الحرب على إيران .. بأربع روايات!
إعداد وتحليل
إدارة الإعلام الاستراتيجي – وكالة BETH
إشراف عام
عبدالله العميره
مع تصاعد المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، والنظام الإيراني من جهة أخرى، لم تعد المعركة محصورة في المجال العسكري فقط.
فإلى جانب العمليات الجوية والبحرية والضغوط الاقتصادية، تدور معركة موازية في ميدان الرواية السياسية والإعلامية.
كل طرف يسعى إلى تفسير ما يجري وفق رؤيته ومصالحه، في محاولة لتوجيه فهم الرأي العام الدولي لما يحدث في المنطقة.
لكن الواقع الميداني يظل نقطة الانطلاق لفهم هذه الروايات:
فميزان القوة العسكري في المنطقة واضح إلى حد كبير، حيث تمتلك الولايات المتحدة وحلفاؤها تفوقًا تقنيًا وعسكريًا كبيرًا، في حين يعتمد النظام الإيراني على أدوات تقليدية وأساليب تصعيد غير متكافئة.
وفي ظل هذا المشهد، يمكن قراءة الصراع الحالي من خلال أربع روايات رئيسية تحاول كل منها تفسير ما يجري.
أولاً: رواية واشنطن
احتواء التهديد ومنع زعزعة الاستقرار
في الخطاب الأميركي والإسرائيلي، تُقدَّم العمليات العسكرية باعتبارها محاولة لتقويض القدرات العسكرية للنظام الإيراني، خصوصًا تلك المرتبطة بالصواريخ والبنية العسكرية التي تُستخدم لتهديد أمن المنطقة والممرات البحرية.
ووفق هذه الرواية، فإن الهدف ليس إسقاط الدولة الإيرانية أو الدخول في حرب شاملة، بل تحييد أدوات الضغط التي يستخدمها النظام لابتزاز الاستقرار الإقليمي.
وتقوم هذه المقاربة على استخدام التفوق العسكري والتقني في تنفيذ عمليات دقيقة تهدف إلى تقليص قدرات النظام دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة واسعة النطاق.
ويرى أصحاب هذا الطرح أن الحفاظ على أمن الممرات البحرية واستقرار أسواق الطاقة يمثلان أولوية استراتيجية للمجتمع الدولي.
ثانياً: رواية طهران
المواجهة مع الضغوط الخارجية
في المقابل، يقدم النظام الإيراني الصراع بوصفه مواجهة مع ما يسميه الضغوط الأميركية والإسرائيلية على إيران ودورها الإقليمي.
ويحاول الخطاب الرسمي تصوير العمليات العسكرية ضمن معادلة "الردع المتبادل"، حيث يتم التأكيد على استمرار القدرات الصاروخية والقدرة على الرد عبر أدوات مختلفة داخل المنطقة.
وفي هذه الرواية، يتم تقديم تهديد الملاحة أو استهداف المصالح العسكرية على أنه جزء من استراتيجية ردع غير متكافئة في مواجهة التفوق العسكري الغربي.
لكن هذه المقاربة تواجه تحديات واضحة، إذ يترافق التصعيد الخارجي مع ضغوط اقتصادية وسياسية داخلية متزايدة داخل إيران.
ثالثاً: رواية المعارضة الإيرانية
التغيير من الداخل
هناك رواية ثالثة تقدمها بعض قوى المعارضة الإيرانية، التي ترى أن الصراع الحالي لا يختزل في مواجهة بين إيران والغرب، بل يعكس أزمة سياسية داخلية بين النظام والمجتمع الإيراني.
وبحسب هذا الطرح، فإن أي تغيير سياسي مستدام لا يمكن أن يتحقق عبر تدخل عسكري خارجي، بل من خلال تحولات داخلية يقودها المجتمع الإيراني وقوى المعارضة المنظمة.
وترى هذه المقاربة أن الضغوط الدولية قد تضعف النظام، لكنها لا تستطيع وحدها إنتاج نظام سياسي جديد، لأن التغيير الحقيقي يجب أن ينبع من الداخل.
رابعاً: الصمت الخليجي
هدوء محسوب في بيئة مضطربة
بعيدًا عن التصريحات الحادة التي تصدر عن أطراف الصراع، يلاحظ المتابع أن الخطاب الرسمي في دول الخليج يتسم بدرجة واضحة من الهدوء والإتزان الدبلوماسي.
ففي الوقت الذي تتصاعد فيه الروايات المتنافسة حول تفسير ما يحدث، تميل الحكومات الخليجية إلى تجنب التصعيد اللفظي وترك مساحة أكبر للتقييم الهادئ للأحداث.
ويظهر هذا التوجه أيضًا في طبيعة التغطية الإعلامية الخليجية، التي تتراوح بين نقل الحدث كما هو، وتقديم تحليلات واقعية تراعي التوازنات الإقليمية والدولية.
ويرى بعض المراقبين أن هذا النهج يعكس ما يمكن وصفه بـ "صمت الحكماء"؛ إذ تدرك القيادات الخليجية أن الأزمات الكبرى غالبًا ما يصاحبها قدر كبير من الضجيج السياسي والإعلامي، وأن إدارة التوتر تتطلب أحيانًا قدرًا من الهدوء وضبط الخطاب.
وفي هذا السياق، يظهر النموذج السعودي بوضوح في اعتماد خطاب سياسي متزن يبتعد عن التصريحات المثيرة، مع ترك مساحة للإعلام للتحليل الواقعي دون انزلاق إلى التصعيد.
بين الروايات الأربع
تكشف هذه الروايات الأربع عن حقيقة أساسية:
الصراع الدائر اليوم لا يقتصر على المواجهة العسكرية، بل يشمل أيضًا صراعًا على تفسير ما يجري.
واشنطن تقدم الحرب بوصفها محاولة لاحتواء تهديد إقليمي.
طهران تصفها بمواجهة مع ضغوط خارجية.
المعارضة تراها فرصة لتغيير سياسي محتمل.
بينما يختار الخليج مقاربة مختلفة تقوم على الهدوء ومراقبة التوازنات.
لكن في النهاية، تظل الوقائع الميدانية العامل الأكثر تأثيرًا في تحديد مسار الأحداث.
الخلاصة
في الأزمات الكبرى، تتعدد الروايات، لكن الواقع يظل المرجع الأساسي.
فالحروب لا تُحسم فقط بما يقال عنها، بل بما يحدث فعليًا على الأرض.
ولهذا تبقى المواجهة الحالية مثالًا واضحًا على حقيقة معروفة في السياسة الدولية:
القوة تصنع الوقائع .. والروايات تحاول تفسيرها.