روسيا وأوروبا .. تاريخ العناق والصدام
حضارتان متجاورتان بين التنافس والاضطرار للتعايش
الرياض | BETH
مقدمة
في لحظة تاريخية يتصاعد فيها التوتر بين روسيا وأوروبا على خلفية الحرب في أوكرانيا، يعود سؤال قديم إلى الواجهة:
هل روسيا جزء من أوروبا… أم حضارة مختلفة تقف على حدودها؟
فالعلاقة بين الطرفين لم تكن يومًا علاقة عادية بين جارين، بل علاقة معقدة امتزج فيها التاريخ بالثقافة والسياسة والجغرافيا.
بين الحروب والتحالفات، وبين التقارب والقطيعة، ظلت روسيا وأوروبا تتحركان على حافة معادلة دقيقة: العداء والتعايش في آنٍ واحد.
وفي هذا السياق، يقدّم الباحث اللبناني في الشؤون الاقتصادية والجيوسياسية الدكتور محمد دياب قراءة تاريخية وتحليلية لمسار العلاقات الروسية – الأوروبية، محاولًا استكشاف جذورها الفكرية والسياسية ومساراتها المحتملة في المستقبل.
في ما يلي نص المقال:
روسيا وأوروبا: حضارتان مُختلفتان، لكلٍّ منهما ثقافتها وطريقها الخاصّ في التطوّر، شهدتا على مرّ العصور مُجابهات، كانت تخفُتُ حيناً وتشتدّ في أغلب الأحيان. حروب طاحنة نَشبت بينهما مراراً، توحَّدت فيها الدولُ الأوروبيّة، أو غالبيّتها، في مواجهة "الجار الشرقيّ". وفي المُقابل، مَرّت حقبات، وإن قصيرة الأمد، وأقلّ تكراراً، سادتْ فيها روحُ التقارب والتفاهم بينهما، أثمرت انفراجاً سياسيّاً واقتصاديّاً مفيداً لكليهما، وتلاقُحاً ثقافيّاً تجاوَزت آثارُه الإيجابيّة حدودَ الطرفَيْن. نحاول في هذه المقالة تقديمَ عرضٍ لتاريخ هذه العلاقات وحاضرها وآفاقها.
العلاقة بين روسيا وأوروبا قديمة، عميقة الجذور. إنّها علاقة ذات أبعادٍ جغرافيّة، اقتصاديّة وجيوسياسيّة، تاريخيّة وثقافيّة حضاريّة، أدبيّة ولغويّة. علاقة كانت على الدوام متشعّبة، مُتناقضة ومعقّدة، تأرْجَحت بَين العداوة والعشق، بين التقارُب والفراق، تخلَّلتها صراعات وحروب وتفاعلات أدبيّة، فنيّة، فكريّة وثقافيّة. كلّ ذلك أَسْهَم في حدودٍ كبيرة في تكوُّنِ الهويّة الروسيّة وترْكِ بصماتها العميقة في سلوك النُّخب الروسيّة، السياسيّة والثقافيّة، وتوجُّهاتها.
ظلّت هذه العلاقة، سواء في حقبات التقارُب المُتبادَل أم فترات التباعُد والتنافر، عنصراً مكوِّناً في الحياة الروسيّة والحياة الأوروبيّة على حدّ سواء. فقد ظلَّ الجانبان على مدى قرونٍ يتفحّصان بعضهما البعض، يُمعنان النَّظر مُحاولين تبيُّن أوجه الاختلاف والتشابُه في ما بينهما، حتّى من دون وعي أسباب هذه الحاجة، "الميتافيزيقيّة"، لتفكيكِ شيفرة تلك العلاقة. فكلاهما كان ولا يزال يسعى إلى الذَّوْدِ عن استقلاليّته عن الآخر وتميُّزه عنه، مؤكّداً هويّته الخاصّة، فيتصاعد سوء الفهْم لهذا الآخر ويتعاظَم ليتحوَّل إلى عداوةٍ مُعلَنة.
