِعة.
وكانت دراساتٌ صادرة عن "فوربس Forbes" قد أشارت إلى توقّعات بحلول الذكاء الاصطناعي محلّ 2 مليون عامل في قطاع التصنيع بحلول العام 2025. كذلك، تكشف تقديرات "معهد ماكينزي العالَمي McKinsey Global Institute" إلى أنّه بحلول العام 2030 قد يَحتاج ما لا يقلّ عن 14% من الموظّفين على مستوى العالَم إلى تغيير حياتهم المهنيّة بشكلٍ جذريّ بسبب التقدُّم في مجال الرقْمنة والروبوتات والذكاء الاصطناعي. هذا التحوُّل يُنذِر بما يُمكن تسميته "البطالة البنيويّة" في مجتمعاتٍ عربيّة تعاني أساساً من نِسبِ بطالة مرتفعة، بخاصّة بين فئة الشباب التي تشكِّل أغلبيّة السكّان.
تحوُّلٌ جذريّ في بيئة العمل
وفي خضمّ هذه التحذيرات من البطالة البنيويّة، يُصبح التحوُّل الديموغرافي الذي يَشهده العالَمُ العربي حاليّاً نقطةَ ارتكازٍ جدليّة؛ إذ يَحمل في طيّاته فُرصاً هائلة وتحدّياتٍ كامنة في آنٍ واحد. فوِفقاً للأرقام الرسميّة، بلغَ عددُ سكّان المنطقة العربيّة حوالى 436 مليون نسمة في العام 2020، مسجلِّاً زيادة قدرها 81 مليون نسمة عن العام 2010. وتشير توقّعات الأُمم المتّحدة إلى أنّ عدد سكّان العالَم العربي قد يَصل إلى حوالى 520 مليون نسمة بحلول العام 2030، بزيادةٍ متوقَّعة قدرها 84 مليون نسمة.
ومع تزايُد نسبة الشباب في العديد من الدول العربيّة، يُصبح تحقيق "العائد الديموغرافي" مُمكناً من الناحية النظريّة؛ أي توظيف هذه الطّاقة البشريّة الهائلة في دفْع عجلة التنمية المُستدامَة، بخاصّة في المجالات التقنيّة الحديثة مثل الذكاء الاصطناعي التي تتطلَّب قوى عمل مؤهَّلة وقادرة على التفكير النقدي والابتكار. ومع ذلك، تُشير نسبة بطالة الشباب في العالَم العربي، التي تُعَدّ الأعلى عالميّاً (حوالى 27%) إلى أحد أبرز تجلّيات فشل النّظم التعليميّة والاقتصاديّة القائمة في استيعاب هذه الفئة. فقد تفاقمت هذه الظاهرة في فترة ما بعد جائحة كوفيد-19، مع وصول نسب البطالة بين الشباب إلى مستوياتٍ مقلقة، مثل 44% في العراق، وحوالى 35-37% في تونس والأردن. إلّا أنّ الفشل في تأهيل الشباب سيحوِّل "العائد الديموغرافي" إلى "عبء ديموغرافي" يُفاقِم مشكلات البطالة والفقر وعدم الاستقرار، الأمر الذي يُهدِّد النسيج الاجتماعي بالتمزُّق ويَدفع بالتوتّرات الداخليّة نحو نقطة اللّاعودة. وتتقاطع هذه المعالجة مع ما ذهبَ إليه سيمون جونسون ودارون أسيموغلو، الحائزان على جائزة نوبل في الاقتصاد عن العام 2024، في كتابهما "القوّة والتقدّم: صراعنا المُمتدّ لألف عام حول التكنولوجيا والازدهار"؛ حيث يؤكّدان أنّ مَسار التطوُّر التكنولوجي وأثره ليس حتميّاً مفروضاً، بل هو خيار سياسي واجتماعي يَخضع للتوجيه والمُساءلة. وفي هذا الإطار، يُحذّران من خطورة أن تُصبح هذه الأجندة التكنولوجيّة حِكراً على نخبة المبشّرين بالتكنولوجيا والمُستفيدين منها، ما يُعمِّق من التفاوتات ويقوِّض الإمكانيّة الجماعيّة لتوجيه مسار التحوّل لمصلحة العدالة الاجتماعيّة والاستقرار.
