من الشاه إلى الملالي .. وماذا بعد؟
إعداد وتحليل | إدارة الإعلام الاستراتيجي – وكالة BETH
إشراف : عبدالله العميره
مقدمة
حين عاد الخميني إلى طهران في الأول من فبراير 1979 على متن طائرة فرنسية، قادما من باريس، لم تكن تلك مجرد عودة رجل من المنفى، بل بداية انقلاب عميق في طبيعة الدولة الإيرانية، وفي توازنات المنطقة، وفي شكل التوتر بين الدين والسلطة، وبين الثورة والدولة.
بسقوط حكم الشاه، لم تنتهِ أزمة إيران؛ بل بدأت أزمة من نوع آخر.
أزمة لم تبقَ داخل الحدود الإيرانية، بل امتدت إلى الخليج، والعالم العربي، والغرب، وأسواق الطاقة، وشبكات النفوذ، والحروب بالوكالة.
ومنذ ذلك التاريخ، ظل سؤال معلقًا فوق المنطقة:
هل كان صعود نظام الملالي خطأً دوليًا؟
وهل كان الصبر الطويل عليه عجزًا ، أم حسابًا للمصالح؟
والسؤال الأهم:
إذا انتهى هذا الفصل، فهل تعود إيران إلى أحد نموذجين قديمين، أم تدخل فصلًا ثالثًا مختلفًا تمامًا؟
أولًا: هل كان وصول نظام الملالي خطأً دوليًا؟
من الناحية التاريخية البحتة، يمكن القول إن ما حدث لم يكن “خطأً بسيطًا” بقدر ما كان سوء تقدير دولي كبير.
الولايات المتحدة والغرب نظروا في لحظة سقوط الشاه إلى إيران من زاوية ضيقة:
نظام متآكل، غضب شعبي، فساد، قمع، ومعارضة تبدو قادرة على تعبئة الشارع.
لكن كثيرين لم يقدّروا بما يكفي أن إسقاط الشاه لن ينتج بالضرورة نظامًا وطنيًا حديثًا، بل قد ينتج دولة أيديولوجية عقائدية معقدة، تعتبر تصدير الإرهاب جزءًا من هويتها.
بمعنى آخر:
العالم لم يخطئ فقط في قراءة ضعف الشاه، بل أخطأ أكثر في قراءة طبيعة البديل.
وهنا يكمن الفارق الحاسم:
سقوط نظام استبدادي لا يعني تلقائيًا ولادة نظام أفضل.
أحيانًا يسقط استبداد تقليدي؛ ليصعد استبداد أكثر في القمع، والعبث، وأكثر قدرة على الاحتماء بالشعارات.
ثانيًا: لماذا صبر العالم، وخصوصًا أمريكا، على العبث الإيراني؟
هذا السؤال مهم، لأن الصبر الطويل لا يُفسَّر غالبًا بالعجز وحده، بل بمزيج من المصلحة والخوف والحسابات المعقدة.
أمريكا لم تكن دائمًا عاجزة عن ردع إيران، لكنها كثيرًا ما كانت لها سياسات، و ترى أن احتواء السلوك الإيراني أقل كلفة من تفجير إيران نفسها.
لأن البديل لم يكن واضحًا.
هل إسقاط النظام يعني ولادة دولة مستقرة؟
أم يعني تفكك دولة كبيرة، متعددة القوميات، ومليئة بالميليشيات، والمخزون العقائدي، والشبكات المسلحة؟
الغرب كثيرًا ما فضّل التعامل مع نظام مزعج لكنه “مفهوم نسبيًا”، على المجازفة بفوضى لا يمكن التنبؤ بنتائجها.
وهناك سبب آخر لا يقل أهمية:
إيران لم تكن مجرد خصم، بل كانت أيضًا ورقة وظيفية أحيانًا في المنطقة.
وجود خصم مزمن، يمكن ردعه أحيانًا، والتفاوض معه أحيانًا، واستخدام تهديده في إعادة ترتيب التحالفات، كان مفيدًا لبعض القوى الكبرى أكثر من وجود شرق أوسط مستقر وقوي ومستقل القرار.
هنا لا نتحدث عن “مؤامرة مطلقة”، بل عن حقيقة أكثر واقعية:
القوى الكبرى لا تدير العالم بالأخلاق، بل بالمصالح.
وحين يكون الخصم المزعج مفيدًا في ضبط الإقليم، فإن الصبر عليه يصبح جزءًا من السياسة، لا علامة على الرضا به.
ثالثًا: هل كان النظام الإيراني مجرد مشكلة .. أم ظاهرة وظيفية في النظام الدولي؟
استراتيجيًا، النظام الإيراني لم يكن فقط أزمة، بل أصبح مع الوقت جزءًا من بنية أزمات المنطقة.
فهو يرفع شعارات كبرى، لكنه يتحرك غالبًا عبر:
نفوذ غير مباشر،
أذرع مسلحة،
حروب استنزاف،
ومساحات رمادية بين الدولة واللا دولة.
ولهذا عاش طويلًا.
ليس لأنه الأقوى دائمًا، بل لأنه أتقن العيش في الفراغات:
لا هو دولة طبيعية بالكامل، ولا هو حركة ثورية خالصة؛
لا هو قابل للاندماج الكامل، ولا هو سهل السحق.