طبعتْ هذه العداوةُ العلاقاتِ الروسيّة - الأوروبيّة على مدى القرون السابقة، على الرّغم من فترات الانفراج القصيرة التي تخلّلتها، سواء بعد الحروب النابوليونيّة التي انتهت بهزيمة نابوليون ودخول القوّات الروسيّة باريس، أم بَعد الحرب الحرب العالميّة الثانية ودخول الجيوش السوفياتيّة برلين، والتي أَعقبتها حربٌ باردة (تخلّلها قدر من "الدفء" في فترة اختلال توازُن روسيا عقب تفكُّك الاتّحاد السوفياتي في تسعينيّات القرن الماضي) تحوَّلت إلى ما يشبه القطيعة بين الجانبَيْن بعد نشوب الحرب الأوكرانيّة. ففي منتصف القرن التّاسع عشر كَتب الشاعرُ والدبلوماسي الروسي الذي عمل طويلاً في أوروبا، فيودور تيوتشوف، عن حالةِ العداء هذه على النحو: "إنّ هذا العداء المسعور الذي يكنّه الغرب لروسيا يتصاعَد من عامٍ إلى عام أكثر فأكثر، ويُنذر بالإنفلات من عقاله. لقد حلّت هذه اللّحظة. إنّهم يقترحون على روسيا الانتحار: التخلّي عن أُسس وجودها". ولم يكُن أمراً عابراً أن يَقتبس وزير الخارجيّة الروسي الحالي سيرغي لافروف هذه الكلمات، في معرض توصيفه لواقع العلاقات الروسيّة - الأوروبيّة اليوم، في محاضرةٍ أمام الجسم الدبلوماسي الروسي في موسكو مؤخّراً.
منذ أن فَتح القيصرُ بطرس الأكبر "نافذةً على أوروبا" مشرّعاً روسيا أمام الأهواء والتيّارات والأفكار والإنجازات الأوروبيّة في شتّى المجالات، أصبحت العلاقاتُ بين روسيا وأوروبا مادّةً لصراعاتٍ وتوجّهاتٍ متباينة في المجتمع الروسي، بين مَن يرى بأنّ روسيا جزءٌ من أوروبا تربطها صِلاتٌ وثيقة لا تَنفصم بالحضارة الأوروبيّة، ومَن يؤكِّد بأنّ روسيا هي عالَمٌ قائم بذاته ذو ثقافة أصيلة تجسِّد حضارةً عريقة تتجاوز حدود أوروبا.
فمنذ أيّام بطرس الأكبر اعتَبرت شرائح واسعة من النّخب السياسيّة والاجتماعيّة والفكريّة والثقافيّة الروسيّة نفسَها جزءاً من أوروبا وثقافتها؛ بل إنّ كاتباً روسيّاً كبيراً هو فيودور دوستويفسكي، الذي يُعَدّ في كتاباته من أبرز المُعبّرين عن الروح الوطنيّة الروسيّة، ذهب في مذكّراته (في العام 1876) إلى حدّ القول: "لدينا، نحن الروس، وطنان، روسيا الأمّ وأوروبا، ولا مناقشة في ذلك...". ولم يرَ تعارُضاً في هذا مع ما كان يسمّيه "الأصالة الروسيّة". فيضيف في المذكّرات نفسها: "إنّ الرسالة الأسمى التي يراها الروس أمامهم هي رسالة إنسانيّة عامّة، تتمثّل في خدمة البشريّة جمعاء، وليس روسيا وحدها". منذ ذلك الحين صارَ للثقافة الغربيّة تأثيرٌ جليّ ومُتزايد في النّخب الروسيّة، وغدا "الحجُّ" إلى أوروبا أمراً حتميّاً ومُعتاداً للكتّاب والشعراء الروس الكبار ولمُمثِّلي علّيّة المُجتمع، وأصبحتِ اللّغةُ الفرنسيّة لغةَ الصالونات الروسيّة، وغدتِ الاستعانةُ بالمربّين والمدرّسين الأوروبيّين لتعليم أبناء السياسيّين والنبلاء والشرائح العليا من المُجتمع دليلاً وعلامةً على التلاقُح والارتباط بين الثقافتَيْن. ونَشأت علاقاتُ قربى ومصاهرة بين الأسرة الحاكمة في روسيا والبيوتات المَلكيّة في أوروبا؛ بل إنّ إحدى أبرز قياصرة روسيا، كاترين الكبرى، التي تحوَّلت روسيا في عهدها إلى إمبراطوريّةٍ عظمى، كانت من أصولٍ ألمانيّة. وعلى الرّغم من حدّة المُجابَهة الشَّرسة اليوم بين روسيا والغرب، ثمّة تيّار لا يُستهان به في أوساط المثقّفين الروس (وليس المثقّفين وحدهم)، هو امتداد لتقاليد قديمة، يرى أنّ مستقبل روسيا يَرتبط بتوجّهها غرباً. ولهذا التيّار ذي الهوى الغربيّ قوّةٌ وتأثيرٌ جليّان في الوسط الفنّي والأدبي والإعلامي. أصحابُ هذا التيّار يَعِدُّون روسيا جزءاً من الحضارة الأوروبيّة، تكوَّنت ثقافتُها وتعزَّزت في قلبها وتكاملت معها، ولا مستقبل لها إلّا في سياق الحداثة الغربيّة.
