السرديات العربية النخبوية.. مؤثرة أم ظاهرة بلا أثر؟

news image

في العالم العربي تظهر موجات فكرية كثيرة .. لكن القليل منها يترك أثرًا حقيقيًا .

الرياض | BETH – قراءة وتحليل

مقدمة

في العقود الأخيرة شهد العالم العربي ظهور عدد من المشاريع الثقافية التي تسعى إلى إعادة قراءة التاريخ الاجتماعي والسياسي من خلال السرديات الشخصية، وبخاصة تلك التي تروى عن تجارب في الحياة العامة و(النضال) السياسي.

وتقوم هذه المشاريع على فكرة أن التاريخ لا يُكتب فقط عبر الوثائق الرسمية أو الروايات السياسية الكبرى، بل أيضًا عبر قصص الأفراد وتجاربهم اليومية التي قد تكشف زوايا مختلفة من الأحداث.

ومن بين هذه المبادرات مشروع الأرشيف الشفوي الجندري العربي الذي يحاول توثيق شهادات نساء عايشن تحولات كبرى في العالم العربي خلال النصف الثاني من القرن العشرين.

ولا يُقصد تناول هذا النص بوصفه ردًا على كاتبته، بل باعتباره نموذجًا من نماذج فكرية عديدة شارك في صياغتها رجال ونساء، وتشكل جزءًا من ظاهرة ثقافية أوسع في الفكر العربي.

وفي هذا السياق كتبت الباحثة اللبنانية د. عزّة شرارة بيضون (أكاديمية وباحثة في شؤون المرأة والجندر من لبنان) مقالة بعنوان:

الشخصيّ والسياسيّ في خطاب نساء فلسطينيّات

وصل المقال إلى BETH عبر مؤسسة الفكر العربي

" عشرون امرأة من فلسطين، روَيْنَ قصصَ حيواتهنّ كي تُحفظ في "أرشيف التاريخ الشفويّ الجندريّ العربيّ: الجندر والسرديّات التاريخيّة البديلة وإنتاج المعارف" - مشروع قَيْد الإنشاء؛ وبين محتوياته روايات لنساء من بلدانٍ عربيّة ستّة هي الأردن، سوريا، فلسطين، العراق، لبنان، مصر. أقاصيص هؤلاء النساء وعددهنّ مئة وعشر، صَدرت في بيروت عن "المجلس العربيّ للعلوم الاجتماعيّة" (2025) في كتاب بعنوان "روايات نساء عربيّات من جيل السبعينات".

الراويات هؤلاء كنّ شاهدات على أحداث السبعينيّات من القَرن الماضي، وكنّ أيضاً، وفق ما كَتبت في مقدّمة الكتاب الباحثةُ الرئيسيّة في فريق العمل المُنفِّذ للمشروع المذكور، هدى الصدّة، مُنخرطات في العمل العامّ والحركات الاجتماعيّة، أو في المُبادرات المجتمعيّة، أو كنّ "داعمات وفاعلات في مواقع عملهنّ واهتماماتهنّ". في هذه المقالة اخترتُ أن أقرأ في أقاصيص الفلسطينيّات العشرين واللّواتي روَيْنها كي تُحفَظ في الأرشيف المذكور، وتكون بمثابة "توثيق لسرديّات ورؤىً" بعيون النساء ومن مواقعهنّ ومحطّات عيشهنّ لمرحلة السبعينيّات. هذه المقالة محاولة للنظر في وصفهنّ لمُشارَكة النساء العامّة في تشكيل ملامح هذه المرحلة المهمّة من تاريخنا، ورصْد الإضافة التي توفِّرها رواياتُهُنّ للسرديّة العامّة لهذه الفترة.

