صراع المعنى
من يصنع الرواية .. ومن يوجّه الوعي؟
قراءة في صناعة الرواية الإعلامية وتأثيرها في الحروب الحديثة
إرصد وتحليل | إدارة الإعلام الاستراتيجي – وكالة BETH
إشراف: عبدالله العميره
المقدمة
كيف يتعامل الإعلام الأمريكي والإسرائيلي مع الحرب؟
كيف يقرأها المحللون الغربيون والإسرائيليون؟
أين تتوحد الرؤية وأين تختلف، ولماذا؟
وما أثر ذلك على الرأي العام في الغرب وإسرائيل؟
وكيف يتعامل الإعلام الإيراني والموالون له مع الحرب؟
هذا التقرير يحاول تفكيك هذه الأسئلة من داخل المشهد الإعلامي نفسه، لا من خارجه، عبر قراءة مهنية دقيقة لأساليب التغطية، زوايا التحليل، وتأثيرها على الجمهور.
كيف يتعامل الإعلام مع الحرب؟
الإعلام الأمريكي: حرب تُقاس بالكلفة والمآل
لا يظهر الإعلام الأمريكي كجبهة واحدة، بل كمنظومة قراءات متنافسة.
التغطية في المؤسسات الكبرى ترتكز على ثلاثة محاور رئيسية:
الخطر الإقليمي واتساع رقعة الحرب
كلفة الطاقة وتأثيرها على الداخل الأمريكي
احتمالات التورط العسكري المباشر
الإعلام الأمريكي لا يروّج لفكرة “النصر السهل”، بل يربط الحدث دائمًا بسؤالين محوريين:
ما الكلفة؟ وما المخرج؟
وفي هذا السياق، يظهر انقسام داخلي واضح:
تيار يرى الحرب ضرورة لفرض الردع وكبح إيران
وتيار آخر يرى أنها مقامرة استراتيجية قد تتجاوز المصلحة الأمريكية
بمعنى أدق:
الإعلام الأمريكي يتعامل مع الحرب كاختبار مركب للردع والاقتصاد والشرعية السياسية.
الإعلام الإسرائيلي: تهديد واضح .. ونهاية ضبابية
الإعلام الإسرائيلي أكثر تماسكًا في تعريف التهديد، لكنه أقل تماسكًا في تعريف النهاية.
ينطلق من مسلّمة أساسية:
إيران تمثل تهديدًا استراتيجيًا مباشرًا،
وبالتالي تسود في البداية لغة التعبئة الأمنية.
لكن داخل هذا الإطار، تظهر تساؤلات حادة:
هل الهدف إضعاف القدرات أم إسقاط النظام؟
هل هناك خطة لليوم التالي؟
هل ما يُعرض للجمهور كامل أم خاضع للرقابة؟
هل تقود الضربات إلى أمن مستدام أم إلى استنزاف طويل؟
الخلاصة:
الإعلام الإسرائيلي موحّد في تعريف العدو، لكنه منقسم في تعريف النجاح.
كيف يقرأ المحللون الحرب؟
المحللون الغربيون والإسرائيليون ليسوا كتلة واحدة، بل تيارات تحليلية متعددة:
تيار يرى أن الحرب تهدف إلى احتواء البرنامج النووي والصاروخي الإيراني، ومنع توسع النفوذ الإقليمي.
تيار يرى أن الحرب تتجاوز الأهداف العسكرية إلى أهداف سياسية كبرى، وقد تتحول إلى عبء اقتصادي وجيوسياسي.
تيار يبرز فجوة الأهداف بين واشنطن وتل أبيب:
الولايات المتحدة تميل إلى أهداف محدودة وقابلة للإدارة،
بينما تميل بعض الدوائر الإسرائيلية إلى أهداف أوسع قد تصل إلى تغيير النظام.
هل توجد وحدة في الرؤية؟
وحدة في تعريف الخطر
هناك اتفاق واسع بين الإعلام والمحللين في الغرب وإسرائيل على أن الحرب مرتبطة بثلاثة ملفات:
البرنامج النووي الإيراني
الصواريخ
النفوذ الإقليمي
كما يوجد إدراك مشترك بأن الحرب ليست محلية، بل أزمة دولية تمس الطاقة والممرات والتحالفات.