وهناك في المُقابل تيّارٌ مُعارِض، من أبرز مُمثّليه الفيلسوف البارز في القرن التّاسع عشر نيقولاي دانيلوفسكي الذي صاغَ أفكارَه في كتابه المحوريّ "روسيا وأوروبا: نظرة إلى العلاقات الثقافيّة التاريخيّة والسياسيّة بين العالَم السلافي والعالَم الجرمانيّ الرومانيّ" الصادر في العام 1829، والذي لديه كثرة كاثرة من المُريدين اليوم. يَتناول دانيلوفسكي العلاقةَ بين أوروبا وروسيا من منظور انتمائهما إلى نمطَيْن ثقافيَّيْن تاريخيَّيْن مُختلفَيْن. فيرى بأنّ المُجابَهة بينهما، هي في الواقع مُجابَهة بين هذَيْن النمطَيْن اللّذَيْن يحملان منظومتَيْ قيَم مُتعارضتَيْن كليّاً. ويَختصر الفيلسوفُ فكرتَه بالقول بصورةٍ جازمة: "روسيا ليست أوروبا"، موضحاً أنّ أوروبا التي يعنيها ليست مفهوماً جغرافيّاً، وإنّما مفهومها هنا هو ذاك المفهوم "الثقافي التاريخي".
ويسهب دانيلوفسكي في شرح أوجه التعارُض بين هذَيْن النمطَيْن الثقافيَّيْن التاريخيَّيْن، مركِّزاً على الخصائص التي تَطبع كلّاً منهما. فيقول بأنّ "المَيل إلى العنف هي سمة غربيّة أصيلة لا تُمحى. فكلّ الشعوب الأوروبيّة تقريباً كانت شعوباً غازية ومُستعمِرة. كما أنّ السمات المميّزة للشعوب الغربيّة تتمثّل، بحسب رأيه، بالنّزعة الفردانيّة وعلوّ المَيْل إلى الحريّة الفرديّة والروح العمليّة وقوّة المُنافَسة وروح المُغامَرة ودرجة التنظيم العالية والشعور بالتفوُّق على الشعوب الأخرى والمَيل إلى التحكُّم بالآخرين". وكلّها سمات تتعارَض مع سمات الشعب الروسيّ وطبائعِه التي يُلخصّها على النحو الآتي: "ليست المصلحة هي العنصر الأساس، ولا هي القوّة المحرِّكة الرئيسة للشعب الروسي الذي، على خلاف الشعوب الغربيّة، يميل إلى التسامُح والمُسالَمة". بناءً على ذلك، وردّاً عن سؤال عمّا إذا كانت روسيا تنتمي إلى أوروبا، يجيب بصورةٍ قاطعة: "لحسن الحظّ لا، هي ليست جزءاً منها لأنّ سيرورتها التاريخيّة مُختلفة بالكامل".
