من الشاه إلى الملالي .. كيف تلتهم إيران أنظمتها؟

news image

كيف انتهت الشاهنشاهية .. وكيف ينتهي الملالي؟

 

إعداد وتحليل | إدارة الإعلام الاستراتيجي – وكالة BETH

مع دخول الحرب في إيران أسبوعها الثالث، تتجه الأنظار إلى سؤال يتجاوز المعركة العسكرية الجارية:

هل تعيش إيران اليوم لحظة تاريخية تشبه اللحظة التي سبقت سقوط نظام الشاه عام 1979؟

السؤال لا يتعلق فقط بنتائج الحرب، بل بطبيعة النظام السياسي في إيران، وبالتجربة المتكررة التي شهدتها البلاد عبر تاريخها الحديث، حيث تظهر أنظمة قوية تبدو راسخة… ثم تسقط فجأة حين تتقاطع الضغوط الداخلية مع التحولات الدولية.

 

حين كان الشاه “شرطي الخليج”

في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، كان الشاه محمد رضا بهلوي يقدم نفسه كقائد تحديثي يقود إيران نحو القوة والحداثة.

حصل نظامه على دعم غربي واسع، خصوصًا من الولايات المتحدة وبريطانيا، وكان يُنظر إليه آنذاك باعتباره "شرطي الخليج" الذي يحمي التوازنات الإقليمية.

اقتصاديًا، شهدت إيران طفرة نفطية كبيرة، لكن هذا الازدهار رافقه واقع آخر في الداخل:

قبضة أمنية قوية عبر جهاز السافاك،
تفاوت اجتماعي واسع،
وبذخ سلطوي في حياة النخبة الحاكمة.

ومع مرور الوقت، بدأت المسافة تتسع بين الدولة والمجتمع، حتى جاءت لحظة انفجار سياسي واجتماعي انتهت بسقوط النظام الملكي عام 1979.

 

ثورة ضد الاستبداد .. أم إعادة إنتاجه؟

حين وصلت ثورة الملالي إلى الحكم، رفعت شعارات الحرية والاستقلال ومواجهة الهيمنة الأجنبية.

لكن مع مرور العقود، بدأ كثير من المراقبين يرون مفارقة تاريخية لافتة:

النظام الذي جاء لإسقاط الاستبداد، بنى بدوره دولة أمنية استبدادية واسعة النفوذ.

فالحرس الثوري أصبح قوة عسكرية واقتصادية كبرى،
وتوسعت القبضة الأمنية داخل البلاد،
فيما انخرطت إيران في شبكة من الصراعات الإقليمية عبر حلفاء ووكلاء.

وفي الداخل، تكررت موجات الاحتجاج الشعبي، ما يعكس توترًا مستمرًا بين الدولة والمجتمع.

 

تشابه التجربتين

رغم الاختلاف الكبير في الأيديولوجيا بين النظامين، فإن هناك نقاط تشابه يراها بعض الباحثين:

قبضة أمنية قوية لإدارة المجتمع.

بذخ سلطوي لدى النخبة الحاكمة.

إنفاق كبير خارج الحدود لدعم النفوذ الإقليمي.

خطاب تاريخي عن عظمة إيران ودورها العالمي.

هذه العناصر مجتمعة خلقت لدى النظامين شعورًا بالقوة والاستمرارية، لكن التجربة التاريخية تشير إلى أن مثل هذه الأنظمة قد تبدو قوية… حتى اللحظة التي تتقاطع فيها الأزمات.

 

متى تسقط الأنظمة في إيران؟

التجربة الإيرانية الحديثة تقدم درسًا واضحًا:

الأنظمة لا تسقط فقط بسبب الضغوط الخارجية، بل حين يتزامن ذلك مع تآكل داخلي في الشرعية السياسية والاقتصادية.

وهذا ما يجعل بعض المراقبين يتساءلون اليوم:

هل يمكن للحرب الحالية والضغوط الاقتصادية والعزلة الدولية أن تخلق لحظة شبيهة بتلك التي عاشتها إيران قبل سقوط الشاه؟

الإجابة لا تزال مفتوحة.