الراويات

باستثناء ثلاثٍ منهنّ، وُلدتِ الراوياتُ في الأربعينيّات والخمسينيّات من القرن الماضي، في فلسطين أو في بلد ٍعربيّ آخر؛ كلّهنّ وُلِدْنَ من أبٍ فلسطيني، باستثناء اثنتَيْن منهنّ اختارتا تبنّي جنسيّة أزواجهنّ الفلسطينيّة لشعورهنّ بانتماءٍ "وجداني"/ نضالي إلى فلسطين. يندر أن تَجِدَ بينهنّ مَن عاشت في بلدٍ وحيد؛ تنقّلْنَ مع أُسرهنّ في بلادٍ عِدّة، عربيّة وأجنبيّة، إمّا نزوحاً أو إبعاداً أو طَلباً للدراسة. أكثريّة آبائهنّ من الطبقة الوسطى المدينيّة، ومعظم الأمّهات غَير عاملات بأجر. وفي كلامهنّ المُرسَل، إشاراتٌ إلى اتّجاهات الأبوَيْن والأخوة والأخوات السياسيّة/ النضاليّة، وانتماءاتهم الحزبيّة، وعددٌ من هؤلاء يَنشط في الحركة الوطنيّة المُناهِضة للاحتلال، وفي أحزابها أو منظّماتها؛ وإذ أَبدى جميعُ الأهل دعماً لتعليم بناتهم، فإنّ عدداً من هؤلاء اضْطرَرْن للنضال بغية السماح لهنّ بـ "إنهائه"، خصوصاً حين تَقع الجامعةُ في خارج نِطاق بلدتهم. نالت كلّهنّ شهادات جامعيّة، وعملْنَ غالباً في أعمالٍ مناسبة لاختصاصهنّ. من بينهن طبيبة وثلاث مُهندسات، وأكثرهنّ عَمَلْنَ مدرّسات لموادٍّ علميّة، أو إنسانيّة، أو كنّ مديرات في مؤسّساتٍ تربويّة أو بحثيّة ما قَبل جامعيّة وجامعيّة. هؤلاء الراويات يَنتمين، إذاً، إلى "نخبة" ثقافيّة - اجتماعيّة، ولا تتّصف بيئاتهنّ الأسريّة بـ "المُحافِظة".

وعيٌ سياسيّ

في مقدّمة الكتاب أنّ النساء اللّواتي جرى اختيارهنّ، كنّ ولا زلْنَ، "مُنخرطات في العامّ". هذا الانخراط بَدأ باكراً وكان رفْضاً للاحتلال وتَبِعاته، وانطلقَ تأثُّراً بأبٍ أو بأمٍّ أو بأخوة مُنتَسبين إلى أحزابٍ قوميّة، مناضلين سياسيّين أو مُعتقَلين، وكان للمُدرِّسات دَورٌ في رفْع الوعي الوطني لديهنّ؛ الانخراط في "العامّ" كان، إذاً، تلقائيّاً ومن طبيعة الأمور. لكنّه ما لبث أن اتَّخذ الصفةَ الشخصيّة والالتزام الذّاتي الواعي، وأَحدث انعطافاً وجدانيّاً في حادثٍ صادمٍ سياسي، لعلّ حرب الأيّام الستّة في العام 1967، كان الأكثر صخباً وعموميّة في حالة النساء اللّواتي كنَّ في سنّ المُراهقة، فما فَوق، في ستّينيّات القَرن الماضي.

حين رَوت هؤلاء النساء "حكايات حيواتهنّ"، كنّ في سنواتٍ متقدّمة منها. كان عددٌ غير قليل منهنّ قد تبوّأْنَ مراكز قياديّة في الأحزاب والمنظّمات السياسيّة والهيئات الأكاديميّة التي انتمَيْن إليها، ومنهنّ مَن أصبحْنَ ممثّلات في المواقع التشريعيّة العامّة أو المحليّة بعد قيام السلطة الفلسطينيّة. في كلامهنّ تمييزٌ بين مرحلتَيْن: الأولى، حين كان النضال بين "الجماهير"، على الأرض وفي المخيّمات والجامعات والمدارس، أي حين كانت طبيعه النضال تَضعهنّ على تماسٍ مع الشباب والنساء، وحين كان وطنيّاً صرفاً بمواجهة عدوٍّ مُحتَلّ. والثانية، حين أَصبح مع قيام السلطة الفلسطينيّة مؤطَّراً في مؤسّساتٍ حكوميّة وغير حكوميّة، فباتتِ القضايا النسويّة، مثلاً، من اهتمام أعدادٍ محدودة من النساء. كان هذا باعثاً على الأسى لدى بعضهنّ، فيما اعتَبرت أخريات "أنّ لكلّ مرحلة أسلوباً في النضال".

بين التمييز والمُساواة

تفاوَتَ الموقفُ من التمييز الجندري في تنشئتهنّ؛ كان تمييزاً تقليديّاً، أو لم يكُن ذا شأنٍ فأُغفل ذكره، وكان تمييزاً إيجابيّاً في حالتَيْن اثنتَيْن. لكنّ كلّ هؤلاء، ومن دون استثناء، اختبرْنَ تمييزاً ضدّ النساء بعامّة، في الأُطر النضاليّة أو المهنيّة والسياسيّة التي عملْنَ فيها.

