صواريخ أم توازن؟
إعداد وتحليل | إدارة الإعلام الاستراتيجي – وكالة BETH
مع استمرار المواجهة العسكرية في المنطقة، أعلنت إيران أنها ستستخدم صواريخ باليستية أكثر دقة وقوة تدميرية في عملياتها المقبلة.
يبدو التصريح في ظاهره إعلانًا عسكريًا، لكنه في الواقع يحمل عدة رسائل سياسية ونفسية واستراتيجية تتجاوز ميدان المعركة.
ماذا يعني التصريح الإيراني؟
غالبًا ما يحمل مثل هذا التصريح ثلاث رسائل متزامنة.
رفع المعنويات داخليًا
عندما تتعرض دولة لضربات عسكرية قوية، يصبح الخطاب الإعلامي جزءًا من إدارة المعركة النفسية.
فالرسالة الموجهة إلى الداخل الإيراني واضحة:
لم نخسر قدرتنا العسكرية، وما زالت لدينا أدوات أقوى لم تُستخدم بعد.
ويصبح هذا النوع من الرسائل مهمًا بشكل خاص في الأنظمة التي تخشى تأثير الحرب على الاستقرار الداخلي.
الرد على الرواية الأمريكية
في المقابل، تؤكد الولايات المتحدة وإسرائيل أن الضربات الأخيرة ألحقت أضرارًا كبيرة بالقدرات العسكرية الإيرانية.
لذلك يأتي التصريح الإيراني ليقول إن القدرة العسكرية لم تُستنفد بعد.
وهنا تتحول المواجهة إلى ما يشبه حرب الروايات بقدر ما هي مواجهة عسكرية.
رسالة ردع
يحمل التصريح أيضًا رسالة إلى:
واشنطن
تل أبيب
ودول المنطقة
ومضمونها أن أي تصعيد إضافي قد يقابله تصعيد نوعي في استخدام الصواريخ.
وفي الأدبيات العسكرية تُعرف هذه الرسائل باسم رسائل الردع.
وفي الحالة الإيرانية الراهنة، تشير المعطيات إلى أنها أقرب إلى تحقيق الهدفين الأولين.
هل بقي لدى إيران ما تبقيه للرد؟
الجواب الأقرب إلى الواقع: نعم، ولكن بشروط.
فإيران استثمرت طوال عقود في بناء ترسانة كبيرة من:
الصواريخ الباليستية
الطائرات المسيّرة
الصواريخ المجنحة
ويرجع ذلك أساسًا إلى ضعف سلاحها الجوي مقارنة بالقوى الغربية.
ولهذا أصبح السلاح الصاروخي العمود الفقري للقوة العسكرية الإيرانية.
وتشير تقديرات عسكرية غربية إلى أن إيران تمتلك آلاف الصواريخ الباليستية، قديمة ومحدثة، إضافة إلى مخازن موزعة داخل أنفاق وقواعد تحت الأرض.
ما الذي قد تكون إيران ما زالت تحتفظ به؟
في الحروب غالبًا لا تستخدم الدول:
كامل مخزونها
ولا أكثر أسلحتها تطورًا
إلا في مراحل حاسمة.
لذلك قد تكون إيران ما زالت تحتفظ بـ:
صواريخ أبعد مدى
صواريخ أكثر دقة
رؤوس تفجيرية أقوى
لكن في المقابل، تشير الضربات الأخيرة إلى أن العمليات العسكرية تستهدف بشكل مباشر:
منصات الإطلاق
المخازن العسكرية
مراكز القيادة والسيطرة
وهذا يعني أن الضربات قد تؤثر في القدرة التشغيلية للسلاح، حتى لو بقيت الترسانة نفسها.
وبعبارة أخرى:
السؤال ليس فقط هل تمتلك إيران السلاح،
بل هل تستطيع استخدامه بكثافة تحت القصف المستمر؟
قراءة أخرى للقدرة العسكرية الإيرانية
منذ عام 1979 ركزت إيران على بناء منظومة عسكرية تعتمد بدرجة كبيرة على الصواريخ الباليستية والشبكات العسكرية غير المباشرة في المنطقة.
لكن مع مرور العقود ظهرت مفارقة واضحة في بنية هذه القوة.
ففي الوقت الذي استثمرت فيه طهران بشكل مكثف في برامج الصواريخ والطائرات المسيّرة، ظل تطور سلاحها الجوي التقليدي ومنظومات الدفاع الجوي محدودًا مقارنة بالتطورات العسكرية العالمية.
ولهذا يطرح بعض المراقبين سؤالًا بديهيًا:
إذا كانت إيران تمتلك قوة ردع عسكرية كبيرة،
فلماذا لا تظهر هذه القدرة في حماية مجالها الجوي من الضربات المتكررة؟
فالواقع الميداني يشير إلى أن الطائرات الأميركية والإسرائيلية استطاعت تنفيذ ضربات عميقة داخل الأراضي الإيرانية، وهو ما يعكس وجود ثغرات واضحة في منظومة الدفاع الجوي والسيطرة الجوية.
أما الصواريخ التي تُطلق بين الحين والآخر، فهي في سياق الحروب أمر متوقع، لكنها لم تظهر حتى الآن قدرة على تغيير ميزان القوة العسكري بشكل حاسم.
بين الخطاب والقدرة
التاريخ العسكري يظهر نمطًا معروفًا:
الدول التي تمتلك قدرات ردع حقيقية غالبًا ما لا تحتاج إلى إعلانها بشكل متكرر.
فالقوة الفعلية تظهر عادة في القدرة على منع الخصم من ضربها أساسًا، وليس فقط في القدرة على الرد بعد وقوع الضربة.