تاريخ العلاقات الروسيّة - الأوروبيّة
ظلَّت روسيا حتّى القرن السابع عشر خارج الحياة السياسيّة الأوروبيّة، باستثناء حروبها مع السويد وبولندا والسلطنة العثمانيّة؛ إلى أن تبوّأ القيصرُ بطرس الأكبر العرش. قَبله، كانت روسيا، بالنسبة إلى الأوروبيّين عموماً، عالَماً غريباً، "وحشيّاً"، فعملَ على "فتْح نافذة على أوروبا"، واتّبع نَهجاً سياسيّاً وتربويّاً واقتصاديّاً، وأَقام علاقاتٍ دبلوماسيّةً واقتصاديّةً وثقافيّةً مع الدول الأوروبيّة وأجرى مجموعةً من الإصلاحات الداخليّة وعزَّز قدرات البلاد الاقتصاديّة وحقَّق انتصاراتٍ حربيّة أَسهمت في توسُّعِ روسيا وفكِّ عزلتها وفتحتْ طرقَ التجارة البحريّة والوصول إلى المياه الدافئة أمامها. أَسهم ذلك كلّه في تحوُّلِها إلى إمبراطوريّةٍ مُتراميةِ الأطراف، مرهوبة الجانب، ذات موارد طائلة وجيش قويّ.. علاوة على أنّها صارت لاعباً بارزاً وفاعِلاً في العلاقات الدوليّة. منذ ذاك الحين غَدت روسيا، بالنسبة إلى الأوروبيّين، مصدرَ قلقٍ بحدّ ذاته. فهي، سواء في حالات التقارب أم حالات المُجابَهة، إمّا شريك لا بدّ من أخذه في الحسبان، حتّى في حالات ضعفه، ناهيك بتعافيه، وإمّا مصدر خطر يكاد يكون وجوديّاً. أكملت كاترينا الكبرى خطى بطرس وعزَّزت مواقع الإمبراطوريّة وقوّتها ومدّت أنشطتَها نحو البحر المتوسّط، مُحاوِلةً بناء قواعد نفوذ وعلاقات عسكريّة وسياسيّة مع العديد من اللّاعبين الإقليميّين، من أمثال علي بك في مصر، وظاهر العمر في فلسطين. وشكَّل ذلك عنصرَ تحدٍّ للنفوذ الأوروبي في تلك المنطقة.
في القَرن الثامن عشر، أَلهبت الثورةُ الفرنسيّة الأوضاعَ السياسيّة والعلاقات الدوليّة في أوروبا ووصلتْ شظاياها إلى روسيا. ومع وصول نابوليون بونابرت إلى السلطة في فرنسا والحروب التي شنّها في كلّ الاتّجاهات وصولاً إلى روسيا، وجدتْ هذه نفسها حُكماً في عداد الحلف الذي تشكّل في مواجهته وضَمّ أعداءً لها سابقين في مقدّمتهم إنكلترا والسويد، ولعبت دَوراً فاعلاً في إلحاق الهزيمة به تُوِّجت بدخول القوّات الروسيّة باريس في آذار/ مارس من العام 1814، ما عزّز دورَها في الحياة السياسيّة الأوروبيّة وأَتاح فترةَ انفراجٍ مع الدول الأوروبيّة الأساسيّة، دامت ردحاً من الزمن.
بَعد حقبة من الانفراج النسبيّ في العلاقات الروسيّة - الأوروبيّة في النصف الأوّل من القرن التّاسع عشر، تفجَّر النّزاعُ مجدّداً مع اندلاع حرب القرم بين روسيا والسلطنة العثمانيّة ودخول كلٍّ من بريطانيا وفرنسا فيها إلى جانب السلطنة. فعادت أجواءُ العداء لتسودَ تلك العلاقات. وصولاً إلى عهد ألكسندر الثالث في نهاية القرن، الذي أَحجم عن الانخراط في أيّ نزاعاتٍ حربيّة في القارّة، ونيقولاي الثاني الذي حذا حذوَ والده في سياسته المُسالِمة.