على أنّ المُشارَكة في النضال بمواجهة المحتلّ خصوصاً، بيَّنت لهنّ بالاختبار الملموس، واقعَ المساواة بينهنّ وبين الرجال، كما بيَّنت لهنّ "رجعيّة" التعبيرات المُجتمعيّة التمييزيّة عن واقع تلك المُساواة. "لم يكُن ذلك بسبب طرْح شعاراتٍ نسويّة"، إنّما بسبب واقع النضال ضدّ عدوّ، ومن تعبيراتها التدريب على السلاح والمُشارَكة في مُختلف الفعاليّات المُناهِضة للاحتلال، الظاهرة منها - كالإضرابات والاعتصامات، وتداعياتها من اعتقالٍ وإبعاد؛ وتجلَّت أيضاً في النضالات غَير المُعلَنة - كالعناية بأُسَرِ المُعتقَلين والشهداء والجرحى وإيواء مَن هُدِمت مساكنهم، كما التدريس غَير النّظامي للطلّاب في كلّ المراحل حين يُقفل المُحتلُّ المدارس، وتدريب النساء على مِهَنٍ تدرّ عليهنّ مالاً، إلى ما هنالك من أنشطة تَشَاَرَك فيها النساءُ والرجال معاً، دونما تمييز.

هذه الحال سوَّغت رفْعَ الشعار "شريكات في النضال/ شريكات في القرار". وتجلّى ذلك، مثلاً، في توزُّع النساء ما بَعد أوسلو على اللّجان التي حَضّرت لـ "وثيقة الاستقلال" التي أَعلنتْ صراحةً مبدأ "المُساواة الجندريّة"، بل حظْر التمييز الجنسي، وأَقرَّت الكوتا بنسبة 20%، فكان منهنّ قياديّات في اللّجان المركزيّة لمنظّماتهنّ وفي المجلس الوطني الفلسطيني، إضافةً إلى وجودهنّ على رأسِ مؤسّساتٍ أكاديميّة، ووزيراتٍ في الدولة ما بَعد أوسلو... إلخ. فيبدو من شهادات هؤلاء أنّ الحالة الفلسطينيّة لم تَعرف ما يُسمّى بـ "الظاهرة الجزائريّة"، حيث أُقصيتِ النساءُ اللّواتي اشتركْنَ في النضال ضدّ المُحتَلّ عن المُشارَكة السياسيّة وعن بناء الدولة المُحرَّرة، إثر انتصار الثورة.

بين نضالَيْن

يطفو على سطح كلام النساء هَمٌّ مُشترَك ذو صلة بتحديد الأولويّة بين نضالَيْن: "الوطني" و"النّسوي". ويَقع خطابُ هؤلاء على متّصلٍ بين اتّجاهَيْن يَرفع واحدُهما أولويّة العمل النسوي بحجّة ضرورة تحرير النساء من العوائق القانونيّة التي تُكبّلهنّ وتُعيق انخراطهنّ في النضال ضدّ الاحتلال أو في مَسار بناء الدولة، والثاني يَرى إلى أولويّة النضال الوطني لأنّه من العَبَثِ مُطالَبة الدولة الحاليّة بتنفيذ القوانين المُساواتيّة وهي لا تُمسِك زمام أمورها بيَدِها. أكثريّة هؤلاء النساء يُدركْنَ أنّ النشاط النسوي الذي تغذّى من النضال الوطني يصعب استواؤه أولويّة في ظلّ الاحتلال، وأنّ النضالَ الوطني كانت مشاركة النساء فيه، ولا تزال، حرِجة. أكثر من واحدة منهنّ عبَّرت عن التحدّي الذي يواجهْنه: وجوب إحداث التوازُن بين النضال النسوي والنضال الوطني…

