الحرب تكشف المواقف
إعداد وتحليل | إدارة الإعلام الإستراتيجي – وكالة BETH
مقدمة
مع دخول الحرب يومها السابع عشر، لم يعد المشهد العسكري وحده هو الذي يلفت الانتباه، بل المواقف الدولية والإقليمية التي بدأت تتشكل حول الصراع.
فبينما تتواصل الضربات والهجمات عبر عدة جبهات، ظهرت مواقف بدت للبعض مفاجئة، خصوصًا من أوروبا ومن بعض الدول العربية، الأمر الذي فتح بابًا واسعًا من الأسئلة حول طبيعة التحالفات وحدود التضامن في زمن الحروب.
الموقف الأوروبي
في التصريحات الأخيرة، عبّر الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن خيبة أمله من مواقف بعض الدول الأوروبية، التي بدت أقل حماسة للنهج العسكري الذي تتبعه واشنطن.
ويعكس الموقف الأوروبي توجهًا تقليديًا في إدارة الأزمات الدولية؛ إذ تميل العواصم الأوروبية غالبًا إلى تقليل التصعيد العسكري والدفع نحو الحلول السياسية والدبلوماسية.
ويرتبط ذلك بعدة اعتبارات:
القلق من اتساع نطاق الحرب في منطقة تُعد شريانًا أساسيًا للطاقة العالمية.
المخاوف من تداعيات اقتصادية قد تطال الأسواق الأوروبية.
تفضيل النهج الدبلوماسي الذي لطالما تبنته أوروبا في ملفات الشرق الأوسط.
لهذا بدا الموقف الأوروبي أكثر ميلًا إلى التهدئة وإبقاء باب التفاوض مفتوحًا.
الموقف العربي
في المقابل، أثار موقف بعض الدول العربية تساؤلات من زاوية مختلفة.
فالمسألة هنا لا تتعلق بالتدخل العسكري، إذ لم تطلب دول الخليج ذلك من أحد، كما لم تدعُ الولايات المتحدة إلى مشاركة عسكرية عربية مباشرة.
لكن ما لفت الانتباه هو ضعف الموقف السياسي والأخلاقي لدى بعض الدول تجاه ما تتعرض له دول الخليج من هجمات إيرانية، بل إن بعض الأصوات ذهبت إلى الإشارة إلى تعاطف أو تفهم للموقف الإيراني.
وفي المقابل، جاء الدعم الخليجي من بعض الدول العربية متأخرًا نسبيًا، بعد أن بدأت مؤشرات نهاية الحرب وتراجع النظام الإيراني تلوح في الأفق.
ومع ذلك، فإن تلك المواقف — حتى وإن جاءت متأخرة — تظل أفضل من غيابها الكامل.
هذا الواقع أعاد طرح سؤال قديم يتكرر في أوقات الأزمات:
أين اتفاقية الدفاع العربي المشترك التي أقرت عام 1950 في إطار جامعة الدول العربية (الجامعة العربية)، والتي تنص مبدئيًا على أن الاعتداء على دولة عربية يُعد اعتداءً على جميع الدول العربية؟
لكن التجربة التاريخية تشير إلى أن هذه الاتفاقية بقيت إطارًا قانونيًا أكثر منها منظومة دفاعية عملية.
المشتركات بين الموقفين
رغم اختلاف السياق بين أوروبا وبعض الدول العربية، فإن هناك قاسمًا مشتركًا بين الموقفين:
تجنب الانجرار إلى الحرب.
ففي كلتا الحالتين، يظهر ميل واضح إلى البقاء خارج المواجهة المباشرة، سواء عبر الدعوة إلى التهدئة كما في الحالة الأوروبية، أو عبر الاكتفاء بمواقف حذرة في الحالة العربية.
وهذا السلوك ليس جديدًا في الحروب، إذ تميل الدول غالبًا إلى حساب الكلفة قبل الاصطفاف.
الأسباب الأعمق
يمكن فهم هذه المواقف عبر مجموعة من العوامل الواقعية:
حسابات الأمن الداخلي
فالدخول في صراع إقليمي واسع قد يفتح الباب أمام تداعيات أمنية داخلية.