وإذا كان مَسار التطوُّر التكنولوجي خياراً سياسيّاً لا حتميّة، فما هي الآليّات الرقابيّة والمساءلة المؤسّسيّة التي يجب على الدول العربيّة إرساؤها لضمان ألّا تخدم أتْمَتة الوظائف النخبة المُنتفعة فقط، بل أن تُصبح أداةً لتوجيه العائد الديموغرافي نحو العدالة الاجتماعيّة واستدامة العقود الاجتماعيّة القائمة؟
لا يقف التحدّي بعامّة عند حدود إدارة الطّاقات الشبابيّة، بل تتضاعف المخاوف عند النّظر إلى التباين الهيكلي الكبير في مستويات التنمية والتأهيل بين الدول العربيّة ذاتها. فبينما تسعى دولٌ قليلة، مثل الإمارات العربيّة المتّحدة والمَملكة العربيّة السعوديّة، إلى تبنّي استراتيجيّاتٍ طموحة تَهدف إلى ريادة مجال الذكاء الاصطناعي وربط اقتصاداتها باقتصاد المعرفة العالمي، تعاني دولٌ أخرى من تخلُّف هيكليّ في البنية التحتيّة الرقميّة يُعيق قدرتها على مواكبة هذه الثورة التكنولوجيّة والتعامل مع تداعياتها.
هذا التبايُن يُنذر بتعميق الفجوة التنمويّة بين الدول العربيّة ذاتها على نحوٍ غير مسبوق، نتيجة تركُّز الثروة المعرفيّة في جيوبٍ جغرافيّة محدّدة. ولذلك، تُصبح مسؤوليّة الدول العربيّة المتقدّمة في هذا المجال مضاعفة؛ إذ يتوجّب عليها تجاوُز مفهوم التنافُس الإقليمي إلى تقديم الدّعم الاستراتيجي للدول الأقلّ نموّاً. هذا الدّعم يجب أن يتمثّل في برامج شاملة لتعزيز القدرات ونقْل المعرفة والتكنولوجيا، وذلك لضمان مُشارَكة فعّالة لجميع الدول العربيّة في بناء مستقبلٍ اقتصاديٍّ مُشترَك يَعتمد على الذكاء الاصطناعي، ويَحفظ لشعوبها كرامتها ويحقِّق لها الازدهار الاقتصادي المُتوازن.
ومع ذلك، فإنّ الإقرار بالتحدّيات الهيكليّة والتبايُن التنموي يَنبغي ألّا يَحجب حقيقةَ أنّ الذكاء الاصطناعي يُقرن إلى جوار مخاطره، بوجود فُرص هائلة للتحوّل من شأنها إيجاد أدوار عملٍ جديدةٍ ذات قيمةٍ مُضافة في مجالات التكنولوجيا المتقدّمة، وتحليل البيانات المعقّدة، والصناعات الإبداعيّة التي تتطلَّب مجموعةً مُختلفة من المهارات الإدراكيّة والتقنيّة. على الرّغم من المخاوف بشأن فقدان الوظائف التقليديّة، فمِن المتوقّع أن يُوجِد الذكاءُ الاصطناعي وظائفَ جديدة ومِهناً لم تكُن موجودة من قَبل، ولاسيّما في الصناعات التي يقودها الذكاءُ الاصطناعي نفسه. وتَشمل هذه الأدوار البحث والتطوير في مجال الذكاء الاصطناعي، وهندسة التعلُّم الآلي، وعلوم البيانات، والمجال الناشئ لأخلاقيّات الذكاء الاصطناعي وحوْكمته؛ وهي كلّها أدوار باتت مترسّخة في الدول الغربيّة بَعد طفرة الذكاء الاصطناعي في السنوات الماضية. وبالإضافة إلى خلْق الأدوار المعرفيّة المُختصّة، يُسهِّل الذكاءُ الاصطناعي أيضاً نموَّ اقتصاد العمل الحرّ (Gig Economy) والعمل عن بُعد في العالَم العربي؛ ما يُمثّل تحوُّلاً جذريّاً في بيئة العمل. تُمكّن المنصّاتُ التي تعمل بالذكاء الاصطناعي الأفرادَ من تقديم خدماتهم على أساسٍ مَرِن وقائمٍ على المشروعات القصيرة. ويُعَدّ هذا الاتّجاه مفيداً بشكلٍ خاصّ في البلدان التي تُعاني من ارتفاع معدّلات بطالة الشباب، حيث يُوفِّر فُرصاً بديلة لتوليد الدخل وتجاوُز القيود الجغرافيّة.
