الحرب الجارية .. وأسواق العالم

news image

تحليل BETH | إدارة الإعلام الاستراتيجي

مقدمة: عندما تتحرك الجغرافيا يهتز الاقتصاد

لم تعد الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى مجرد مواجهة عسكرية في الشرق الأوسط.

فالاقتصاد العالمي – الذي يعتمد على الطاقة والممرات البحرية وسلاسل الإمداد – بدأ يشعر مبكرًا بارتدادات هذه الحرب.

الأسواق لا تنتظر نتائج المعارك، بل تتفاعل مع الخطر المحتمل قبل وقوعه.

ولهذا شهدت الأيام الأولى للحرب ارتفاعًا في أسعار النفط، وزيادة في كلفة الشحن والتأمين البحري، وتوجه المستثمرين نحو الذهب والأصول الآمنة.

إنها معادلة قديمة في الاقتصاد الدولي:

عندما تقترب الحرب من الطاقة والمضائق… يدخل الاقتصاد العالمي منطقة القلق.

 

اقتصاد الحرب

الحروب الحديثة لا تؤثر فقط في الجيوش، بل تعيد تشكيل حركة المال والسلع في العالم.

وقد بدأت الحرب الجارية بالفعل في التأثير على ستة قطاعات رئيسية.

النفط: هل يقترب العالم من صدمة طاقة جديدة؟

النفط هو أول سوق يتفاعل مع أي توتر في الشرق الأوسط.

فالمنطقة تنتج ما يقارب ثلث الإمدادات النفطية العالمية، كما يمر جزء كبير من هذه الإمدادات عبر مضيق هرمز.

ومع تصاعد التوتر، ارتفعت المخاوف من احتمال تعطل الإمدادات أو تهديد خطوط النقل.

لكن حتى الآن لم تصل الأسواق إلى مرحلة "صدمة نفطية" شاملة، لأن:

الإنتاج الخليجي ما زال مستقرًا

الاحتياطيات الاستراتيجية لدى الدول الكبرى توفر هامش أمان

الأسواق اعتادت جزئيًا على المخاطر الجيوسياسية في المنطقة

ومع ذلك يبقى النفط المؤشر الأكثر حساسية لأي تصعيد جديد.

 

الغاز: سوق أكثر هدوءًا .. لكنه حساس

سوق الغاز العالمية أقل ارتباطًا بالممرات البحرية مقارنة بالنفط، لكنها ليست بعيدة عن التوتر.

فأي تصعيد كبير في الخليج قد يؤثر في صادرات الغاز المسال، خصوصًا من الدول الخليجية.

كما أن أوروبا – التي ما زالت تعيد ترتيب أمنها الطاقي بعد أزمة أوكرانيا – تتابع تطورات الخليج بحذر شديد.

 

اقتصاد المضائق

الحرب الحالية أعادت إلى الواجهة حقيقة جيوسياسية قديمة:

الاقتصاد العالمي يعتمد على عدد محدود من الممرات البحرية الحساسة.

مضيق هرمز: شريان الطاقة العالمي

يعد مضيق هرمز أحد أهم نقاط الاختناق في الاقتصاد العالمي.

يمر عبره نحو 20% من تجارة النفط العالمية.

ولهذا فإن أي تهديد للمضيق – حتى لو لم يتحقق فعليًا – يرفع مستوى القلق في الأسواق.

فالمشكلة ليست فقط في إغلاق المضيق، بل في احتمال تعطله أو تعرض السفن لمخاطر.

 

باب المندب وقناة السويس

الحرب في الخليج تتقاطع أيضًا مع ممرات أخرى مهمة:

باب المندب الذي يربط البحر الأحمر بالمحيط الهندي

قناة السويس التي تعد أحد أهم طرق التجارة بين آسيا وأوروبا

وأي اضطراب في هذه الممرات يمكن أن يرفع كلفة التجارة العالمية بشكل كبير.

 

التأمين البحري: تكلفة الحرب الخفية

واحدة من أولى نتائج الحروب البحرية هي ارتفاع أقساط التأمين على السفن.

فشركات التأمين ترفع أسعارها فورًا عندما تزداد المخاطر في مناطق الشحن.

وهذا يعني أن تكلفة نقل النفط والسلع سترتفع حتى لو لم تتعطل الإمدادات فعليًا.

ولهذا يُطلق الاقتصاديون على هذه الظاهرة:

ضريبة الحرب غير المباشرة.

 

أسواق القلق

الأسواق المالية لا تحب المفاجآت.

ولهذا تتجه الأموال في أوقات الحرب عادة إلى ما يعرف بـ الملاذات الآمنة.

الذهب

ارتفع الطلب على الذهب تاريخيًا في أوقات الحروب، لأنه يمثل أصلًا يحتفظ بقيمته عندما تهتز الأسواق.

الدولار

الدولار الأمريكي غالبًا ما يستفيد من الأزمات العالمية، لأنه ما يزال العملة الأكثر استخدامًا في التجارة الدولية.

الأسهم

أما أسواق الأسهم فتدخل عادة مرحلة من التقلب وعدم اليقين، حيث يحاول المستثمرون تقييم مدى اتساع الصراع وتأثيره في الاقتصاد العالمي.

الغذاء والسلع

الحروب في الشرق الأوسط قد تؤثر أيضًا في أسعار الغذاء.

ليس لأن المنطقة منتج رئيسي للحبوب، بل لأن:

ارتفاع كلفة الشحن

اضطراب الممرات البحرية

ارتفاع أسعار الطاقة

كلها عوامل تؤثر في تكلفة إنتاج ونقل الغذاء عالميًا.

 

من يربح اقتصادياً من الحرب؟

في كل حرب هناك خاسرون كثيرون… وقليل من المستفيدين.

قد تستفيد بعض القطاعات مثل:

شركات الطاقة

الصناعات العسكرية

شركات الأمن والتأمين

لكن الاقتصاد العالمي ككل يدفع ثمن عدم الاستقرار.

فالتوتر الطويل يعني:

ارتفاع كلفة الطاقة

تراجع الاستثمار

اضطراب التجارة

 

قراءة BETH

الحرب الجارية لم تصل بعد إلى مرحلة الصدمة الاقتصادية الكبرى، لكنها فتحت باب القلق في الأسواق العالمية.

فالاقتصاد العالمي اليوم أكثر ترابطًا من أي وقت مضى، وأي اضطراب في الطاقة أو الممرات البحرية يمكن أن يمتد أثره سريعًا إلى كل القارات.

لكن التجربة الاقتصادية تشير إلى حقيقة مهمة:

الأسواق قد تتحمل التوتر.. لكنها تخشى الغموض.

ولهذا فإن السؤال الذي تطرحه الأسواق الآن ليس فقط:

كم ستستمر الحرب؟

بل:

إلى أي مدى يمكن أن تقترب من شرايين الاقتصاد العالمي؟