اختلاف في تعريف النهاية
لكن بعد هذا الاتفاق، تبدأ الفروق الجوهرية:
في الولايات المتحدة:
الجدل يدور حول الكلفة والشرعية وحدود التدخل،
مع تركيز واضح على أثر الحرب على المواطن (الوقود، الاقتصاد، الجنود).
في إسرائيل:
الجدل يدور حول كيفية إنهاء الحرب،
مع تركيز على تحقيق الأمن حتى لو تطلب الأمر تصعيدًا أطول.
لماذا هذا الاختلاف؟
موقع الدولة من الحرب يلعب دورًا حاسمًا:
إسرائيل ترى الحرب تهديدًا مباشرًا لأمنها،
بينما تراها الولايات المتحدة أزمة خارجية ذات تأثير داخلي.
طبيعة الجمهور مختلفة:
الجمهور الإسرائيلي أكثر تقبّلًا للحرب ضمن ذاكرة أمنية طويلة،
بينما الجمهور الأمريكي أكثر حساسية للكلفة الاقتصادية والبشرية.
وظيفة الإعلام تختلف كذلك:
الإعلام الإسرائيلي يعمل ضمن مساحة أقرب إلى الأمن والتعبئة،
بينما يعمل الإعلام الأمريكي ضمن مساحة أوسع من الجدل السياسي والاقتصادي.
قياس الأثر على الرأي العام
في إسرائيل، يظهر مستوى تعبئة مرتفع مع قلق كامن:
دعم واسع للحرب في بدايتها،
وثقة عالية في ضرورتها الأمنية،
لكن مع تساؤلات متزايدة حول طولها ومآلاتها.
في الولايات المتحدة، يسود انقسام وتوجّس:
تأييد أقل للحرب،
رفض واضح لتوسيعها أو إرسال قوات برية،
وربط مباشر بين الحرب وارتفاع التكاليف المعيشية.
تقييم
الإعلام الأمريكي قوي في تحليل الكلفة والسياق،
لكنه أقل تفاعلًا مع البعد الأمني الوجودي.
الإعلام الإسرائيلي قوي في صياغة التهديد والتعبئة،
لكن مساحته النقدية تضيق في لحظات التصعيد.
الخلاصة
الإعلام الأمريكي والإسرائيلي لا يرويان القصة نفسها…
حتى عندما يصفان الحدث ذاته.
الإسرائيلي يقول:
هذه حرب ضرورة… كيف نربح؟
الأمريكي يقول:
هذه حرب خطرة… كم ستكلفنا؟
أما الحقيقة الأعمق:
ليست هناك وحدة كاملة في الرؤية،
بل وحدة في تعريف الخطر، واختلاف في تعريف النهاية.
وهنا تتشكل الروايات…
وهنا يُصاغ وعي الشعوب.
رواية إعلام طهران .. والموالين لها
إذا كان الإعلام الأمريكي يقيس الحرب بالكلفة، والإسرائيلي يقيسها بالأمن…
فكيف يراها الإعلام الإيراني؟
وهل يقدم رواية موحدة… أم يصنع رواية ويطلب من جمهوره أن يعيش داخلها؟
عرض الرواية الإيرانية
الإعلام الإيراني – الرسمي وشبه الرسمي – لا يتعامل مع الحرب كحدث عسكري فقط،
بل كسردية كبرى متكاملة.
تُقدَّم إيران في موقع القوة لا الدفاع،
حيث تُعرض الضربات كأفعال محسوبة ومدروسة،
مع التركيز على القدرة على الاستمرار وسرعة التعافي.
كما تُقدَّم الحرب كجزء من صراع أوسع،
يتجاوز إسرائيل ليشمل الولايات المتحدة و"الهيمنة الغربية"،
لتتحول من حدث عسكري إلى قضية أيديولوجية.
ولا يُنظر إلى تعدد الجبهات كعبء،
بل كدليل على الامتداد والنفوذ،
حيث تُعرض الساحات المختلفة كدوائر تأثير لا مناطق استنزاف.
وهكذا يبقى الإعلام الإيراني داخل هذه الدائرة،
لأن سرديته قائمة على الشرعية الأيديولوجية للامتداد، لا على حسابات الكلفة الواقعية.
رواية الموالين لإيران
الرواية لا تُنقل فقط، بل تُعاد صياغتها حسب الجمهور.
في المنطقة العربية، يبرز خطاب “المقاومة”،
مع تصوير إيران كداعم لا كمحرّك.