اقتصاد يقودُه الذكاء الاصطناعيّ
ومع استمرار الذكاء الاصطناعي في تحويل سوق العمل، ثمّة حاجة متزايدة لتحويل القوى العاملة وتطوير المهارات في العالَم العربي عَبْرَ استثماراتٍ ضخمة ومُستدامة. تَستثمر البلدانُ بشكلٍ متزايد في برامج التعليم والتدريب التي تُركِّز على الذكاء الاصطناعي والتقنيّات ذات الصلة، ما يضمن تزويد القوى العاملة بالمهارات اللّازمة للنجاح في اقتصادٍ يقوده الذكاءُ الاصطناعي. على سبيل المثال، تُشدِّد رؤية السعوديّة 2030 على أهميّة تطوير رأس المال البشري من خلال التعليم والتدريب في مجالات التكنولوجيا والمجالات ذات الصلة بالذكاء الاصطناعي.
إنّ أهميّة هذه الجهود الوطنيّة لا يُمكن فصلها عن الأثر الأعمق الذي يفرضه الصراع العالَمي على أسواق العمل؛ وعليه، وبناءً على تقرير صندوق النقد الدولي، يَبرز الذكاءُ الاصطناعي كتحدٍّ محوريّ أمام أسواق العمل العالميّة، حيث تُشير التقديرات إلى أنّ حوالى 40% من العمالة في العالَم مُعرَّضة للتأثُّر بتداعياته. وفي الوقت الذي يُتوقَّع فيه أن يُسهم الذكاءُ الاصطناعي في تعزيز أداء العمل البشري في بعض الحالات، فإنّ هذا التحوُّل التكنولوجي قد يقود أيضاً إلى استبدال عدد كبير من الوظائف، وبخاصّة في الاقتصادات المتقدّمة التي يُحتمل أن يتأثّر فيها نحو 60% من الوظائف. وعلى النقيض، لا يعني التخلُّف الظاهري للاقتصادات الناشئة والدول ذات الدخل المنخفض، بمعدّل تعرُّض يُقدَّر بنحو 40% و26% على التوالي، حصانة من الأثر الهيكلي للتحوُّل، بل يَعني تأخّراً في استيعاب الفُرص والانخراط الفاعل في مسار التحوُّل، وهو ما يُكرِّس تهميش هذه الاقتصادات في المُستقبل على نحوٍ أشدّ خطراً، لتبقى خارج حدود التنافُس المعرفي الذي تقوده النُّخبُ التكنولوجيّة العالميّة.
إجمالاً، إنّ مسار التطوُّر التكنولوجي للمنطقة العربيّة ليس حتميّةً مفروضة، بل إنّه خيار سياسي يتوقّف على قدرة الأنظمة على إرساء المُساءَلة المؤسّسيّة؛ وإلا سيتحوَّل العائد الديموغرافي إلى عبءٍ اجتماعي يكرِّس التهميش، لتبقى الأمّةُ خارج حدود المُنافَسة المعرفيّة.
*باحث في الديمُقراطيّة والتنمية الاقتصاديّة من مصر
________________
تعليق BETH
ما يطرحه الكاتب يتجاوز فكرة “فقدان الوظائف” إلى سؤال أعمق:
هل نحن أمام تطور تقني…
أم إعادة توزيع للقوة الاقتصادية؟
النقطة الجوهرية في الطرح تكمن في أن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد أداة،
بل عامل يعيد تشكيل سوق العمل، ويكشف ضعف البنية التعليمية والاقتصادية في كثير من الدول العربية.
لكن في المقابل،
لا يبدو المستقبل مظلمًا بالكامل.
فالفرص موجودة… لكنها مشروطة بـ:
- تأهيل حقيقي للكوادر
- إعادة بناء العلاقة بين التعليم وسوق العمل
- واستيعاب أن التحول التقني قرار سياسي… لا حتمية مفروضة
التحدي ليس في فقدان الوظائف فقط،
بل في:
من سيتأقلم… ومن سيتأخر؟
وهنا تتحدد الفجوة:
- دول تستثمر في الإنسان
- وأخرى تستهلك الزمن
خلاصة BETH
الذكاء الاصطناعي لن ينتظر أحدًا…
لكن طريقة التعامل معه هي ما سيحدد:
من يقود…
ومن يُقصى.