انتهت فترةُ السلام مع اندلاع الحرب العالميّة الأولى وانخراطِ روسيا فيها إلى جانب الحلف المؤلَّف من بريطانيا وفرنسا وغالبيّة الدول الأوروبيّة في مواجهة ألمانيا وحلفائها. لم تدُم حالةُ "الوئام والتحالُف" هذه طويلاً، وانتهتْ باندلاعِ الثورة الروسيّة والحرب الأهليّة التي أعقبتها والتدخُّل العسكري من قِبَل الحلفاء السابقين إلى جانب القوى المُعادية للثورة. دخلتِ القوّاتُ الأوروبية الأراضي الروسيّة بهدفٍ مُعلَن هو دعْم الجيش الأبيض، في حين كان هدفُها الأصيل هو تفكيك الإمبراطوريّة الروسيّة إلى كياناتٍ صغيرة مُتصارعة والسيطرة على ثرواتها، والقضاء، على حدّ قول بعض المؤرّخين الروس، على ما يُسمّى "العالَم الروسيّ" الموحَّد.
تمكَّن حكّامُ روسيا الجُدد من إخراجِ القوّات الغازية ونَجتْ روسيا من التقسيم. ودخلتْ في عصرٍ جديد، هو "العصر السوفياتي"، الذي جَرت عمليّةُ بناء نظامه خَلف "ستار حديدي" فَصَلَ روسيا عن أوروبا سياسيّاً واقتصاديّاً وأيديولوجيّاً. كانت تلك الحقبة الأكثر ابتعاداً وافتراقاً في الصراع بين الجانبَيْن، تخلَّلتها فترة "تحالُف" قصيرة في أثناء الحرب العالَميّة الثانية في مُواجَهة ألمانيا الهتلريّة أعقبها صعودُ الاتّحاد السوفياتي، المُنتصِر في الحرب والمثخَن بالجراح، إلى مرتبة القطب العالَميّ والدولة العظمى، ليعودَ الصراعُ على أشدّه بين الجانبَيْن في ظلّ "الحرب الباردة"، التي انتهتْ بتفكُّك الاتّحاد السوفياتي في مطلع تسعينيّات القَرن المُنصرم.
بعد انتهاء الحرب دخل العالَمُ مُجابهةً جديدة، فانقسمت أوروبا إلى معسكرَيْن عسكريَّيْن - سياسيَّيْن مُتجابهَيْن، فصلَ بينهما جدارٌ إسمنتيّ حقيقيّ هذه المرّة، هو جدار برلين الذي شُيِّد في العام 1961. وتحوَّل حلفاء الأمس إلى أعداء، بعدما صارَ الاتّحادُ السوفياتي يُشكِّل، في نظر أوروبا والولايات المتّحدة، الخطرَ الجديد على النظام العالَميّ الذي تقوده واشنطن. وشكّلت أزمةُ الكاريبي ذروةَ احتدامِ الصراع بين المُعسكرَيْن. في خضمّ هذا الصراع صارت الولايات المتّحدة هي العنصر المُحدِّد لحالة العلاقات بين أوروبا وبين وروسيا التي غدت "محور الشرّ" المُعلَن. كان انهيارُ جدار برلين في العام 1989 إيذاناً بانتهاء الحرب الباردة. ومع انتهائها غابَ هذا التوصيف مؤقّتاً في تسعينيّات القَرن المنصرم، ليعود مجدّداً، وبقوّة، مع دخول روسيا "الحقبة البوتينيّة".