الشخصيّ والسياسيّ

في روايات النساء الفلسطينيّات، تُهيْمِن مُجريات الحياة العامّة على حيواتهنّ بشكلٍ غامر، فما يَجري في العامّ مؤثّرٌ صراحةً في مساراتها ومصائرها. ويتعرّف القارئ إلى نشاط الواحدة منهنّ، بدءاً من البيت، مروراً بـ "الشارع" أو في المدرسة والجامعة أو في مؤسّسات المُجتمع بموازاة الأحداث المتتالية: النكبة والنزوح والعيش في المخيّمات، ثمَّ النكسة، والإبعاد من الأردن، واللّجوء إلى لبنان، والاجتياح الإسرائيلي للبنان، والإبعاد إلى تونس، ومن ثمَّ الانتفاضة، وأوسلو، والتحضير للدولة/ السلطة وما بَعده. فالتأريخ لتشكُّلِ شخصيّاتهنّ الفرديّة، الهويّة الأنثويّة ضمناً، ووعيهنّ لذواتهنّ، يُحَقَّبُ بالتوازي مع هذه الأحداث وتبِعاتها. فعلى النقيض من "المعروف السائد"، فإنّ حيوات هؤلاء الفلسطينيّات لا تتمفصل على إيقاع أجسادهنّ ووظائفها، ولا على أدوارهنّ الاجتماعيّة، ولا تبعاً للمراحل النفسانيّة والاجتماعيّة المُوازية لهذه الأدوار وتلك الوظائف وتضميناتها. فلو أَخذْنا الزواج أو الإنجاب، مثلاً، فإنّ الراويات لا يَذكرْنَ حدوثَ أيٍّ منهما بوصفه حَدثاً مفصليّاً في مَسار حيواتهنّ، بل يأتي الكلام عن الزوج والأبناء عَرَضاً في حال اعتُقل أحدهم أو استَشهد أو أُبعد.

في كلام الراويات الفلسطينيّات تَبرز نواحٍ تَنفرد النساءُ في الإضاءة عليها. منها أنّ مُواجَهة الاحتلال لم تكُن لتقوم لو أنّها كانت عسكريّة صرفاً. إذ إنّ تبِعات النضال العسكري من تهجير، وتدمير مساكن ومصانع، وإقفال مدارس وجامعات وتخريب نشاطات ثقافيّة... كلّها استَلْزَمت مهمّات بادَرتِ النساءُ في إطارِ مجموعاتٍ شَكَّلْنَها إلى تنفيذِها. وحين واجهْنَ تنميطاً جندريّاً استوى عائقاً أمام مشاركاتهنّ النضاليّة، جاء نقضُهُ عمليّاً: بدءاً من التظاهُر والاعتصام، وانتهاءً بفرْضِ وجودهنّ في القيادة، إنْ في الأحزاب والمنظّمات التي يَنتمين إليها أو في الهيئات التشريعيّة والتنفيذيّة في مواقع السلطة.

إغناء السرديّات

شهادات هؤلاء النساء كان القصد منها إغناء السرديّة التاريخيّة لسنواتِ السبعينيّات بإتباعها بروايةٍ نسويّة لها فحصّلنا، عبرها، "لقطات عن قُرب" لمُجرياتها مَلأت فراغاتٍ من مَلامحها العامّة، ووفَّرت لنا التعرُّف على فاعلين مُغيَّبين: النساء - ناشطات في مُناهَضة الاحتلال سابقاً، وقياديّات راهناً؛ وذلك بتوسُّل أقصوصاتٍ تروي أحداثاً بلهجةٍ نابضة تَشتمل على اتّجاهاتٍ ومشاعر، وتُحرِّك تفاصيل تَحكي عن فظاعة عنف المُحتَلّ، لكنّها تَحكي أيضاً عن مُقاوَمة النساء متعدّدة الأشكال للاحتلال؛ مُقاوَمة لا تَعرف الاستكانة ولا التراجُع.

أخيراً، أعترفُ أنّ الكتابةَ عن قسمٍ من روايات نساء...، وربّما مُطلَق كتابة عن أقاصيص ترويها نساء عن حيواتهنّ، تَنزع عنها توقُّدَها وحيويَّتَها المبثوثة في ثناياها المكتظّة بالأحداث، وتَحجب تفاصيلَ الفعل فيها والانفعال بها، وتغفل عن تصوير المشاهد الموصوفة والتعبير عن الأحاسيس التي، وإنْ التقطَها الكاتب، يصعب عليه استرجاعها ببلاغة الراوية الأصليّة"..

__________ 

تعليق BETH

بين التوثيق الثقافي والظاهرة الفكرية

يثير هذا النوع من المشاريع الثقافية سؤالًا أعمق من مجرد التوثيق التاريخي:
ما الأثر الحقيقي لمثل هذه الظواهر الفكرية على المجتمعات العربية؟

فمن الناحية البحثية تمثل هذه الشهادات محاولة لإثراء السردية التاريخية عبر إدخال الخبرة النسوية والشخصية إلى قراءة الأحداث السياسية والاجتماعية، وهو أمر مهم في الدراسات الأكاديمية الحديثة التي ترى أن التاريخ ليس رواية واحدة بل روايات متعددة.

لكن من زاوية أخرى يبرز تساؤل مشروع حول مدى تأثير هذه المشاريع خارج الدوائر الأكاديمية والثقافية.