ولهذا يرى بعض المحللين أن التصريحات الإيرانية الأخيرة قد تعكس محاولة تعويض الفجوة بين الخطاب العسكري والواقع الميداني.
درس القوة في المنطقة
في المقابل، تظهر نماذج أخرى في المنطقة تعتمد على مقاربة مختلفة للقوة.
فبعض الدول بنت قدراتها العسكرية خلال العقود الماضية على أساس:
تحديث مستمر للتقنيات العسكرية
شراكات دفاعية متقدمة
تطوير منظومات دفاع جوي حديثة
ربط القوة العسكرية بالاستقرار الاقتصادي والسياسي
وفي هذه الحالات غالبًا ما تكون الأفعال أبلغ من التصريحات.
فالدول التي تمتلك قدرات رادعة حقيقية لا تحتاج عادة إلى المبالغة في الإعلان عنها، لأن الردع الحقيقي يظهر في الوقائع قبل الكلمات.
القوة في الشرق الأوسط .. ليست عسكرية فقط
غالبًا ما تُختزل القوة في الشرق الأوسط في الصواريخ والطائرات والدبابات.
لكن الواقع أكثر تعقيدًا.
فالمنطقة تضم دولًا تمتلك أحدث الترسانات العسكرية في العالم، خصوصًا في الخليج العربي، حيث استثمرت بعض الدول العربية خلال العقود الماضية في بناء منظومات دفاعية وجوية متقدمة بالتعاون مع الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا.
لكن الفارق الحقيقي لا يكمن في نوع السلاح فقط، بل في طريقة التفكير والتخطيط وإدارة القوة.
فالقوة العسكرية تصبح مؤثرة عندما تقترن بـ:
رؤية سياسية واضحة
استقرار اقتصادي
قدرة على إدارة التوازنات الإقليمية
وهي عناصر لا تُقاس بعدد الصواريخ أو حجم الترسانة فقط.
إيران .. نموذج القوة غير المتوازنة
على مدى عقود ركزت إيران على بناء قوة عسكرية غير تقليدية تعتمد على:
الصواريخ الباليستية
الطائرات المسيّرة
الشبكات غير المباشرة في المنطقة
وقد منحتها هذه الأدوات قدرة على التأثير والضغط - إلى حد ما..
لكن هذه القوة لم تُترجم إلى قوة اقتصادية أو تنموية موازية.
فالمعادلة الإيرانية ظلت قائمة على القوة العسكرية مقابل اقتصاد ضعيف ، وضغط داخلي متزايد.
ولهذا فإن أي صراع معها لا يُقاس فقط بميزان الضربات العسكرية، بل أيضًا بقدرتها على تحمل تبعات الصراع طويلًا.
هل الحرب طريق لتغيير المنطقة؟
تاريخ الشرق الأوسط يشير إلى حقيقة واضحة:
الحروب قد تغيّر الخرائط العسكرية، لكنها نادرًا ما تعيد تشكيل المنطقة سياسيًا واقتصاديًا.
فالتغيير الحقيقي في ميزان القوة غالبًا ما يحدث عبر:
الاقتصاد
الاستقرار
التحالفات
إدارة المصالح المشتركة
وليس عبر الحرب وحدها.
الاستقرار.. العامل الحاسم
في قلب هذه المعادلة يقف عنصر غالبًا ما يُهمَل في النقاشات العسكرية:
الاستقرار.
فالنفط، والتجارة العالمية، والأسواق المالية، وممرات الطاقة، جميعها تعتمد على بيئة إقليمية مستقرة.
وأي اضطراب طويل الأمد في المنطقة ينعكس سريعًا على الاقتصاد العالمي.
ولهذا تصبح الدول القادرة على إدارة التوازنات والحفاظ على الاستقرار عنصرًا أساسيًا في معادلة القوة.
غير أن قراءة التاريخ تضيف بعدًا آخر لهذه المعادلة.
فالأزمات التي مرت بها المنطقة العربية عبر العقود تشير إلى حقيقة تستحق التأمل:
قد تتعرض المنطقة لاهتزازات قاسية، وقد تنكسر موازينها لفترات، لكنها نادرًا ما تُهزم.
ففي كل مرة تمر فيها المنطقة بأزمة عميقة، تعود تدريجيًا إلى إعادة ترتيب توازناتها، وغالبًا ما تخرج من التجربة أكثر خبرة وصلابة.
ما وراء الحرب
ربما لا تكون المعركة الحقيقية في الشرق الأوسط اليوم هي معركة الصواريخ أو الضربات الجوية.
بل معركة أعمق تتعلق بمستقبل المنطقة.
هل تستمر المنطقة في دائرة الصراعات العسكرية،
أم تنتقل تدريجيًا إلى مرحلة يصبح فيها الاستقرار والتنمية وإدارة المصالح المشتركة أساس ميزان القوة؟
قراءة BETH
التجربة التاريخية تشير إلى أن ميزان القوة في الشرق الأوسط لم يُبنَ يومًا على الحرب وحدها.
بل على القدرة على صناعة الاستقرار وحمايته.
ففي نهاية المطاف، لا تُقاس قوة الدول بعدد الصواريخ التي تطلقها،
بل بقدرتها على إدارة المنطقة نحو الاستقرار بدل الفوضى.
وربما يكون السؤال الأهم الذي سيحدد شكل الشرق الأوسط القادم ليس:
من يملك الصواريخ الأقوى؟
بل:
من يملك القدرة على صناعة السلام الأكثر استقرارًا.
__________
قراءة الصورة:
بين الحروب والاستقرار يتحدد ميزان المنطقة؛ فالقوة قد تفرض التوازن، لكن الحكمة وحدها تصنع الاستقرار.