في الغرب، تبرز روايات نقدية تركز على ازدواجية المعايير الغربية،
وتسلّط الضوء على الخسائر الإنسانية.
وفي الإعلام الحليف، يُعاد إنتاج الرواية مع تخفيف الطابع الأيديولوجي،
وزيادة الطابع الإنساني أو الحقوقي.
تحليل
الإعلام الإيراني لا يصف الحرب… بل يعيد تعريفها.
بعكس الإعلام الأمريكي الذي يحلل، أو الإسرائيلي الذي يبرر،
فإن الإعلام الإيراني يعيد بناء الواقع نفسيًا قبل نقله خبريًا.
يعتمد على الانتقائية في عرض الأحداث،
ويجمع بين الخبر والعقيدة،
ويصنع المعنى قبل اكتمال الحدث.
تقييم (نقاط القوة والقصور)
وضوح الرسالة سمة بارزة،
لكنه لا يعكس بالضرورة تنوعًا في الفهم،
بل انضباطًا في تنفيذ سردية مركزية.
السردية ثابتة، ما يمنحها تأثيرًا داخليًا،
لكنها أقل مرونة في التفاعل مع المتغيرات.
التعبئة ناجحة لدى الجمهور المؤيد،
لكنها لا تمتد إلى جميع الفئات،
حيث تبدي شريحة واسعة، خصوصًا من الشباب، قدرًا من الشك وضعف الثقة.
وفي المقابل، يعاني من ضعف التعددية،
واتساع الفجوة بين الواقع والرواية،
والاعتماد على خطاب أيديولوجي يحد من انتشاره عالميًا.
قياس الأثر والتأثير
داخل إيران، يعزز الصمود ويخفف من أثر الصدمات،
لكنه قد يخلق فجوة بين الواقع وما يُقدَّم إعلاميًا.
عند الموالين، يحقق تعبئة مؤقتة،
ويعزز الانتماء لفكرة المواجهة.
في الغرب، تأثيره محدود على الجمهور العام،
لكنه حاضر داخل دوائر الإعلام البديل والنشطاء والتيارات الناقدة.
تُروَّج هذه الرواية عبر متعاطفين ومنصات بديلة وشبكات رقمية،
بدوافع تتراوح بين القناعة السياسية والرغبة في كسر السائد.
ورغم ضعفها، فإنها تنتشر عندما تجد جمهورًا يبحث عما يخالف الرواية الرسمية.
أما الإعلام العربي..
يقف في مساحة بين النقل والتأثر،
أكثر من كونه صانعًا للرواية.
ففي كثير من حالاته، لا ينتج سرديته الخاصة،
بل يعيد تدوير روايات الآخرين،
مع اختلاف في الزاوية لا في الأصل.
وبين إعلامٍ يتبنّى الرواية الغربية،
وآخر يقترب من الخطاب الإيراني،
يبقى الصوت العربي متذبذبًا بين الانحياز والتردد،
وأقل حضورًا في تشكيل المعنى العالمي للحرب.
الإعلام العربي لا ينقصه الحدث…
بل ينقصه امتلاك الرواية.
ورغم ذلك، بدأت تظهر محاولات محدودة للخروج من هذا النمط،
تسعى إلى بناء خطاب مختلف،
لا يكتفي بنقل ما يحدث… بل يحاول تفسيره.
هذا النمط لا ينطلق من “ماذا قيل؟”
بل من “كيف نفهم ما قيل؟”،
ولا ينحاز لرواية جاهزة،
بل يعمل على تفكيك الروايات وإعادة تركيبها،
ويخاطب جمهورًا يتجاوز الإطار المحلي إلى أفق عالمي.
الخلاصة
الإعلام الإيراني لا ينافس في سرعة الخبر…
بل في ثبات الرواية.
لا يسأل: ماذا حدث؟
بل يقول: ماذا يجب أن يعني ما حدث؟
وبينما يبحث الإعلام الأمريكي عن الكلفة،
ويركز الإعلام الإسرائيلي على الأمن…
يعمل الإعلام الإيراني على شيء مختلف تمامًا:
أما الإعلام العربي… فلا يزال في كثير من حالاته يبحث عن موقعه بين هذه الروايات، أكثر من سعيه لامتلاك روايته الخاصة…
ويبقى الحكم النهائي لوعي المتابع.