هذه المرونة الهجينة هي التي جعلت احتواءه ممكنًا، واستئصاله مكلفًا.
رابعًا: هل يمكن أن يتكرر الفصلان؟ الشاه .. أو الملالي؟
هنا نصل إلى النقطة الأهم.
التاريخ لا يعيد نفسه حرفيًا، لكنه يعيد أنماطًا إذا لم تتغير الشروط العميقة.
ولهذا فالسؤال ليس:
هل سيعود نموذج الشاه؟
أو
هل سيعود نموذج الملالي؟
بل:
هل تغيّرت إيران بما يكفي لمنع إعادة إنتاج الاستبداد والعبث بصيغة جديدة؟
من الصعب جدًا أن تعود إيران إلى “فصل الشاه” كما كان؛ لأن الزمن تغيّر، والمجتمع تغيّر، والوعي السياسي والاجتماعي تغيّر، والذاكرة التاريخية أصبحت أثقل من أن تسمح باستنساخ النموذج القديم كما هو.
ومن الصعب أيضًا أن يستمر “فصل الملالي” إلى ما لا نهاية إذا وصلت الدولة إلى درجة إنهاك بنيوي تفقد معها قدرتها على ضبط الداخل والعبث في الخارج في الوقت نفسه.
لكن الخطر الحقيقي ليس في عودة الشاه أو بقاء الملالي فقط، بل في إنتاج نسخة ثالثة من الأزمة:
نظام جديد بالشكل .. قديم في الجوهر.
تغيير في الوجوه؛ مع بقاء بنية القمع، والاحتكار، واستخدام الأيديولوجيا، وإنْ بصيغة مختلفة.
خامسًا: ماذا قد يأتي بعد نظام الملالي؟
هذا هو السؤال الأصعب، لأن سقوط الأنظمة لا يكشف بالضرورة شكل البديل.
هناك أربعة احتمالات نظرية:
الأول: إصلاح من داخل البنية
أي تخفيف قبضة الأيديولوجيا دون إسقاط كامل للنظام.
هذا السيناريو يطيل عمر الدولة، لكنه لا يحل جذور الأزمة سريعًا.
الثاني: انتقال وطني منظم
وهو أفضل السيناريوهات لإيران والمنطقة، إذا ظهرت قيادة وطنية قادرة على جمع الإيرانيين حول مفهوم الدولة، لا الثأر، ولا الانتقام، ولا تصدير الأزمات.
الثالث: فوضى انتقالية
وهذا ما خشيه العالم طويلًا، ولهذا صبر على النظام.
إيران دولة كبيرة، وأي فراغ مفاجئ قد يفتح شهية الانقسامات والصراعات الداخلية.
الرابع: إعادة إنتاج السلطة بوجه جديد
وهذا احتمال شائع في التاريخ:
يسقط الرأس، وتبقى البنية، فيولد نظام أقل صخبًا، لكنه ليس أقل سيطرة.
لذلك، السؤال الحقيقي ليس فقط:
هل سيتغير الحكم؟
بل:
هل ستتغير فلسفة الحكم؟
هل ستتغير فلسفة الحكم… أم ستستمر على النمط الثوري ذاته، بكل تقلباته، كما تعاقب عبر تاريخ هذا البلد منذ سقوط كسرى حتى اليوم؟
هل سيكون للمتغيرات الحضارية المعاصرة تأثير على سياسات الحكم القادم، في ظل عصر التمازج والتكامل الاقتصادي، والتداخل الحضاري؟
العالم يدفع نحو التكامل… لكن القرار يبقى بيد من يختار: دولة طبيعية أم فكرة مستمرة.
سادسًا: ما الذي تحتاجه إيران حتى لا تعيد المأساة؟
إيران لا تحتاج فقط إلى تغيير سياسي، بل إلى عقد وطني جديد.
عقد يعيد تعريف الدولة على أساس:
الدولة للمواطنين لا للعقيدة الحاكمة،
الأمن لحماية الناس لا لحماية الأيديولوجيا،
والجوار للتعاون لا للتوسع.
إذا لم يحدث هذا التحول، فإن إيران قد تغادر فصل الملالي،لتدخل فصلًا آخر من الصراع مع نفسها ومع محيطها والعالم.
قراءة BETH
ما جرى في 1979 لم يكن مجرد تبديل نظام، بل تبديل فكرة الدولة نفسها.
وحين تتغير فكرة الدولة، لا تبقى آثار التغيير داخل الحدود.
لذلك يمكن القول إن صعود نظام الملالي كان سوء تقدير تاريخيًا كبيرًا، لكن الصبر الدولي عليه لم يكن دائمًا جهلًا، بل كان في كثير من الأحيان إدارة مؤقتة لخطر أكبر.
أما المستقبل، فلا يبدو أنه سيعيد الشاه كما كان، ولا يضمن نهاية آمنة للملالي كما يتمنى خصومهم.
إيران تقف، إن وصلت إلى لحظة التحول، أمام امتحان أصعب من إسقاط نظام:
امتحان بناء دولة طبيعية بعد زمن الدولة المؤدلجة.
الخلاصة
السؤال لم يعد فقط:
هل ينهار نظام الملالي؟
بل:
ماذا سيولد بعده؟
فإيران لا تحتاج إلى فصل ثالث من العبث،
بل إلى فصل أول من الدولة.