عشرـة أيام ..ووجه المنطقة يتغيّر
إعداد وتحليل | إدارة الإعلام الاستراتيجي – وكالة BETH
مقدمة: حرب تتجاوز حدود الجغرافيا
بعد مرور عشرة أيام على اندلاع الحرب التي بدأت في 28 فبراير بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، لم تعد المواجهة مجرد تبادل للضربات العسكرية.
فالمنطقة تشهد اليوم حربًا متعددة الأبعاد تتداخل فيها الضربات الجوية، والضغط الاقتصادي، والهجمات السيبرانية، وحروب المعلومات عبر منصات التواصل الاجتماعي.
ومع اتساع رقعة التصعيد، يبرز سؤال محوري:
هل نحن أمام حرب محدودة الهدف… أم أمام لحظة إعادة تشكيل لموازين القوة في الشرق الأوسط؟
نتائج الأيام العشرة الأولى
حتى الآن، يمكن رصد أربع نتائج رئيسية:
أولاً: نقلت الولايات المتحدة وإسرائيل ساحة المعركة إلى العمق الإيراني عبر ضربات استهدفت بنى عسكرية ومواقع استراتيجية.
ثانيًا: الرد الإيراني المباشر على إسرائيل بقي محدود التأثير عسكريًا مقارنة بحجم الضربات التي تلقتها طهران.
ثالثًا: توسعت دائرة المخاطر لتشمل الاقتصاد العالمي، مع ارتفاع أسعار النفط وتعثر الملاحة الجوية والبحرية في المنطقة.
رابعًا: خرجت الحرب من إطارها العسكري التقليدي إلى نموذج الحرب الهجينة التي تشمل السايبر والدعاية الرقمية والتضليل الإعلامي.
ماذا تريد الولايات المتحدة؟
الخطاب الرسمي الأمريكي يركز على هدفين أساسيين:
تقويض القدرات الصاروخية والعسكرية الإيرانية
منع طهران من امتلاك سلاح نووي
لكن القراءة السياسية الأوسع تشير إلى هدف إضافي غير معلن:
إعادة تشكيل توازن القوة في إيران والمنطقة بطريقة تقلل قدرة طهران على تهديد الملاحة الدولية وشبكات الطاقة.
ماذا تريد إسرائيل؟
بالنسبة لإسرائيل، تبدو الأهداف أكثر وضوحًا وجرأة.
فالهدف لا يقتصر على تقليص القدرات العسكرية الإيرانية، بل يتجاوز ذلك إلى:
تفكيك شبكات النفوذ الإقليمي المرتبطة بطهران
ضرب البنية الصاروخية والنووية
إضعاف النظام الإيراني سياسيًا وربما فتح الباب لتغيير داخلي
وبذلك تتحول الحرب بالنسبة لتل أبيب إلى معركة وجودية طويلة المدى.
ماذا تريد دول الخليج .. وما الذي يُراد لها؟
وسط صخب الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، يبرز سؤال أقل تداولًا في التحليلات الدولية:
ماذا تريد دول الخليج والدول العربية من هذه الحرب؟
وماذا يمكن أن تُنتج هذه الحرب لها؟
حتى الآن، يبدو أن دول الخليج – وفي مقدمتها السعودية – تتعامل مع الصراع من منظور مختلف عن الأطراف المتحاربة.
فبينما تسعى القوى المتصارعة إلى تحقيق مكاسب استراتيجية أو عسكرية، تسعى دول الخليج إلى منع تحول الحرب إلى واقع دائم في المنطقة.
فمشروعات التنمية الضخمة، والتحولات الاقتصادية الكبرى، والاستثمارات العالمية التي تتدفق إلى المنطقة، كلها تقوم على شرط أساسي واحد:
الاستقرار.
ولهذا تبدو دول الخليج اليوم في موقع مختلف:
ليست طرفًا في الحرب، لكنها ليست بعيدة عن نتائجها.
لماذا لا تدخل دول الخليج الحرب؟
حتى الآن، تتبنى دول الخليج – وعلى رأسها السعودية – استراتيجية ضبط النفس المدروس.
فهي تعزز دفاعاتها الجوية وتتصدى للهجمات، لكنها تتجنب الانخراط المباشر في الحرب.
هذا الموقف يعكس قراءة استراتيجية واضحة:
الدخول في الحرب قد يحقق ردًا سريعًا، لكنه في المقابل يمنح طهران ما قد تريده:
توسيع ساحة الصراع وتحويله إلى حرب إقليمية مفتوحة.
لماذا يُستهدف الخليج؟
رغم تأكيد دول الخليج مرارًا أنها ليست طرفًا في الحرب، فقد تعرضت منشآت ومجالات جوية في المنطقة لمحاولات استهداف متكررة بالصواريخ والطائرات المسيّرة.
ويبدو أن الهدف الإيراني من ذلك يتجاوز الرد العسكري المباشر، ليتجه نحو رفع كلفة الحرب عالميًا عبر تهديد مصادر الطاقة والممرات البحرية الحيوية.
