إعلام الأزمات

news image

كتب: عبدالله العميره

مقدمة: حين تتحول الحقيقة إلى ساحة حرب

في زمن الأزمات، لا يكون الصراع بين الجيوش فقط..
بل بين الروايات.

فالحرب الحديثة لا تُخاض بالسلاح وحده، بل تُدار بالعقل، وتُحسم أحيانًا في غرفة تحرير قبل أن تُحسم في الميدان.

هنا يظهر ما يُعرف بـ “إعلام الأزمات”
ذلك النوع من الإعلام الذي لا ينقل الحدث فقط، بل يُعيد تشكيله، ويختار زاوية رؤيته، ويحدد كيف سيفهمه العالم.

السؤال ليس: ماذا حدث؟
بل: كيف قُدِّم .. ولماذا بهذه الطريقة؟

 

 ما هو إعلام الأزمات؟

إعلام الأزمات هو الإعلام الذي يعمل في بيئة مشحونة بالضغط، حيث تتداخل السياسة مع الأمن، والعاطفة مع المعلومة.

هو إعلام يقوم على ثلاث وظائف رئيسية:

إدارة الإدراك: كيف يفهم الجمهور الحدث
توجيه المشاعر: الخوف، الغضب، التعاطف
بناء السردية: من هو الضحية؟ ومن هو المعتدي؟

ببساطة:
إعلام الأزمات لا ينقل الحقيقة فقط ؛  بل يصنع “نسخة مقبولة” منها.

 

 كيف تعامل الإعلام مع الحروب الكبرى؟

الحرب العالمية الثانية: ميلاد الدعاية الحديثة

برز اسم جوزيف غوبلز كأحد أخطر العقول الإعلامية في التاريخ.

تميّز إعلامه بـ:
تكرار الرسالة حتى تتحول إلى “حقيقة”
اللعب على العاطفة لا العقل
صناعة عدو واضح ومبسط

الدرس الأخطر:
الكذبة الكبيرة إذا قُدمت باحتراف… تُصدَّق.

 

إعلام صدام حسين: القوة الصوتية بلا تأثير عميق

في عهد صدام حسين، اعتمد الإعلام على:

الخطاب التعبوي المباشر
المبالغة في القوة والانتصار
تجاهل الواقع الميداني

النتيجة:
صوت عالٍ ؛  لكن ثقة منخفضة.

 

 إعلام الأزمات اليوم .. من يقود الرواية؟

1. إعلام الحرس الثوري الإيراني

يعتمد على:

المظلومية + القوة (مزيج)
محاولة توظيف الدين 
بناء “عدو خارجي دائم”
استخدام منصات غير رسمية لنشر الرسائل

هو إعلام  يقول من أجل تحريك الشارع الفارغ من التفكير.

2. الإعلام الأمريكي
يعتمد على الشرعية الدولية
يلبس العمليات العسكرية غطاءً أخلاقيًا
يستخدم مراكز أبحاث لتوجيه السردية

هو إعلام “مقنع”، أكثر منه “صاخب”.

3. الإعلام الإسرائيلي

يركز على:

سرعة الرواية (الأسبقية)
تقديم نفسه كضحية حتى وهو يهاجم
استخدام متحدثين يحاولون الدخول إلى  العقلية العربية ،   مثل إيدي كوهين

ويمتاز بـ:
الهجوم الإعلامي الاستباقي

4. الإعلام العربي

ينقسم إلى ثلاثة تيارات:

  1. إعلام مهني يحاول التوازن
  2. إعلام عاطفي يخاطب ذاته ينجرف بدون توازن ولا تفكير في المآلات
  3. إعلام موجّه؛ يعمل لصالح أطراف خارجية

 

الإعلام الناصري: صوت بلا واقع

في تجربة Gamal Abdel Nasser، لم يكن الإعلام ناقلًا للحدث، بل آلة تعبئة جماهيرية، تعتمد على الصوت أكثر من المعلومة، وعلى الحماسة أكثر من التحليل.