 

إيران… تاريخ من الثورات


شهدت إيران عبر تاريخها العديد من الثورات والانقلابات والانتفاضات. وقد ذهب بعض الكتّاب إلى القول إن عددها يتجاوز المئة، وهو رقم يصعب تأكيده بدقة، لكن المؤكد أن تاريخ البلاد السياسي اتسم بتعدد التحولات والاضطرابات.

وفي العصر الحديث تبرز ثلاث محطات كبرى شكّلت مفاصل التحول في الدولة الإيرانية: الثورة الدستورية (1905–1911) التي أسست لفكرة البرلمان والحد من سلطة الشاه القاجاري، وانقلاب عام 1953 الذي أطاح بحكومة محمد مصدق وأعاد ترسيخ حكم الشاه، ثم الثورة الإسلامية عام 1979 التي أنهت النظام الملكي وأقامت الجمهورية الإسلامية.

ويشير هذا التاريخ المتكرر من التحولات إلى نمط سياسي واضح؛ فحين تتكرر الثورات في أي بلد غالبًا ما يكون ذلك نتيجة هشاشة التوازن بين السلطة والمجتمع، وتراكم الأزمات دون إصلاحات كافية، وغياب قنوات فعالة للتغيير السلمي، ما يدفع التغيير إلى أن يأتي على شكل انفجارات سياسية متكررة.

من سيحكم إيران إذا تغير النظام؟

السؤال  لا يتعلق بسقوط نظام.. بل بما يأتي بعده.

هنا تبرز عدة سيناريوهات محتملة:

شرطي جديد
قد تسعى القوى الدولية إلى إعادة إنتاج نموذج استقرار سريع عبر نظام قوي يضمن أمن المنطقة وأسواق الطاقة.

سلطة عبثية جديدة
تغيير في الوجوه دون تغيير حقيقي في طبيعة الدولة الأمنية ، مهمتها العبث في المنطقة، .. عبث يخدم أجندات..

إيران مختلفة
نظام أقل أيديولوجية وأكثر انفتاحًا على العالم، يسعى إلى التكامل الاقتصادي  والأمني مع الجوار بدل الصراع معه.

لكن حتى الآن، لا توجد مؤشرات واضحة على أي من هذه السيناريوهات.

 

حلم الإمبراطورية

يمكن قراءة جانب من تاريخ الاضطرابات والثورات في إيران من زاوية الحلم بعودة المجد الإمبراطوري. فثمة من يرى أن الحنين إلى دولة كسرى، بما تمثله من إرث فارسي قديم، ظل عاملًا مؤثرًا في تشكيل العقل السياسي الإيراني عبر مراحل مختلفة.

ففي عهد الشاه ارتبط المشروع السياسي بمحاولة إحياء المجد الفارسي الإمبراطوري، بينما تحوّل الخطاب بعد عام 1979 إلى مشروع ثوري – عقائدي يسعى إلى دور قيادي في المنطقة. ورغم اختلاف الشعارات بين المرحلتين، بقيت الفكرة المشتركة هي السعي إلى دور يتجاوز الحدود الطبيعية للدولة.

ولهذا يرى بعض المحللين أن الإشكالية لم تكن في الشعار بحد ذاته، بل في محاولة تحويل هذا الطموح إلى مشروع توسعي يفوق في كثير من الأحيان قدرات الدولة الاقتصادية والسياسية.

 

قراءة BETH

التاريخ الإيراني يقول إن الأنظمة في طهران لا تسقط دائمًا بسبب الهزيمة العسكرية.

بل حين تصل الدولة إلى لحظة تكتشف فيها أن القوة لم تعد كافية لحماية الشرعية.

الشاه أدرك هذه اللحظة متأخرًا.

والسؤال الذي يطرحه بعض المراقبين اليوم هو:

هل يواجه نظام الملالي لحظة مشابهة؟

الإجابة لا تزال في طور التشكل.

لكن المؤكد أن ما يحدث اليوم قد لا يحدد فقط نتيجة حرب…
بل قد يحدد شكل إيران في العقود القادمة.

ولهذه الأسباب والمآلات، كانت إيران ولا تزال مسرحًا عالميًا للتحولات والصراعات.

هل يمكن للانفتاح في الداخل، وفي عقل الجوار، مع تغليب العالم للمصلحة العامة الدائمة… أن يغيّر شكل المستقبل؟