فالضغط على الخليج يعني عمليًا الضغط على الاقتصاد العالمي.
قدرات الخليج .. ومعادلة الردع
الحرب كشفت أيضًا جانبًا مهمًا يتعلق بقدرات دول الخليج.
فمنظومات الدفاع الجوي المتقدمة التي تمتلكها دول الخليج نجحت في اعتراض نسبة كبيرة من الصواريخ والطائرات المسيّرة، ما يعكس تطورًا واضحًا في بنية الردع الدفاعي في المنطقة.
لكن الاستراتيجية الخليجية لا تقوم على الرد العسكري وحده، بل على مزيج من الردع والدبلوماسية وضبط النفس.
وهذا ما يفسر تجنب الانخراط المباشر في الحرب رغم الاستهدافات المتكررة.
ماذا يمكن أن تنتجه هذه الحرب؟
النتيجة النهائية للحرب لن تتحدد فقط في ساحات القتال، بل في النظام الإقليمي الذي سيولد بعدها.
فهناك احتمالان رئيسيان:
الأول: أن تؤدي الحرب إلى تعميق الانقسامات والصراعات، ما يعني استمرار الشرق الأوسط كساحة توتر دائم.
الثاني: أن تدفع الصدمة الاستراتيجية الناتجة عن الحرب الأطراف المختلفة إلى إعادة التفكير في معادلات الأمن والتعاون الاقتصادي.
وفي هذا السيناريو، قد تتحول المنطقة تدريجيًا من ساحة صراع إلى منطقة تنافس اقتصادي وتنموي.
قراءة BETH
في لحظات الحروب الكبرى، لا يتحدد مستقبل المنطقة فقط بما يريده المتحاربون، بل بما يفعله الذين يرفضون الحرب.
وفي الشرق الأوسط اليوم، تبدو دول الخليج وكأنها تحاول الحفاظ على مسار مختلف:
مسار يقوم على التنمية والاستقرار والانفتاح الاقتصادي.
ولهذا قد لا تكون أهم نتيجة للحرب هي من انتصر عسكريًا…
بل من نجح في حماية مستقبله بعد الحرب.
الحرب السيبرانية: الجبهة الخفية
إلى جانب المواجهة العسكرية، تتصاعد الحرب الرقمية.
فالهجمات السيبرانية تستهدف منصات إلكترونية وخدمات رقمية بهدف إرباك الداخل وخلق حالة من الفوضى المعلوماتية.
هذه الحرب لا تدمر المدن… لكنها تضرب الثقة والاستقرار النفسي للمجتمعات.
حرب السوشيال ميديا
ربما تكون هذه الجبهة هي الأكثر تأثيرًا على الرأي العام.
فخلال الأيام الماضية انتشرت موجات من الفيديوهات المفبركة والمعلومات المضللة، ما خلق ضبابًا إعلاميًا يصعب فيه التمييز بين الحقيقة والدعاية.
وهنا يتحول الهدف من إقناع الجمهور إلى إرباكه.
فحين تختلط الحقيقة بالكذب، يفقد المتلقي ثقته بكل الروايات.
متى يمكن أن تتوقف الحرب؟
التقديرات تشير إلى ثلاثة سيناريوهات محتملة:
الأول: وقف إطلاق نار بعد مرحلة استنزاف عسكري وضغط اقتصادي عالمي.
الثاني: هدنة مؤقتة تجمّد القتال دون حل جذري للأسباب.
الثالث: اتساع الصراع إقليميًا إذا دخلت أطراف جديدة إلى ساحة المواجهة.
حتى الآن، لا توجد مؤشرات واضحة على نهاية قريبة، لكن المؤكد أن استمرار الحرب لفترة طويلة سيزيد الضغط على الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة.
المنطقة بعد الحرب: صراع أم تكامل؟
السؤال الأكبر لا يتعلق بالحرب نفسها… بل بما سيأتي بعدها.
فقد تقود هذه الحرب إلى أحد مسارين متناقضين:
إما مزيد من الانقسام والصراعات في المنطقة،
أو مرحلة جديدة من البراغماتية الاقتصادية تدفع الدول إلى تقليل التوترات والتركيز على التنمية.
لكن المؤشرات الحالية تميل إلى أن الطريق نحو الاستقرار لن يكون قصيرًا.
قراءة BETH
بعد عشرة أيام من الحرب، تبدو المنطقة أمام مفترق تاريخي.
الولايات المتحدة تسعى إلى إيران أضعف عسكريًا.
إسرائيل تريد إيران أضعف وربما نظامًا أضعف أيضًا.
إيران تحاول رفع كلفة الحرب على الجميع عبر الطاقة والممرات البحرية.
أما دول الخليج، وفي مقدمتها السعودية، فتسعى إلى حماية أمنها واستقرارها دون الانجرار إلى حرب أوسع.
و وسط هذا المشهد المضطرب، يبقى السؤال مفتوحًا:
هل ستنتهي هذه الحرب بإعادة رسم خريطة الصراع…
أم بإعادة رسم خريطة التعاون في الشرق الأوسط؟