المصالح الاقتصادية
الطاقة، التجارة، والاستقرار الإقليمي عوامل تجعل كثيرًا من الدول تفضّل تقليل التصعيد.
تغير طبيعة التحالفات
في النظام الدولي المعاصر لم تعد التحالفات تقوم دائمًا على الانتماءات الجغرافية أو السياسية التقليدية، بل على مصالح متغيرة وظروف كل أزمة.
هل يعني ذلك تفكك التحالفات؟
ليس بالضرورة.
فالتاريخ يبين أن التحالفات في أوقات الحروب تمر غالبًا بمراحل تردد واختبار قبل أن تتضح معالمها.
ما يظهر اليوم قد لا يكون تفككًا بقدر ما هو إعادة تموضع سياسي تحاول فيه الدول تجنب دفع كلفة صراع لا ترغب في التورط فيه مباشرة.
لكن في الوقت نفسه، تكشف هذه اللحظات عن حقيقة أساسية في العلاقات الدولية:
التحالفات تُختبر في الأزمات، لا في البيانات.
وهكذا، كما يحدث في كل حرب كبيرة، لا تكشف المعارك فقط موازين القوة العسكرية، بل تكشف أيضًا حدود التضامن وحدود المصالح بين الدول.
هل سيتغير موقف أوروبا تجاه حلف الناتو؟
يُعد حلف شمال الأطلسي (الناتو) بالنسبة لأوروبا أكثر من مجرد تحالف عسكري؛ فهو مظلة أمنية وجودية منذ الحرب الباردة.
لكن ما يحدث الآن قد يدفع أوروبا إلى ثلاثة تغييرات مهمة:
تعزيز الاستقلال الدفاعي الأوروبي
فبعض الدول الأوروبية بدأت منذ سنوات التفكير في بناء قدرة دفاعية أوروبية أكثر استقلالًا عن الولايات المتحدة.
إعادة تعريف دور الناتو
قد يتحول الحلف أكثر إلى تحالف ردع استراتيجي في مواجهة القوى الكبرى مثل روسيا والصين، بدلاً من الانخراط العميق في أزمات الشرق الأوسط.
تقليل التبعية السياسية لواشنطن
التوترات السياسية بين أوروبا والإدارات الأميركية المتعاقبة دفعت بعض العواصم الأوروبية إلى التفكير في قدر أكبر من الاستقلال في القرار.
ومع ذلك، لا يوجد سيناريو واقعي لانهيار الناتو، لأن أوروبا ما زالت تعتمد عسكريًا بدرجة كبيرة على القدرات الأميركية.
ماذا عن العالم العربي؟
الوضع مختلف إلى حد كبير.
فالمنظومة العربية التي تمثلها جامعة الدول العربية تعاني منذ عقود من ضعف الهيكل التنفيذي وغياب آليات إلزامية لاتخاذ القرار.
ولهذا فإن الأزمة الحالية لن تغيّر كثيرًا من طبيعة الجامعة العربية للأسباب التالية:
غياب قيادة عسكرية عربية مشتركة
اختلاف التحالفات الإقليمية بين الدول
اختلاف تقييم التهديدات
بمعنى آخر:
الجامعة العربية أقرب إلى منتدى سياسي للتشاور منها إلى منظومة أمن جماعي فعّالة.
من يقود الموقف العربي؟
عمليًا، لم يعد الموقف العربي يُدار من مركز واحد كما كان يُفترض داخل الجامعة العربية.
بل أصبح يُدار عبر محاور إقليمية، وفي مقدمتها دول الخليج التي تمتلك اليوم ثقلًا اقتصاديًا وسياسيًا وقدرة متزايدة على التأثير في التوازنات الإقليمية.
وبذلك أصبح المشهد العربي أقرب إلى قيادة موزعة لا مركزية.
هل يمكن رأب الصدع؟
نعم، لكن التجارب تشير إلى أن التقارب العربي لا يحدث عبر الخطابات السياسية وحدها.
غالبًا ما يتحقق ذلك عندما تتوافر ثلاثة عوامل رئيسية:
خطر مشترك واضح يدفع الدول إلى التقارب.
مصالح اقتصادية متبادلة تجعل التعاون ضرورة.