القَرن الحادي والعشرون: عودٌ على بدء
دخلت روسيا "الجديدة" والاتّحاد الأوروبيّ مع غروب القَرن العشرين في شراكةٍ اقتصاديّة وسياسيّة عُلِّقت عليها آمالٌ كبيرة. فقد شكَّل الاتّحاد الأوروبي بالنسبة إلى روسيا سوقاً أساسيّة لتصريفِ جزءٍ مُعتبَرٍ من إنتاجها من النفط والغاز ومَصدراً للسلع المُختلفة والتكنولوجيا والاستثمارات التي كانت بأمسّ الحاجة إليها. أمّا بالنسبة إلى أوروبا، فكانت روسيا عبارة عن سوقٍ واسعة ذات قدرة شرائيّة عالية ومَصدراً موثوقاً لموارد الطّاقة الرخيصة نسبيّاً الدّاعمة للاقتصادات الأوروبيّة. كانت هذه "الشراكة" مفيدة للجانبَيْن. فتطوَّرت العلاقاتُ بصورةٍ صاعدة، وبدا وكأنّ حقبةً من الدفء والانفراج عادتْ لتحلّ بينهما. بيْد أنّ الحربَ الشيشانيّة الثانية والتورُّطَ الأوروبي غَير الخفيّ فيها، ثمّ توسُّع حلف شمالي الأطلسي شرقاً بضمّ بلدان أوروبا الشرقيّة وصولاً إلى الجمهوريّات السوفياتيّة السابقة في البلطيق، خلافاً للتعهّدات التي قُدّمت لروسيا لدى إعادة توحيد ألمانيا، أَعاد عقارب الساعة إلى الوراء.
بَدا واضحاً مع قدوم الرئيس بوتين أنّ روسيا قَلبت صفحة التنازُلات والشراكة من مَوقع الضعف التي انتُهجت في عهد يلتسين، لتَبدأ نَهجاً جديداً يَهدف إلى استرجاع موقعها السابق كلاعبٍ فاعل على الساحة الدوليّة. وبدأت ما اصطُلح على تسميته "الحقبة البوتينيّة"، بالحرب الجورجيّة في العام 2008، ثمّ ضمّ شبه جزيرة القرم عقب ما اعتبرته انقلاباً على السلطة الشرعيّة في "كييف" في العام 2014، وصولاً إلى دخول القوّات الروسيّة الأراضي الأوكرانيّة وضمّ الأقاليم الأربعة في العام 2022 لتَنطلقَ الحربُ المُستمرّة منذ قرابة أربع سنوات.
أَعادت هذه الأحداثُ والتطوّرات العلاقات الروسيّة - الأوروبيّة إلى ما دون الصفر. وعادت أجواءُ العداء والقطيعة، السياسيّة والدبلوماسيّة والاقتصاديّة، بل وحتّى على المستويات الفنيّة والرياضيّة، لتسودَ في هذه العلاقات على نحوٍ لم يَسبق له مثيل، حتّى في سنوات الحرب الباردة والستار الحديدي.
العلاقات الروسيّة - الأوروبيّة اليوم
وهكذا، عادَت المُجابهةُ بين الجانبَيْن. فقطعتْ دولُ الاتّحاد الأوروبي العلاقات الاقتصاديّة والتجاريّة مع روسيا وقلَّصت بَعثاتِها الدبلوماسيّةَ إلى الحدود الدنيا، وفَرضت عليها قيوداً في المجالات الفنيّة والرياضيّة، وجمَّدت أصولَ روسيا الماليّة المودَعة في المصارف الأوروبيّة، وفَرضت كمّاً هائلاً من العقوبات على روسيا (قرابة 30 ألف عقوبة) وأَعلنتها دولةً راعية للإرهاب، وشرعت في تزويدِ أوكرانيا بكلّ أنواع الأسلحة والخُبرات والمعلومات الاستخباريّة وشتّى أنواع الدَّعم العسكري بما يُشبه المُشارَكة غير المُعلنة في الحرب. وفي ظلّ المُجابَهة الدائرة حول أوكرانيا، تابعَ حلفُ الناتو توسُّعَهُ ليَضمّ كلّاً من السويد وفنلندا، ما شكَّل تهديداً حقيقيّاً للأمن القومي الروسي. وبذلك توحَّدت الدولُ الأوروبيّة ضدّ روسيا، التي ترى أنّها تخوض اليوم حَرباً في مواجهة الغرب الموحَّد وليس أوكرانيا وحدها.
