الحياد.. حين يتحول إلى خداع

news image

كتب: عبدالله العميره

في زمن الحروب، لا يُختبر الإعلام فقط..
بل يُفضح.

تحت شعار “ننقل الحدث كما هو”، تمارس بعض القنوات ما يبدو حيادًا،
لكنه في الحقيقة خلطٌ خطير بين الحقيقة والزيف.

تضع الاعتدال بجوار الانحراف،
والحقيقة بجوار الكذب،
ثم تقول: نحن محايدون.

وهنا تبدأ المشكلة.

 

نقل الحدث.. نصف الحقيقة

نعم، نقل الحدث كما هو جزء من المعادلة.
لكن هذا ليس كل شيء.

فالإعلام ليس كاميرا صامتة،
ولا ميكروفونًا مفتوحًا لكل صوت.

الإعلام الحقيقي هو:

نقل + فهم + تفسير

أما الاكتفاء بالنقل،
فهو تخلٍّ عن الدور… لا التزام به.

الحياد المضلّل

الحياد لا يعني أن تعطي الكذب نفس مساحة الحقيقة،
ولا أن تضع التضليل في مستوى الوقائع.

هذا ليس حيادًا…
هذا تضليل مغلّف بالمهنية.

الحياد الحقيقي هو:
أن تكون عادلًا في العرض،
لكن دقيقًا في التمييز.

المهنية.. ليست حيادًا أعمى

هناك فرق بين:

إعلام “حرفي” ينقل كل شيء
وإعلام “مهني” يعرف ماذا ينقل… وكيف يقدّمه

الحرفية تنقل الصوت،
لكن المهنية تفهمه.

الحرفية تعرض المشهد،
لكن المهنية تفسّره.

بعض الإعلام اليوم لا يكذب 
لكنه يساوي بين الصدق والكذب.

وهذا أخطر.

لأن الجمهور لا يُخدع فقط بما يُقال،
بل بما يُقدَّم له على أنه “متوازن”.

الإعلام الحقيقي لا يختبئ خلف الحياد…
بل يقف مع الحقيقة،
بهدوء… وبوعي… وبمسؤولية.

 

الحياد.. حين يتحول إلى خداع

هذا الوصف يخص من يدرك ما يفعل،
ويعرف كيف يخلط الحقيقة بالزيف تحت غطاء الحياد.

أما من لا يعي ما يقدّم،
فليس مخادعًا بالمعنى المقصود…
بل جاهل يمارس الخداع دون إدراك.

وهنا تكمن الخطورة:

أن يتساوى أثر الاثنين…
وإن اختلفت النوايا.

لذلك،
ينبغي الانتباه لهذا… وذاك.

 

خطاب تحليلي متكرر

في خضم التصعيد، لا يتشكل الوعي فقط بما يحدث 
بل بكيفية روايته.

وفي الخطاب الإعلامي الخليجي، تتكرر مفردات الدفاع، ونفي العدوان، والتأكيد على استهداف المواقع المدنية.
وهي رسائل مفهومة في سياقها… لكنها تطرح سؤالًا أعمق:

هل يكفي التوضيح؛ دون تفسير؟

يتكرر الخطاب ذاته:

نحن لا نبدأ العدوان
إيران تستهدف المدنيين
لا توجد قواعد لدينا

رسائل واضحة… لكنها متشابهة، تتكرر في البرامج الحوارية، وتدور في دائرة واحدة.
هذا الخطاب يخدم الطرف الإيراني ومن في فلكه؛ إذ يمنحهم ما لا يستحقونه من تضخيمٍ للقوة، وحضورٍ يتجاوز حجمهم الحقيقي.

وفي المقابل، يغيب:

تحليل النوايا
تفكيك سلوك الخصم
قراءة المسار القادم

ليتحول الخطاب من تفسير الواقع..إلى تكراره.

المشكلة لا تكمن في قلة المفكرين،
بل في ضعف صناعة الحوار.

هناك عقول قادرة على التحليل العميق،
لكنها تُحاصر بأسئلة سطحية، أو تُدار ضمن إيقاع إعلامي يفضّل الأمان على الفهم.

كما أن الخوف من التأويل، يدفع بعض الخطاب إلى الاكتفاء بالمعلومة الآمنة،
دون الانتقال إلى التحليل الذي يمنحها معناها.

وهنا تتشكل الفجوة:

إعلام يشرح موقفه..
لكنه لا يشرح المشهد.

الخطاب الدفاعي مهم…
لكن الاكتفاء به يترك فراغًا.

والإعلام الحقيقي لا يكتفي بنفي التهمة..
بل يفسر الواقع.

لأن الوعي لا يُبنى بالتكرار..
بل بالفهم.