في ظلال الحرب..تبدو حقائق

news image

كتب: عبدالله العميره

في أزمنة الهدوء، تستطيع الشعارات أن تعيش طويلًا.
أما في أزمنة الحرب، فإن النار لا تحرق المدن فقط.. بل تحرق الأقنعة أيضًا.

الحرب الدائرة اليوم لا تكشف فقط حجم الصراع العسكري، بل تكشف أيضًا ما يختبئ خلفه من أسرار ورغبات غير منضبطة للتمدد في المنطقة، وتكشف ما هو أخطر:
خرائط المشاعر الزائفة، والتحالفات المؤقتة، والعداوات التي كانت تختبئ خلف اللغة والدين والقومية والمجاملة السياسية.

لقد اعتاد كثير من العرب، لعقود طويلة، على صورة ذهنية تختصر العداء في عنوان واحد، وكأن المنطقة تُدار بثنائية مبسطة.
لكن الحروب الكبرى لا تحترم هذه الاختصارات..
بل تفرض قراءة أكثر قسوة، وأكثر صدقًا.

في هذه الحرب، لم يظهر فقط وجه العدو التقليدي،
بل ظهرت وجوه أخرى من التوتر والخصومة…
بعضها كان يتحرك في الظل، وبعضها كان يتخفى وراء شعارات فقدت معناها، لكنها بقيت حيّة في عقولٍ لم تُراجع الواقع.

وهنا تصبح المرارة أعمق.
فالخصومة حين تأتي من بعيد يمكن فهمها…
أما حين تأتي من قريبٍ في اللغة، أو من شريكٍ في الجغرافيا، أو من خطابٍ كان يُفترض أن يوحّد…
فإنها تكون أشد وقعًا.

ولذلك لم يكن عبثًا أن يقول طرفة بن العبد:

وظلمُ ذوي القربى أشدُّ مضاضةً
على المرءِ من وقعِ الحسامِ المهنّدِ

لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس أدبيًا فقط… بل سياسي ووجودي أيضًا:
لماذا ننتظر الشدائد حتى نعرف؟
ولماذا نؤجل مراجعة البوصلة… حتى تفرض الحرب درسها بالقوة؟

روسيا.. درس المصالح

ومن هنا تبرز دلالة الموقف الروسي، كمثال لا يمكن تجاوزه اليوم.

فإعلان موسكو وقوفها إلى جانب طهران، بوصفها “شريكًا موثوقًا”، لا يعني بالضرورة ما توحي به اللغة السياسية.
فروسيا، كما تكشف الوقائع، تدعم إيران سياسيًا، لكنها لا تربط نفسها معها بتحالف دفاعي مُلزم، ولا تبدو مستعدة لدفع أثمان غير محسوبة.

ما نراه هنا ليس تناقضًا ؛  بل اتساقًا مع منطق الدولة.

روسيا تتصرف كقوة:

تستثمر في استنزاف خصومها

تستفيد من اضطراب الطاقة

وتحافظ على علاقاتها؛ دون أن تتجاوز حدود المصلحة

هي لا تتحرك بعاطفة الحليف،
بل بحسابات الدولة.

وهنا تظهر الحقيقة الأهم:
السياسة لا تُدار بالصداقة ؛  بل بالمصالح.

الخليج..لحظة التحول

وفي المقابل، كشفت الحرب حقيقة لا تقل أهمية:
أن دول الخليج لم تعد ذلك الهامش الذي يُقرأ من الخارج،
بل أصبحت عنصرًا فاعلًا في معادلة الاستقرار الإقليمي.

لقد ظهرت قوتها التي كان البعض يجهلها… أو لا يتوقعها.
وأظهرت دول الخليج – وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية – قوةً لا يُستهان بها،
قوة لم تتشكل من رغبات طائشة،
بل صُنعت بعقلٍ حكيم، ورؤية بعيدة، ووعي عميق.

قوةٌ لم تكن يومًا أداة اعتداء…
ولا سببًا لخلخلة الاستقرار،
بل عامل توازنٍ يحميه.

فالقوة الحكيمة هي وحدها التي يُوثق بقدرتها على إنهاء الصراعات لصالحها،
مهما تعقّدت الظروف أو طال أمد المواجهات…
لأنها تدرك أن العبرة ليست في البدايات ؛  بل في النهايات.

ومشكلة كثيرين أنهم لا يعرفون تاريخ المملكة،
ولا يفهمون كيف تُدار المواجهة مع الخصوم؛ بهدوءٍ محسوب، لا بانفعالٍ عابر.

إدارة التوازن، وحماية الملاحة، وضبط الإيقاع..
ليست مجرد إجراءات،
بل مؤشرات واضحة على تحول نوعي في موقع القوة والدور.

من موقع اقوةالتأثير.

بوصلة مختلفة

ومن هنا قد تبدأ بوصلة جديدة.

ليس نحو سلامٍ طارئ، متعجّل، أو طائش لا معنى له،
ولا نحو استسلامٍ للأمر الواقع،
بل نحو سلام يقوم على التوافق على المصالح، واحترام موازين القوة، وفهم ترابط أمن المنطقة.

سلام لا تصنعه الشعارات… ولا تُبنى عليه المخططات الوهمية،
بل يصنعه الوعي.

ما بعد الحرب

قبل الحرب ؛  كان التخطيط يستند إلى معطيات تقليدية.
وبعدها ؛ بدأت معطيات جديدة تُعيد تشكيل المعادلات.

إذا انتهت الحرب بإعادة تشكيل الداخل الإيراني،
فنحن لا نتحدث عن تغيير دولة…
بل عن إعادة رسم الإقليم.

تراجع دور الوكلاء

صعود دور الدول

إعادة تعريف التحالفات

حيث لم يعد السؤال:
من هو العدو؟

بل:
من هو الشريك.. وفي أي حدود؟

الخلاصة

في ظلال الحرب،
تتضح الحقائق أكثر مما تُصنع.

ربما لم تنتهِ الحرب بعد…
لكنها، بلا شك، بدأت تُنهي كثيرًا من الأوهام.

الحرب لم تغيّر الواقع..
بل أجبرت الجميع على رؤيته كما هو.