من يدير البوصلة؟
بين الوعي المصنوع.. والاتجاه المسروق
قراءة في تأثير المستشار الإعلامي والسياسي على بوصلة القرار
كتب: عبدالله العميره
مدخل
ليست كل الهزائم تبدأ من الحدود…
بعضها يبدأ من غرفة الأخبار،
ومن مكتب المستشار الوافد،
ومن زاوية ضيقة داخل مؤسسة يُفترض أنها تحمي الوعي… فإذا بها تُعاد برمجتها من الداخل، كما يُراد لها من الخارج.
فالحروب لا تُحسم في الميدان فقط… بل في العقول أيضًا؛
وقد ينتصر طرف عسكريًا… ويُهزم إعلاميًا، فيخسر ما ظنّ أنه كسبه.
في الأوقات الحساسة، لا يكمن الخطر فقط في هجوم العدو الظاهر من الخارج،
بل في نجاحه في الوصول إلى قلب صانع الإعلام والقرار،
عبر أفراد، أو شبكات غير وطنية، معروفة بمواقفها العدائية تجاه الخليج والخليجيين، وجدت فرصة في بيئات مؤسسية رخوة،
تسمح بتحويل البوصلة من حماية المصالح العليا… إلى خدمة رواية مضادة؛
أحيانًا عن قصد، وأحيانًا نتيجة ضعف في التقدير،
وأحيانًا نتيجة اختراق ناعم يتسلل تحت عناوين الخبرة والمهنية والانفتاح.
كيف يصل الاختراق إلى قلب المؤسسة؟
الاختراق الحقيقي لا يأتي دائمًا عبر عميل صريح أو ولاء معلن،
بل غالبًا عبر ثلاث بوابات:
أولًا: بوابة الكفاءة غير المفحوصة
يُستقدم أشخاص بحجة الخبرة، دون فحص وعيهم الاستراتيجي، أو تصورهم للمصالح العليا، أو انحيازاتهم العميقة.
ثانيًا: بوابة الاستشارة
بعض المؤسسات لا تُخترق من المحرر أو المذيع فقط، بل من “المستشار” الذي لا يظهر على الشاشة، لكنه يوجّه اللغة، ويصوغ الأولويات، ويقرر ما الذي يُبرز وما الذي يُخفى.
ثالثًا: بوابة الحرية غير المؤطرة
حين تُفهم المهنية على أنها حياد بلا وعي، أو انفتاح بلا حماية، تصبح المؤسسة سهلة التوجيه من داخلها… دون أن تشعر.
لماذا تصبح بعض المؤسسات سهلة الاختراق؟
ليست المسألة دائمًا مؤامرة كاملة…
أحيانًا تكون قابلية داخلية للاختراق، تظهر حين تجتمع عدة عوامل:
- ضعف تعريف المصلحة الوطنية إعلاميًا
- غياب فلسفة تحريرية صارمة في القضايا المصيرية
- الخلط بين التنوع المهني والانفلات الاستراتيجي
- الاعتماد على الأشخاص أكثر من الأنظمة الرقابية
- تقديس “الاسم الكبير” حتى لو كانت بوصلته مضطربة
- ضعف المتابعة بعد التوظيف، لا قبله فقط
بمعنى أوضح:
المؤسسة لا تُخترق فقط لأن خصومها أذكياء…
بل أحيانًا لأنها غير محصّنة بما يكفي.
هل يمكن أن يُدار الإعلام عكس مصالح الدولة؟
نعم… ولكن بأساليب لا تبدو صدامية في ظاهرها.
لا يلزم أن يقول أحد: “أنا ضد هذه الدولة”،
يكفي أن يحدث الآتي:
- تضخيم أخطاء طرف، وتخفيف عدوان طرف آخر
- اختيار ضيوف بلون واحد
- تقديم الاعتداء على الحليف أو الجار كأنه هامش
- إظهار العدو في صورة “الرد الطبيعي”
- إعادة ترتيب الأولويات بحيث يبدو المهدِّد أقل خطرًا من المتضرر
- صناعة تعاطف انتقائي يوجّه الوعي بالتدريج
هنا لا يكون الإعلام كاذبًا بالضرورة…
لكنه قد يكون مُدارًا باتجاه يخدم خصمًا استراتيجيًا.
أين تكمن الخطورة الأكبر؟
الخطورة ليست فقط في نشر رواية منحازة،
بل في تطبيع الانحياز داخل الوعي المؤسسي.
أن تتحول اللغة المنحرفة إلى لغة “طبيعية”،
وأن يصبح الدفاع عن الدولة أو المجتمع أو الخليج تهمة ضمنية،
بينما يُقدَّم التخفف من هذه الأولويات على أنه “مهنية”.
هنا يبدأ المرض الحقيقي:
حين تفقد المؤسسة قدرتها على التمييز بين الحياد والتسييل،
وبين المهنية والبرود الأخلاقي.
هل المشكلة في الجنسيات؟
هنا يجب أن نكون دقيقين جدًا.
المشكلة ليست في الجنسية، ولا في الانتماء، ولا في شعب بعينه…
التعميم يظلم، ويُضعف التحليل.
المشكلة في شيء واحد:
كيف يفكر هذا الشخص؟
ولمن تميل بوصلته؟
وكيف يتصرف حين تختبره الأزمات؟
لماذا يمتد الأمر إلى السياسة؟
لأن الإعلام والاستشارة ليسا هامشًا في الدولة الحديثة.
من يصوغ اللغة… يصوغ الفهم.
ومن يصوغ الفهم… يؤثر في القرار.
ومن يتسلل إلى دائرة التفسير… قد يصل إلى دائرة التوجيه.
ولهذا تبدأ بعض الاختراقات من:
استشارات… مراكز تفكير… غرف تحرير… لجان تقدير… شبكات علاقات ناعمة،
ثم تتحول إلى نفوذ يضغط على القرار نفسه.
الخلاصة
الاختراق لا ينتصر لأن العدو خارق…
بل لأن بعض المؤسسات تنام مطمئنة إلى أسمائها، لا إلى أنظمتها.
ولا تُحمى الدول الحساسة بالشعارات…
بل بـ:
- وضوح فلسفة المصلحة العليا
- فرز دقيق للمواقع الحساسة
- رقابة احترافية لا انتقامية
- تقييم مستمر للخطاب وصنّاعه
- وعي مؤسسي يميّز بين التنوع… والتسلل
خاتمة
ليست كل يدٍ تمتد إلى مؤسسة… تريد خدمتها.
بعضها يأتي ليعمل…
وبعضها يأتي ليُميل البوصلة قليلًا…
ثم قليلًا…
حتى تكتشف المؤسسة متأخرة…
أنها لم تعد تسير في اتجاهها.
ما حدث خلال الأسابيع الأخيرة في بعض المنصات الإعلامية الإقليمية،
يكشف كيف يمكن للمؤسسة أن تنزلق تدريجيًا من نقل الحدث.. إلى إعادة صياغته.