ومع اندلاع الحرب الأوكرانيّة في العام 2022 قطعتْ أوروبا الشراكة الاقتصاديّة مع روسيا، على الرّغم من الضَّرر الكبير الذي لحقَ باقتصاداتها، وفَرضت عقوباتٍ على شخصيّاتٍ سياسيّة ورجالِ أعمالٍ وعلى شركاتٍ ومصارف. وشَملت أبرز هذه العقوبات والقيود الأمورَ الآتية:
تجميد أصول روسيا الماليّة في المصارف الأوروبيّة البالغة قرابة 300 مليار دولار، ومُحاولة مُصادَرة هذه الأموال وكذلك الفوائد المُتأتّية منها؛
حظْر توريد السلع والتكنولوجيا لعددٍ من القطاعات الصناعيّة، وخصوصاً لصناعات الفولاذ والآلات؛
عزْل المصارف الروسيّة عن نظام "السويفت" للتحويلات الماليّة؛
فصْل روسيا عن الرحلات الجويّة المُباشرة وحظْر الطيران المدنيّ الروسيّ في الأجواء الأوروبيّة؛
وقْف البثّ للقنوات التلفزيونيّة ومواقع "الويب" الروسيّة؛
فرْض قيودٍ على صادرات النفط والغاز والمشتقّات النفطيّة، ووضْع سقفٍ لسعر النفط الروسيّ؛ ثمّ تفجير أنبوب الغاز "السيل الشمالي"؛
منْع السفن الروسيّة من دخول الموانئ الأوروبيّة.. واللّائحة تطول.
ردَّت روسيا بفرْضِ قيودٍ وعقوباتٍ بَدتْ أقلّ عدداً وشموليّة، وأعلنت قائمة من "الدول غير الصديقة" شملت غالبيّة الدول الأوروبيّة عمليّاً. ومع فرْضِ العقوبات الأوروبيّة، خرجت شركاتٌ أوروبيّة، صناعيّة وتجاريّة، عديدة من السوق الروسيّة. فوضعتِ السلطاتُ الروسيّة اليدَ على أصولها، وعملتْ على تشغيلِ قسمٍ كبير منها بطاقاتٍ وخبراتٍ محليّة لتجنُّب الإرباك في الأسواق وللحفاظ على فُرص العمل. كما فَرضتِ السلطاتُ الروسيّة قيوداً على إخراج أرباح الشركات التي بقيت في السوق من العملات الصعبة وأَلزمتها تحويلَ قسمٍ منها إلى الروبل وإيداعها في المصارف الروسيّة. وعندما حاوَلت بعض الشركات العودة لاحقاً إلى السوق الروسيّة، فَرضت عليها الحكومةُ شروطاً إضافيّة أكثر تشدُّداً. وثمّة مَن يقول إنّ سياسة العقوبات لم تؤتِ أكلها، وإنّ الاقتصادَ الروسي أَثبت مناعتَه أمام سياسة الضغط الاقتصاديّ، وإنّ الاتّحاد الأوروبيّ يُخاطِر بخسارةِ السوق الروسيّة بالكامل، مُلحِقاً ضَرراً بنفسه لا يعوَّض.
وأَصابت شظايا الصراع المُحتدِم ميداناً كان من المُفترَض أن يَبقى بعيداً عن تبادُل اللّكمات، هو الميدان الثقافيّ والفنّي؛ وخصوصاً إذا أخذنا في الحسبان تاريخ العلاقات الثقافيّة بين الجانبَيْن وعُمقها. فتحتَ شعارٍ سوريالي هو "محو الثقافة الروسيّة" في أوروبا، مُنعت أعمالُ أدباءٍ كبار من أمثال دويستوفسكي وموسيقيّين عظماء من أمثال تشايكوفسكي، وأُلغيت حفلاتُ المسرح الروسي في عددٍ من العواصم الأوروبيّة وكذلك حفلاتٌ لكبار العازفين الروس، وفُرضت قيودٌ على زيارات ومحاضرات لأدباء وشعراء روس إلى بلدان أوروبيّة ومُنعوا من المشاركة في مؤتمرات ثقافيّة فيها. وهو أمر لم تشهده العلاقات الروسيّة - الأوروبيّة في أسوأ مراحل الحرب الباردة. وانسحبَ الأمر على الميدان الرياضي. إذ استغلَّ الأوروبيّون نفوذَهم في اللّجنة الأولمبيّة والاتّحادات الرياضيّة الدوليّة لمنْعِ مُشارَكة الرياضيّين الروس في المُباريات العالميّة. على خلاف الردود الروسيّة المُماثلة على العقوبات والقيود الأوروبيّة في المجالَيْن السياسي والاقتصادي، لم تُبادِر روسيا إلى معاملة الأوروبيّين بالمِثل في المجال الثقافي. فتركتِ الأبوابَ الروسيّة مفتوحةً أمام مشاركة المثقّفين والمسرحيّين والفنّانين الأوروبيّين في المهرجانات والمناسبات الثقافيّة والفنيّة التي عملت على تنظيمها، وتعمَّدت أن تكون مكثّفة وواسعةَ التمثيل العالميّ لتأكيد دَورها وحضورها في عالَم الثقافة.