فغالبًا ما تبقى مثل هذه المبادرات محصورة في:

الجامعات ومراكز البحث

الندوات الثقافية

الكتب الأكاديمية المتخصصة

بينما يظل تأثيرها المباشر في بنية المجتمع أو الوعي العام محدودًا.

النخبة الثقافية .. والجمهور الغائب

يشير النص نفسه إلى أن معظم النساء اللواتي رُويت قصصهن ينتمين إلى نخبة تعليمية وثقافية، ما يطرح سؤالًا إضافيًا:

هل تمثل هذه السرديات التجربة الاجتماعية العامة، أم أنها تعكس تجربة شريحة محددة من المجتمع؟

ففي كثير من الأحيان تتحول هذه الكتابات إلى خطاب نخبوي يقرأه الباحثون والمهتمون، بينما يبقى المجتمع الأوسع بعيدًا عن تأثيره.

بين التوثيق والضجيج الثقافي

لا يمكن إنكار القيمة التوثيقية لهذه المشاريع، فهي تسهم في حفظ تجارب إنسانية مهمة وقد تضيف تفاصيل جديدة إلى فهم مراحل تاريخية معقدة.

لكن المشكلة تظهر عندما تتحول هذه الظواهر الفكرية إلى موجات ثقافية مؤقتة تشبه ما يُعرف اليوم بـ "الترند الفكري"؛ يكثر الحديث عنها في فترة محدودة ثم تتراجع دون أن تترك أثرًا عميقًا في بنية الفكر أو المجتمع.

وقد مرّ المجتمع العربي بمرحلة من الضجيج الثقافي تداخلت فيها أهواء بعض من اعتُبروا مؤثرين آنذاك، فكان تأثير بعض الإنتاج الفكري سلبيًا أكثر من كونه إيجابيًا، وتركّز الخطاب أحيانًا على الجدل والمماحكة، حتى انعكست بعض آثاره في توتر العلاقات بين المجتمعات العربية.

أما الجيل الحالي فيبدو أكثر انفتاحًا؛ إذ أسهمت المعرفة المشتركة والتقنيات الحديثة في توسيع أفق التواصل وتعزيز الصورة الإيجابية، مع تراجع كثير من السرديات السلبية التي طبعت مراحل سابقة.

فالضجيج الثقافي قد يملأ اللحظة… لكنه نادرًا ما يصنع تاريخًا.

 

قراءة سريعة أعمق

الدرس الأهم من مثل هذه النصوص ليس فقط في ما تقوله، بل في السؤال الذي تطرحه ضمنًا:

هل تستطيع السرديات الفردية أن تغيّر فهمنا للتاريخ فعلًا، أم أنها مجرد طبقة إضافية من التأويل الثقافي؟

السرديات النسوية .. معرفة أم موضة فكرية؟

في النهاية لا يمكن إنكار أن توثيق التجارب الإنسانية – ومنها تجارب النساء في النضال والعمل العام – يضيف طبقة مهمة إلى فهم التاريخ الاجتماعي والسياسي.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه خارج الإطار الأكاديمي هو:

هل تحولت هذه السرديات إلى معرفة مؤثرة في المجتمع، أم بقيت محصورة في دوائر البحث والندوات والكتب المتخصصة؟

فالتاريخ العربي الحديث شهد موجات فكرية كثيرة رفعت شعارات مختلفة، لكنها تراجعت سريعًا عندما اصطدمت بواقع المجتمعات وتعقيداتها.

ولهذا يبقى التحدي الحقيقي لأي مشروع فكري ليس في إنتاج النصوص، بل في تحويل المعرفة إلى وعي اجتماعي حيّ يتجاوز حدود النخبة الثقافية.

تعليق أخير

قد تضيف هذه السرديات تفاصيل جديدة إلى قراءة الماضي،
لكن السؤال الأهم يبقى دائمًا:

هل تغيّر المجتمعات… أم تغيّر فقط طريقة كتابة الكتب؟

وماذا بقي اليوم من تلك “الترندات الفكرية” العتيقة… غير عناوين في رفوف المكتبات؟

خلاصة

بين التوثيق الثقافي والجدل الفكري، تبقى مثل هذه المشاريع محاولة لقراءة التاريخ من زاوية مختلفة.

لكن أثرها الحقيقي لا يُقاس بعدد الكتب أو الدراسات، بل بمدى قدرتها على الوصول إلى المجتمع وتغيير طريقة فهمه لذاته وتاريخه.

وحتى الآن يبدو أن كثيرًا من هذه الظواهر الثقافية في العالم العربي تظل محصورة في نطاق النخبة، أكثر مما تتحول إلى قوة فكرية مؤثرة في المجتمع.