جيش المستصحفين

news image

هل الصحافة مهنة… أم أصبح نقل الأخبار مهنة؟

قراءة في فوضى المهنة… حين يصبح الخبر بلا صحفي

 

كتب | عبدالله العميره

في كل مهنةٍ هناك مراتب تبدأ من التدرّب وتنتهي بالاحتراف.
وفي الصحافة، كان هناك مصطلح قديم يُستخدم داخل غرف الأخبار هو "المخبر الصحفي".

ولكي يكون المعنى واضحًا، فالمقصود بالمخبر هنا ليس المنتسب لجهة أمنية، بل الصحفي المبتدئ أو المتدرّب الذي يكتسب خبرته الأولى في الميدان.

لكن ما نشهده اليوم مختلف تمامًا.

فما كان يومًا مرحلة تدريبية طبيعية، تحوّل في السنوات الأخيرة إلى ظاهرة واسعة يمكن وصفها بوضوح:

جيش من المستصحفين.

أشخاص ينسبون أنفسهم للإعلام…
لكنهم في الحقيقة ليسوا صحفيين بالمعنى المهني للمهنة.

 

الصحافة ليست وظيفة للظهور

يظن بعض الناس أن الصحافة مهنة مغرية، مرتبطة بالشهرة والظهور الاجتماعي.

لكن الفرق الجوهري بين الصحفي المهني وغيره يكمن في المعايير.

فالصحفي الحقيقي يقوم عمله على:

الالتزام بأخلاقيات المهنة

الدقة والموضوعية

فهم السياق السياسي والاقتصادي

معرفة الجمهور وتأثير الرسالة

بينما يكتفي المستصحف بمهارة سطحية:
كتابة سريعة… أو نقل خبر… أو تصوير حدث.

الصحفي يفهم المشهد.
أما المستصحف فينقل اللحظة فقط.

 

صناعة أخبار بلا أثر

في السنوات الأخيرة، ظهرت ظاهرة أكثر خطورة.

فكثير من المؤسسات والجهات أصبحت تعتمد على شركات إعلامية خارجية لإعداد الأخبار ونشرها.

الناشر يتقاضى عقدًا…
ثم يوظف شبكة من المراسلين لتوزيع الأخبار كيفما اتفق.

وفي الغالب:

الخبر يُكتب في قسم العلاقات العامة

صياغته تقليدية

هدفه التلميع أو الترديد

ثم يبدأ جيش المستصحفين في توزيعه على وسائل إعلام مختلفة.

المحصلة؟

نشر واسع…
لكن بلا تأثير.

لا رصد.
لا قياس أثر.
لا تطوير.

 

الملاحظة الأخطر

المعلومة التي وصلتني مؤخرًا – وهي مؤكدة – أن عددًا من هؤلاء المراسلين والمراسلات بدأوا الاعتذار عن نقل الأخبار.

والسبب؟

الحرب.

الخوف من الوقوع في أخطاء مهنية.
الخوف من نشر معلومات حساسة.
الخوف من التعامل مع ملفات تحتاج إلى فهم وتحليل.

وهنا تظهر الحقيقة:

من كان يمارس الصحافة كنشاط عابر
لا يستطيع الاستمرار عندما تصبح الصحافة مسؤولية وطنية.

 

لحظة فرز

نحن اليوم في مرحلة تتطلب إعلامًا وطنيًا واعيًا.

ولهذا أرى أن الوقت قد حان لخطوتين واضحتين:

أولًا:
أن تقوم الجهات المعنية – وفي مقدمتها وزارة الإعلام – بعملية فرز مهني حقيقي.

وثانيًا:
أن يدرك من لا يملك القدرة أو المعرفة أن الصحافة ليست مجالًا للتجربة العابرة.

فالصحفي الذي لا:

يفهم السياسة

ولا يدرك السياق الدولي

ولا يعرف طبيعة الجمهور

يمكن أن يتحول بسهولة إلى خطر إعلامي.

 

الصحافة مسؤولية قبل أن تكون حرية

القاعدة التي أؤمن بها بسيطة:

خذ حريتك… وتحمل مسؤوليتك.

والمسؤولية هنا تعني أن تعرف:

ماذا تكتب

لماذا تكتب

وإلى أين ستصل رسالتك

وفي الأخبار الحساسة تحديدًا، يجب ألا يخوض فيها إلا من يملك:

معلومة موثوقة

أو توجيهًا واضحًا

أو خبرة مهنية كافية

 

وقت الصحفيين الحقيقيين

ما نحتاجه اليوم ليس مزيدًا من الناقلين.

بل صحفيين وطنيين يمتلكون:

الشجاعة

المعرفة

الخبرة

الفهم العميق لتأثير الكلمة

فالكلمة في زمن الأزمات ليست مجرد خبر.

إنها أداة وعي… أو أداة فوضى.

ولهذا فإن اللحظة الحالية ليست وقت المجاملات.

بل وقت الحقيقة.

لقد حان الوقت لأن يتقدم الصحفيون الحقيقيون
وأن يتراجع المستصحفون.

فالإعلام ليس مهنة من لا مهنة له.

 

قراءة عالمية

هذه الظاهرة ليست محلية فقط. ففي الغرب أيضًا حذّرت مؤسسات بحثية مثل معهد دراسة الصحافة بجامعة أكسفورد من اتساع الفجوة بين الصحافة المهنية القائمة على التحرير والتحقق، وبين ما يُعرف بـ اقتصاد المحتوى السريع الذي يعتمد على إعادة نشر المعلومات دون تحقيق أو تحليل كافٍ.

غير أن المؤسسات الإعلامية الكبرى هناك ما زالت تحافظ على خط فاصل واضح بين الصحفي المهني وصانع المحتوى.

أما حين يختفي هذا الخط، فإن الصحافة لا تتحول إلى إعلام أقوى…
بل إلى مجرد عملية توزيع أخبار بلا صحفيين.