مُستقبل العلاقات
إذا كان هذا هو حال العلاقات بين الطرفَيْن اليوم، فما هو المَسار الذي يُمكن أن تسلكه في المستقبل، أخْذاً بالاعتبار تجارب الماضي والحاضر القاتمة، وكذلك واقع التجاوُر الجغرافي والمصالح الاقتصاديّة والتعقيدات الجيوسياسيّة التي لا مَهرب منها، والتي تُحتمّ على الطرفَيْن استئنافَ العلاقات، ولو بَعد حين؟
في اللّحظة الرّاهنة، وفي ضوء استعصاء حلّ المشكلة الأوكرانيّة، تبقى الآمالُ على تعافي العلاقات الاقتصاديّة والسياسيّة بين روسيا والاتّحاد الأوروبي واهيةً جدّاً نتيجة التناقُض المُطلق في مُقارَبة الطرفَيْن للمسألة، من وجهة نظر المصالح الحيويّة لكلٍّ منهما، وربّما الوجوديّة؛ فروسيا لن تَقبل بأيّ حالٍ من الأحوال بتحوُّلِ أوكرانيا رأس جسر للنفوذ الغربيّ السياسيّ والعسكريّ في قلب ما تَعتبره "العالَم الروسيّ". أمّا أوروبا فترى أن انتصارَ روسيا في الصراع الدائر، ودخول النفوذ الروسيّ إلى عاصمة أو عواصم أوروبيّة عدّة، يبقى خطّاً أحمر بالنسبة إليها. وصورة الخيّالة الروس في شوارع باريس بَعد هزيمة نابوليون والدبّابات السوفياتيّة في برلين بَعد دحْرِ النازيّة، تبقى ماثلةً في أذهان الأوروبيّين ولا رغبة لديهم في تكرارها. كلّ ذلك يَدفع إلى الاعتقاد بأنّ احتمال عودة "الدفء" أو الانفراج، أمرٌ بعيد الاحتمال في المستقبل المنظور.
فعلى المستوى الاقتصاديّ، على سبيل المثال، يُبدي الاتّحادُ الأوروبي الاستعدادَ لتحمُّلِ أكلاف الافتراق عن العامل الروسي، وخصوصاً في ما يخصّ إمدادات موارد الطّاقة، وكذلك خسارة سوق الاستثمار والاستهلاك الروسيّة الواسعة. أمّا روسيا فتبدو وكأنّها حَسمت خياراتِها الاقتصاديّة في التوجُّه شرقاً، نحو الصين والهند وبلدانٍ أخرى في آسيا والشرق الأوسط وأفريقيا. ناهيك بسعيها مع شركائها لخلْقِ البدائل للهيْمَنة الغربيّة عن طريق منظّماتٍ وتجمّعات دوليّة من أمثال "بريكس" و"منظّمة شانغهاي" وغيرها.
ربّما يبقى مستقبل العلاقات الثقافيّة أقلّ قتامة؛ فقد أَثبتتِ التجربةُ التاريخيّة أنّ هذا النَّوع من العلاقات قادرٌ في الغالب على تجاوُز الخلافات السياسيّة. ويَبقى رجالُ الثقافة والفنّ أكثر عقلانيّةً وتسامُحاً من رجال السياسة وأرباب الاقتصاد.