كيف يفكر الغباء؟
كتب: عبدالله العميره
ربما يبدو السؤال غريبًا للوهلة الأولى.
فالغباء في ظاهره لا يفكر… بل يعكس غياب التفكير العميق.
لكن السؤال الحقيقي الذي تفرضه الأزمات ليس هذا.
السؤال الأهم هو:
كيف يتصرف العقل غير الواعي عند قراءة الأحداث؟
ففي لحظات التوتر والأزمات الكبرى، تظهر أنماط مختلفة من التفكير؛
بعضها يحاول فهم الصورة كاملة،
وبعضها الآخر يكتفي بردود فعل سريعة تصنع الضجيج أكثر مما تصنع الفهم.
ومن هنا يبدأ السؤال الحقيقي:
كيف يفكر الغباء عندما يواجه أزمة؟
الغباء المنظَّم
في الأزمات الكبرى لا يظهر الذكاء وحده.
يظهر أيضًا شيء آخر أكثر حضورًا وتأثيرًا: الغباء المنظَّم.
فالأزمات لا تُدار فقط بالعقول الاستراتيجية، بل تتحرك حولها جيوش من الأصوات التي لا تفهم ما يحدث، لكنها تتحدث عنه بثقة عالية.
ولو أردنا فهم هذه الظاهرة بصدق، ربما علينا أن نطرح سؤالًا مختلفًا قليلًا:
كيف يفكر الساذج في زمن الأزمات؟
لو كنت ساذجًا .. ماذا سأرى؟
لو كنت ساذجًا، أو سطحيًا، أو فاقد القدرة على القراءة العميقة للأحداث، فربما سأفعل شيئًا بسيطًا:
سأبحث عن أقرب تفسير سهل.
فالعقل الساذج لا يحب التعقيد، ولا يحتمل التحليل، ولا يطيق الانتظار حتى تتضح الصورة.
ولهذا يميل دائمًا إلى:
التفسيرات السريعة
العناوين الصاخبة
الشائعات الجاهزة
فالأزمة بالنسبة له ليست حدثًا معقدًا يحتاج إلى فهم، بل مادة سهلة للاستهلاك.
لو كنت خصمًا غير متزن
ولو كنت خصمًا غير متزن، يحمل نصف عقل، والنصف الآخر فارغ لكنه يصرّ على قيادة التفكير، فربما سأفعل شيئًا آخر.
سأحوّل الأزمة إلى مسرح للشماتة.
لن أفكر في تعقيدات المشهد، ولا في توازنات المنطقة، ولا في العواقب البعيدة.
كل ما سأراه هو فرصة لقول:
"انظروا… لقد سقطوا."
لكن المشكلة أن التاريخ يقول شيئًا مختلفًا.
فالأزمات في الشرق الأوسط لم تكن يومًا نهاية الدول، بل غالبًا بداية إعادة ترتيبها.
لو كنت مغيَّبًا .. كيف سأكتب؟
ولو كنت مغيَّبًا، أو مكلفًا بصناعة مادة إعلامية دون وعي حقيقي بما يحدث، فسأتعامل مع الأزمة بطريقة مختلفة.
لن أستخدم عقلي.
بل سأستخدم عقلًا آخر.
عقلًا جاهزًا يُكتب في مكان ما، ثم يُطلب مني أن أنفذه.
سأصنع:
خبرًا بلا سياق
صورة بلا معنى
شائعة بلا مصدر
المهم أن تتحرك الضوضاء.
ففي زمن الأزمات، تصبح الضوضاء أحيانًا أهم لدى البعض من الحقيقة.
كيف يصنع الغباء روايته؟
العقل المتكلس لا يستطيع تحديث صورته عن العالم.
ولهذا عندما يتغير الواقع أمامه، لا يحاول فهمه… بل يحاول إنكار التغيير.
فيبقى أسير صورة قديمة:
دول لا تزال كما كانت قبل عقود
مجتمعات لا تزال كما كانت قبل أجيال
وقوة تُقاس بالشعارات لا بالوقائع
لكن العالم يتحرك… سواء أدرك ذلك أم لم يدرك.
الخليج .. اختبار القراءة
الأزمات التي تمر بها المنطقة اليوم تضع دول الخليج أمام اختبار جديد.
لكن الاختبار الحقيقي ليس عسكريًا فقط، ولا اقتصاديًا فقط.
بل اختبار القراءة.
كيف تُقرأ الأزمة؟
هل تُقرأ بعين الضجيج…
أم بعين التوازن؟
فالمنطقة اليوم لم تعد كما كانت قبل نصف قرن.
هناك دول بنت قوتها على:
الاقتصاد
الاستقرار
التخطيط طويل المدى
وهذه عناصر لا تُرى في العناوين الصاخبة، لكنها تظهر بوضوح عندما تهتز المنطقة.
الفرق بين العقلين
في الأزمات يظهر نوعان من العقول:
عقل يبحث عن الشائعة،
وعقل يبحث عن المعنى.
الأول يعيش على الضوضاء.
والثاني يعيش على الفهم.
الأول يرى الأزمة فرصة للصراخ.
والثاني يراها لحظة للتفكير.
ربما السؤال الحقيقي
ربما السؤال الحقيقي في زمن الأزمات ليس:
من يصرخ أكثر؟
بل:
من يفهم أكثر؟
فالتاريخ لا يتذكر أصوات الضجيج طويلًا.
لكنه يتذكر دائمًا العقول التي قرأت اللحظة بوعي.
ملاحظتي المهنية لك يا عبدالله
المقال قوي جدًا لثلاثة أسباب:
عنوان صادم يجذب القارئ فورًا
بناء منطقي يتدرج من السؤال إلى التحليل
خاتمة فكرية هادئة تترك أثرًا
وهذا بالضبط أسلوب المقالات الفكرية الجيدة.
لكن لدي اقتراح صغير جدًا قد يزيد قوة المقال لو أحببت:
إضافة جملة أخيرة قصيرة جدًا بعد الخاتمة مثل:
وفي زمن الأزمات، لا يكون أخطر ما في الغباء أنه لا يفهم…
بل أنه يتكلم بثقة.