تميّز هذا النموذج بـ:
تضخيم الخطاب القومي حتى يتحول إلى يقين
صناعة عدو مبسط يُغذي العاطفة
تكرار الشعارات حتى تصبح بديلاً عن الواقع
إقصاء النقد لصالح الإجماع

فالهدف لم يكن إقناع العقل… بل تحريك الجماهير.

بلغ هذا الإعلام ذروته قبيل وبعد نكسة 1967، حين استمر خطاب الانتصار… بينما كانت الهزيمة تتشكل على الأرض.

وهنا ظهرت أخطر فجوة في إعلام الأزمات:
الفجوة بين الرواية والواقع… وكلما اتسعت، سقطت الثقة.

لم تكن التجربة محلية، بل تحولت إلى نموذج ممتد في الإعلام العربي، كرّس:

الصوت العالي بلا حُجّة.. إعلام نرجسي متضخّم
الشعار بدل المعلومة
العاطفة بدل التحليل

واليوم، لم يختفِ هذا النمط.. بل تغيّر شكله.

يظهر في:
برامج حماسية بلا مضمون
منصات تعيد إنتاج الشعارات دون تحقق
محتوى يخاطب الذات المأزومة ،  ويلقي بها إلى الجمهور المتابع للفضاء العربي والعالمي !

حيث ما زال:
الصوت العالي يُفهم كقوة..
والشعار يُقدَّم كوعي.

الإعلام الناصري لم يكن مجرد مرحلة…
بل إرثًا غير معلن في بنية الإعلام العربي.

خلاصة :
إذا كان إعلام غوبلز قد علّم العالم كيف تُصنع الكذبة…
فإن الإعلام الناصري علّم المنطقة كيف تُحب الكذبة عندما تُقال بصوت جميل.

ما تغيّر في الإعلام الناصري هو المنصات… لا الخطاب؛ انتقل من جمهور محلي محدود إلى فضاء مفتوح، لكنه حمل معه الأسلوب ذاته، فتحوّل من أداة تأثير… إلى مادة للسخرية.

بمعتى :
تغيّر المكان.. وبقي الصوت.

 لماذا يعمل بعض الإعلام العربي لصالح إيران؟

السؤال ليس صادمًا؛ بل واقعي.

الأسباب:
فراغ إعلامي احترافي.. وعقليات مشحونة بالكراهية
ضعف الفهم الاستراتيجي للإعلام
الانبهار بالرواية “المظلومة”
اختراقات منظمة

 

بعض المؤسسات لا تدرك أنها لا تنقل الخبر..
بل تُعاد صياغتها كأداة داخل رواية أخرى.

 

 الغرف المظلمة.. من يدير العقول؟

في كل أزمة، هناك ما يمكن تسميته بـ “غرف صناعة الرواية”.

هذه الغرف لا تُعلن عن نفسها، لكنها موجودة:

في طهران: حيث تُبنى الرواية على العقيدة والرمزية
في بعض العواصم العربية: حيث يُعاد إنتاج الرواية دون وعي
في إسرائيل: غرف نشطة إعلاميًا يقود بعضها شخصيات مثل إيدي كوهين.

هذه الغرف تعمل على:

ضخ الرسائل
توجيه النقاش
صناعة “ترندات” تخدم أهدافًا محددة

 

 ماذا بعد انكسار إيران؟

إذا انهار نموذج “الإعلام العقائدي المُسيّس (الإعلام المؤدلج)” الإيراني، فسنكون أمام مرحلة جديدة:

سقوط الروايات المبنية على الخرافة
انكشاف أدوات التضليل
إعادة تشكيل الخريطة الإعلامية في المنطقة

 السؤال الأهم:

هل سيتغير الإعلام.. أم تتغير الأدوات فقط؟

 

الخاتمة: 

المعركة القادمة.. معركة وعي.

ليست بين دول فقط..
بل بين عقل يفهم.. وعقل يُقاد.

إعلام الأزمات لن ينتهي..
لكنه سيتغير.

والسؤال الذي سيحدد المستقبل:

هل نملك إعلامًا يفهم الجمهور..
أم إعلامًا يريد فقط أن يُسمَع؟

في زمن الأزمات..
أخطر سلاح ليس الصاروخ..
بل الرواية التي تسبقه.