إياكم والاستهانة بعقل الجمهور
كتب: عبدالله العميره
مقدمة
في زمن الحروب، لا تتحرك الجيوش وحدها، بل تتحرك معها الكلمات والتصريحات والروايات الإعلامية. غير أن بعض ما يُقال في المؤتمرات الصحفية أو البيانات السياسية يبدو أحيانًا وكأنه موجّه إلى جمهور لا يفكر، أو إلى متلقٍ لا يلاحظ التناقضات.
ففي الأيام الأخيرة، سمع العالم تصريحات متباينة:
تصريحات أميركية تتحدث عن اقتراب إيران من الهزيمة، في وقت تستمر فيه الصواريخ والمسيّرات في الانطلاق. وتصريحات إسرائيلية تمتلئ بنبرة الغرور السياسي وكأن المعركة قد حُسمت، بينما الواقع الميداني ما يزال مفتوحًا على احتمالات متعددة. وفي المقابل، تصدر من طهران تصريحات تتحدث بلغة التحدي والصمود المطلق، رغم الضربات التي تتعرض لها منشآتها ومواقعها العسكرية.
أما في أوروبا، فتخرج بيانات دبلوماسية تبدو وكأنها نسخة مكررة من بيانات قديمة: دعوات إلى التهدئة، وتحذيرات عامة، وصياغات حذرة لا تقول الكثير ولا تغير شيئًا.
كل هذه التصريحات تثير سؤالًا بسيطًا، لكنه عميق في الوقت نفسه:
هل ما زال بعض الساسة يعتقدون أن الجمهور لا يفكر؟
احترام العقول
في عصر الإعلام المفتوح لم يعد الجمهور ذلك المتلقي الصامت الذي يكتفي بسماع الرواية الرسمية. فالمعلومات تتدفق من مصادر متعددة، والصور تنتشر لحظة بلحظة، والتحليلات تتكاثر على المنصات الرقمية.
لهذا فإن أي خطاب سياسي يقوم على المبالغة أو التناقض أو الاستعراض الخطابي يصبح سريع الانكشاف.
فالناس اليوم لا تكتفي بالسؤال:
ماذا قال السياسي؟
بل تسأل أيضًا:
هل ما يقوله يتوافق مع الواقع؟
وهنا تظهر المشكلة عندما يتحول الخطاب السياسي من شرح للواقع إلى محاولة لتجميله أو تبسيطه أو تجاهل تعقيداته.
السياسة بين الغرور والدعاية
في كثير من الصراعات، تميل بعض القيادات السياسية إلى استخدام لغة الانتصار المبكر أو التحدي المبالغ فيه.
هذه اللغة قد تنجح في تعبئة الأنصار مؤقتًا، لكنها تحمل مخاطرة إعلامية كبيرة:
فإذا خالف الواقع تلك التصريحات، فإن النتيجة تكون فقدان المصداقية.
وفي المقابل، هناك خطاب آخر لا يقل إشكالية، وهو الخطاب الدبلوماسي المائع الذي يكتفي بعبارات عامة لا تقدم تفسيرًا حقيقيًا للأحداث.
بين الغرور السياسي والميوعة الدبلوماسية، يضيع أحيانًا الخطاب العقلاني الذي يحترم فهم الجمهور.
أين المستشارون الإعلاميون؟
يثير هذا المشهد سؤالًا مشروعًا:
ألا يوجد حول هؤلاء القادة مستشارون إعلاميون استراتيجيون ينصحونهم بطريقة مختلفة في مخاطبة الرأي العام؟
في الواقع، معظم القيادات السياسية تمتلك فرقًا من المستشارين والخبراء. لكن المشكلة ليست دائمًا في غياب المستشارين، بل أحيانًا في تجاهل نصائحهم، أو في تحول بعضهم إلى مجرد صدى لما يريد السياسي قوله.
فالخطاب الإعلامي الناجح لا يقوم على رفع سقف التصريحات، بل على بناء رواية متماسكة تقنع العقول قبل أن تخاطب المشاعر.
الجمهور تغيّر
المعادلة التي ربما لم يدركها بعض السياسيين بعد هي أن الجمهور في القرن الحادي والعشرين ليس هو جمهور القرن الماضي.
فالمواطن العادي اليوم يمتلك هاتفًا يحمل بين يديه قدرًا هائلًا من المعلومات والتحليلات والصور.
وهذا يعني أن الخطاب الذي يتجاهل ذكاء الجمهور أو يقلل من قدرته على الفهم يصبح خطابًا هشًا مهما بدا قويًا في لحظته.
الخلاصة
في النهاية، قد تنجح الدعاية لبعض الوقت، وقد تصنع التصريحات الصاخبة عناوين مثيرة، لكن الحقيقة البسيطة تظل ثابتة:
الاستخفاف بعقل الجمهور هو أقصر الطرق لفقدان ثقته.
فالجمهور قد يختلف في آرائه، وقد ينحاز في مواقفه، لكنه في النهاية يملك قدرة فطرية على التمييز بين الخطاب الذي يحترم عقله… والخطاب الذي يستخف به.
ولهذا فإن الحكمة السياسية والإعلامية تبدأ من قاعدة بسيطة:
إياكم والاستهانة بعقل الجمهور.
سؤال مهم
يبقى سؤال جوهري يفرض نفسه في ظل هذا الكم من التصريحات المتناقضة أو الغامضة:
هل يؤدي هذا النوع من الخطاب إلى حالة لامبالاة لدى الجمهور نتيجة تكرار الرسائل غير المقنعة؟
أم يدفع بعض المتابعين إلى الانتقال نفسيًا إلى رواية الطرف الآخر، ليس اقتناعًا به، بل احتجاجًا على خطاب لا يحترم عقولهم؟
في علم الاتصال السياسي، تشير التجارب إلى أن الرسائل غير المتماسكة لا تضعف ثقة الجمهور فقط، بل قد تدفعه أحيانًا إلى البحث عن رواية بديلة—even لو جاءت من خصم سياسي.
ولهذا فإن التعامل الصحيح مع الرأي العام لا يقوم على المبالغة أو الغموض، بل على خطابٍ صريحٍ ومتوازن يشرح الوقائع كما هي، ويعترف بتعقيدها بدل الهروب منه.
وأحيانًا يكون الصمت أفضل، لأنه الأصدق من خطابٍ مرتبك.
فالرسالة التي تحترم عقل الجمهور قد لا تكون دائمًا الأكثر صخبًا… لكنها غالبًا الأكثر بقاءً وتأثيرًا.
الصورة :
الجمهور قد يصمت… لكنه لا يتوقف عن التفكير.