خطاب إعلامي وثقافي عقلاني يخفف الاستقطاب ويعيد بناء الثقة.
ولهذا يمكن القول إن الانقسام العربي ليس قدرًا دائمًا، لكنه يحتاج إلى قيادة سياسية واقعية وإدارة رشيدة للاختلافات.
التحالفات .. لماذا تنجح في الغرب وتتعثر عربيًا؟
مع كل أزمة إقليمية أو حرب جديدة، يعود سؤال قديم إلى الواجهة:
لماذا تنجح التحالفات العسكرية في الغرب في بناء منظومات ردع فعّالة، بينما تبدو التحالفات العربية أقل قدرة على التحول إلى قوة مشتركة مؤثرة؟
في الغرب، يقف الناتو كأحد أكثر التحالفات العسكرية استقرارًا في التاريخ الحديث، حيث يقوم على مبدأ الدفاع الجماعي.
أما في العالم العربي، فقد أُقرت اتفاقية الدفاع العربي المشترك منذ عام 1950، لكنها بقيت إطارًا سياسيًا أكثر من كونها منظومة دفاعية عملية.
وضوح التهديد
نجحت التحالفات الغربية تاريخيًا لأن مصدر التهديد كان واضحًا ومحددًا.
خلال الحرب الباردة كان الاتحاد السوفيتي يمثل التهديد المشترك، وهو ما دفع الدول الغربية إلى توحيد استراتيجياتها الدفاعية.
أما في العالم العربي، فقد تعددت مصادر التهديد واختلفت قراءات الدول لها، ما جعل من الصعب بناء تصور أمني موحد.
المؤسسات العسكرية المشتركة
يقوم الناتو على بنية مؤسسية عسكرية متكاملة تشمل:
قيادة عسكرية موحدة
تخطيطًا عملياتيًا مشتركًا
تدريبات عسكرية مشتركة مستمرة
منظومات دفاع وتنسيق متكاملة
أما في الحالة العربية، فلم تتطور اتفاقية الدفاع العربي المشترك إلى بنية عسكرية تنفيذية دائمة قادرة على التحرك السريع في الأزمات.
الثقافة السياسية للتحالفات
في الغرب أصبحت فكرة التحالفات جزءًا من الثقافة السياسية والاستراتيجية للدول، حيث تُدار الخلافات داخل إطار التحالف دون أن تهدد وجوده.
أما في العالم العربي، فقد تأثرت التحالفات كثيرًا بالخلافات السياسية والتغيرات الإقليمية، ما جعلها أكثر هشاشة أمام الأزمات.
المصالح مقابل الشعارات
تعتمد التحالفات الغربية غالبًا على مصالح استراتيجية واضحة مرتبطة بالأمن والطاقة والاقتصاد.
بينما قامت العديد من التحالفات العربية تاريخيًا على خطاب سياسي أو عاطفي أكثر من قيامها على مصالح أمنية واضحة وآليات تنفيذ فعّالة.
قراءة BETH
تكشف التجربة التاريخية أن نجاح التحالفات لا يعتمد فقط على توقيع الاتفاقيات، بل على بناء منظومة مؤسساتية قادرة على تحويل النصوص إلى قوة فعلية على الأرض.
فالتحالف الحقيقي لا يقوم على البيانات السياسية، بل على التخطيط المشترك والقدرة التنفيذية والإرادة السياسية المستمرة.
تكشف التطورات الأخيرة مؤشرًا مهمًا في معادلة الأمن الإقليمي:
فدول الخليج لم تعد مجرد طرف يتلقى تداعيات الأزمات، بل باتت تمتلك قدرات دفاعية وسياسية تمكّنها من حماية أمنها والمساهمة في تشكيل موازين المنطقة.
ومع تراكم هذه الخبرات والقدرات، يتزايد الإدراك بأن مستقبل المنطقة قد لا يُدار بالآليات القديمة نفسها.
ولهذا قد لا تكون المنطقة — ولا منظومتها السياسية مثل الجامعة العربية — كما كانت في الماضي، ولا كما هي اليوم، بل أمام صيغة جديدة تتشكل مع تحولات القوة والقدرة والمسؤولية في الإقليم.